في هذه السنة وردت الأخبار بأن جماعة من التجار المسافرين خرجت من تنيس ودمياط ومصر ببضائع وأموال جمة كانوا قد ضجروا وملوا طول المقام وتعذر مسير الاصطول في البحر وحملوا نفوسهم على الخطر وأقلعوا في البحر فصادفتهم مراكب الافرنج فأخذتهم وحصل في أيديهم من الامتعة والمال ما يزيد على مائة ألف دينار وأسروهم وعاقبوهم واشتروا أنفسهم بما بقي لهم من الذخائر في دمشق وغيرها
[ ٢٧٤ ]
وأما بغدوين فإنه لما عاد من صيدا قصد عسقلان وغار عليها وكان واليها المعروف بشمس الخلافة يراسل بغدوين فاستقرت الحال بينهما على مال يحمله إليه ويرحل عنه ويكف الأذية عن عسقلان وكان شمس الخلافة أرغب في التجارة من المحاربة ومال إلى الموادعة والمسالمة وإيمان السابلة وقرر على أهل صور سبعة آلاف دينار تحمل إليه في مدة سنة وثلاثة شهور وانتهى الخبر بذلك إلى الافضل صاحب مصر في شوال فأنكر هذه الحال وأسرها في نفسه ولم يبدها لأحد من خاصته وجهز عسكرًا كثيفًا إلى عسقلان مع وال يكون مكان شمس الخلافة. فلما قرب من عسقلان وعرف شمس الخلافة ذاك أظهر الخلاف على الأفضل وجاهر بالعصيان عليه وأخرج من كان عنده من العسكرية لخوفه من تدبيرهم عليه من الأفضل لما يعلمه من الأمور التي أنكرها عليه ونقمها منه ومراسلته لبغدوين يلتمس منه المصافاة والمعونة بالرجال والغلال وإن دهمه أمر وحزبه خطب سلم إليه عسقلان فطلب منه العوض عنها. فلما عرف الأفضل ذلك أشفق من تمام هذا الأمر فكاتبه بما يطيب نفسه وغالطه وأقطعه عسقلان وأقر اقطاعه بمصر عليه وأزال الاعتراض لشيء من ماله في ديار مصر من خيل وتجارة وأثاث وخاف شمس الخلافة من أهل البلد فاستدعى جماعةً من الأرمن فأثبتهم في عسقلان ولم يزل على هذه الحال إلى آخر سنة ٥٠٤ فأنكر أمره أهل البلد ووثب عليه قوم من كتامة وهو راكب فجرحوه وانهزم إلى داره فتعبوه وأجهزوا عليه ونهبوا داره وماله وتخطفوا بعض دور الشهود والعامة وانتهى الخبر إلى صاحب السيارة فبادر إلى البلد فأطاع أمره من به وأنفذوا رأسه إلى الأفضل إلى مصر وأنهوا جلية حاله فحسن موضع ذلك منه وموقعه وأحسن إلى الواردين بهذه البشرى ثم تقدم بمطالبة القوم القاتلين بما نهبوه من داره واستولوا عليه من ماله ومال أهل البلد
[ ٢٧٥ ]
واعتقالهم وقبض جماعة من أهل البلد وحملهم إلى مصر ولما وصلوا اعتقلوا فيها وفي هذه السنة هبت بمصر وأعمالها ريح سوداء وطلع سحاب أسود أخذ بالأنفاس وأظلمت منه الدنيا حتى لم يبصر أحد يده والريح تسقي الرمل في مقل الناس ووجوهم حتى يئسوا من الحياة وأيقنوا بالبوار بهول ما عاينوه والخوف مما نزل بهم ولما تجل ذلك السواد عاد إلى الصفرة والريح بحالها ثم انجلت الصفرة وظهرت الناس الكواكب وظن أهل تلك الأعمال بأن القيامة قد قامت وخرج الناس من منازلهم وأسواقهم إلى الصحراء وركدت الريح وأقلع السحاب وعاد الناس إلى منازلهم سالمين من الأذى وكانت مدة هذه الشدة منذ صلوة العصر إلى صلاة المغرب وفيها وصل السلطان غياث الدنيا والدين محمد بن ملك شاه من همذان إلى بغداد في جمادى الأولى منها ووردت الكتب والرسل إليه من الشام بانهاء الحال وما جرى من الافرنج بعد عودهم عن الفرات ونوبة صيدا والأثارب وأعمال حلب. ولما كان أول جمعة من شعبان حضر رجل من الأشراف الهاشميين من أهل حلب وجماعة من الصوفية والتجار والفقهاء إلى جامع السلطان ببغداد فاستغاثوا وأنزلوا الخطيب عن المنبر وكسروه وصاحوا وبكوا لما لحق الاسلام من الافرنج وقتل الرجال وسبي النساء والأطفال ومنعوا الناس من الصلاة والخدم والمقدمون يعدونهم عن السلطان بما يسكنهم من انفاذ العساكر والانتصار للاسلام من الافرنج والكفار وعادوا في الجمعة الثانية المصير إلى جامع الخليفة وفعلوا مثل ذلك من كثرة البكاء والضجيج والاستغاثة والنحيب.
[ ٢٧٦ ]
ووصلت عقيب ذلك الخاتون السيدة أخت السلطان زوجة الخليفة إلى بغداد من أصفهان ومعها من التجمل والجواهر والأموال والآلات وأصناف المراكب والدواب والأثاث وأنواع الملابس الفاخرة والخدم والغلمان والجوار والحواشي ما لا يدركه حزر فيحصر ولا عد فيذكر واتفقت هذه الاستغاثة فتكدر ما كان صافيًا من الحال والسرور بمقدمها. وأنكر الخليفة المستظهر بالله أمير المؤمنين ما جرى وعزم على طلب من كان الأصل والسبب ليوقع به المكروه فمنعه السلطان من ذلك وعذر الناس فيما فعلوه وأوعز إلى الأمراء والمقدمين بالعود إلى أعمالهم والتأهب للمسير إلى جهاد أعداء الله الكفار
وفي جمادى الآخرة منها وصل رسول متملك الروم بهدايا وتحف ومراسلات مضمونها البعث على قصد الافرنج والايقاع بهم والاجتماع على طردهم من هذه الأعمال وترك التراخي في أمرهم واستعمال الجد والاجتهاد في الفتك بهم قبل اعضال خطبهم واستفحال شرهم ويقول أنه قد منعهم من العبور إلى بلاد المسلمين وحاربهم فإن طمعوا فيها بحيث تتواصل عساكرهم وامدادهم إلى البلاد الاسلامية احتاج إلى مداراتهم واطلاق عبورهم ومساعدتهم على مقاصدهم واغراضهم للضرورات القائدة إلى ذلك ويبالغ في الحث والتحريض على الاجتماع على حربهم وقلعهم من هذه الديار بالاتفاق عليهم
وفي هذه السنة نقض الملك بغدوين صاحب بيت المقدس الهدنة المستقر بين أتابك وبينه وكتب إلى ابن صنجيل صاحب طرابلس يلتمس منه الوصول إليه في عسكره ليجتمع معه في طبرية وجمع وحشد ورحل إلى ناحية بيت المقدس لتقرير أمر كان في نفسه فحدث له في طريقه مرض أقام به أيامًا ثم ابل منه وأفاق، وقصده في حشده ناحية البثنية من حوران، وقد اطرح كل
[ ٢٧٧ ]
من في الشام، ولم يبق في عينه منهم أمر يحفل به من جهتهم. فنهض ظهير الدين أتابك عند معرفته قصده في عسكره ونزل في المنزل المعروف برأس الماء ثم رحل عنه إلى اللجاة ونهض الافرنج في أثره إلى الضمين ففرق أتابك العسكر عليهم من عدة جهات وبث في المعابر والمسالك خيلًا يمنع من حمل المية إليهم وضايقهم مضايقةً ألجأتهم إلى الدخول في حكم المسالمة والموادعة وترددت المراسلات في ذلك إلى أن استقرت الحال بينهما على أن يكون لبغدوين النصف من ارتفاع جبل عرف والسواد والجبانية مضافًا إلى ما في يده ومن هذه الأعمال التي يليها في أيدي العرب من آل جراح وكوتب بينهما هذا الشرط ورحل كل منهما منكفئًا إلى عمله في آخر ذي الحجة منها. وقد كان الأمر تقزر مع السلطان غياث الدنيا والدين على انهاض العساكر عقيب تلك الاستغاثة المقدم شرحها ببغداد والتقدم إلى الأمراء بالتأهب للمسير إلى الجهاد فتأهبوا لذلك وكان أول من نهض منهم إلى أعمال الافرنج الأمير الاسفهسلار شرف الدين مودود صاحب الموصل في عسكره إلى سنجتان فافتتح تل مراده وعدة حصون هناك بالسيف والأمان
[ ٢٧٨ ]
ووصل إليه الأمير أحمديل في عسكر كثيف الجمع وكذلك تلاه الأمير قطب الدين سكمان القطبي من بلاد أرمينية وديار بكر فاجتمعوا في أرض حران وكتب إليهم سلطان بن علي بن منقذ صاحب شيزر يعلمهم نزول طنكري صاحب أنطاكية أرض شيزر وشروعه في بناء تل ابن معشر في مقابلة شيزر وحمل الغلال إليه ويستصرخهم ويبعثهم على الوصول إلى جهته. فحين عرفوا ذاك رحلوا إلى الشام وقطعوا الفرات في النصف من المحرم سنة ٥٠٥ ونزلوا على تل باشر في التاسع عشر من المحرم وأقاموا عليه منتظرين وصول الأمير برسق بن برسق صاحب همذان وكان قد أمر من السلطان بالتقدم عليهم فوصل إليهم في بعض عسكره وبه مرض من علة النقرس وسكمان القطبي أيضًا مريض والآراء بينما مختلفة وقاتل المطوعة والسوقة هذا الحصن ونقبوه فأنفذ جوسلين صاحب تل باشر إلى الأمير أحمديل الكردي يلاطفه بمال وهدية ويبذل له الكون معه والميل إليه وكان أكثر العسكر مع أحمديل وسأله الرحيل عن الحصن وينزل إليه فأجابه إلى ذلك على كراهية من باقي الأمراء واشتد مرض سكمان القطبي وعزم أحمديل على العود طمعًا منه في أن السلطان يقطعه بلاد سكمان وكان قد عقد بينهما وصلة وصهر فعادوا عن تل باشر إلى حلب ونزلوا عليها وعاثوا في أعمالها وفعلوا أقبح من فعل الافرنج في الفساد وتوقعوا خروج الملك فخر الملوك رضوان صاحب حلب إليهم أو خدمه ينفذها لهم فلم يلتفت إلى أحد منهم وأغلق أبواب حلب وأخذ رهاين أهلها إلى القلعة ورتب الجند وأحداث الباطنية والطائعين لحفظ الأسوار ومنع الحلبيين من الصعود إلى السور وأطلق الحرامية في أخذ من يظفرون به من أطراف العسكر.
[ ٢٧٩ ]
وقد كان ظهير الدين أتابك عند اجتماع هؤلاء الأمراء وعبورهم الفرات قد كاتبوه بالوصول إليهم ورد التدبير فيما يعتمدون عليه إليه ووصل إليه كتاب السلطان بمثل هذه الحال فاقتضت الصورة وصائب الرأي أن ينهض في العسكر نحوهم للاعتضاد على الجهاد وتقوية النفوس على حماية هذه البلاد من أهل الشرك والالحاد وجمع من أمكنه من رجال حمص وحماة ورفنية وسائر المعاقل الشامية وسار إليهم ووصلهم على ظاهر حلب فتلقوه بالاكرام والمزيد في الاحترام وقويت بوصوله النفوس واشتدت الظهور وسروا بحصوله عندهم سرورًا أظهر منهم وشاع عنهم فل ير منهم عزيمةً صادقة في جهاد ولا حماية بلاد
وأما سكمان القطبي فإنا لمرض اشتد به وأشفي منه ففصل عنهم وعاد إلى بلده وورد الخبر بوفاته في طريقه قبل وصوله الفرات. وأما
[ ٢٨٠ ]
برسق بن برسق فإنه كان يحمل في المحفة ولا يتمكن من فعل ولا قول. أما أحمديل
[ ٢٨١ ]
فإن عزمه قوي على العود بسبب بلاد سكمان وطمعه في اقتطاعها من السلطان فاستجرهم ظهير الدين أتابك إلى الشام فرحلوا في آخر صفر ونزلوا معرة النعمان فأقاموا على ذلك المنهاج الأول وامتار العسكر من عملها ما كفاهم وقصروا عن حملة من العلوفات والأقوات وظهر لظهير الدين من سوء نية المقدمين فيه ما أوحشه منهم ونفر قلبه من المقام بينهم وذكر له أن الملك فخر الملوك رضوان راسل بعض الأمراء في العمل عليه والايقاع به فاتفق مع الأمير شرف الدين مودود وتأكدت المصافاة والمعاهدة بينهما وحمل إلى بقية الأمراء ما كان صحبه من الهدايا لهم والتحف والحصن العربية السبق والاعلاق المصرية وقوبل ذلك منه بالاستكثار له والاستطراف والشكر والاعتراف ووفى له مودود بما بذله وثبت على المودة وجعل أتابك يحرضهم على قصد طرابلس ويعدهم حمل ما يحتاجون إليه من المير من دمشق وعملها وإن أدركهم الشتاء أنزلهم في بلاده فلم يفعلوا وتفرقوا أيدي سبا وعاد برسق بن برسق وأحمديل وتبعوا عسكر سكمان القطبي وتخلف منهم الأمير مودود مع أتابك فرحلا عن المعرة ونزلا على العاصي
[ ٢٨٢ ]
ولما عرف الافرنج رحيل العساكر وتفرقهم اجتمعوا ونزلوا أفامية بأسرهم بغدوين وطنكري وابن صنجيل بعد التباين والمنافرة والخلف وصاروا يدًا واحدة وكلمةً متفقةً على الاسلام وأهله وساروا لقصدهم فخرج سلطان بن منقذ من شيزر بنفسه وجماعته واجتمع مع أتابك ومودود وحرضهما على الجهاد وهون عليهما أمر الافرنج فرحلوا وقطعوا العاصي ونزلوا في قبلي شيزر وصار سوق العسكر في سوق شيزر ونزل عسكر مودود حول شيزر وبالغ ابن منقذ وجماعته في الخدمة والمواصلة بالميرة واصعد أتابك ومودود وخواصهما إلى حصن شيزر وباشر خدمتها بنفسه وأسرته ونزل الافرنج شمالي تل ابن معشر ودبر أمر العسكر أحسن تدبير وثبت الخيل من جميع جهاتهم تطرق حولهم وتجول عليهم وتمنع من الوصول إليهم وضيقوا عليها وجلوهم عن الماء وذادوهم عن العاصي لكثرة الرماة على شطوطه وجوانبه من قبليه فما يدنوا منه من الافرنج شخص إلا وقد قتل وطمع الأتراك فيهم وسهل أمرهم عليهم وكانت خيل المسلمين مثل خيل الافرنج إلا أن راجلهم أكثر وزحف الأتراك إليهم فنزلوا للحرب عن تل كانوا عليه فهجمت الأتراك عليهم من غربيهم ونهبوا جانبًا من عسكرهم وملكوا عدة من خيامهم وأثقالهم وجالوا حولهم فعادوا إلى مكانهم الذي كانوا به ورجعوا منه وذلك في شهر ربيع الأول. واشتد خوف الافرنج من الأتراك وأقاموا ثلاثة أيام لا يظهر أحد منهم ولا يصل إليهم شخص وعاد المسلمون لصلاة الجمعة في جامع شيزر فرحل الافرنج إلى أفامية ولم ينزلوا فيها بل تعدوها وتبعهم المسلمون عند معرفة رحيلهم وتخطفوا أطرافهم ومن ظفروا به سائرًا على أثارهم وعادوا إلى شيزر ورحلوا إلى حماة واستبشر الناس بعود الافرنج على هذه الحال
[ ٢٨٣ ]