كان بكجور قد خاف من عيسى بن نسطورس الوزير المقدم ذكره أن يعمل عليه لأسباب تقدمت بينه وبينه أوجبت ذاك فكتب إلى العزيز يذكر له جلالة حلب وكثرة ارتفاعها وأنها دهليز العراق وإذا حصلت له كان ما بعدها في يده وإن العسكر الذي بها قد كاتبه وبذل الطاعة له والمساعدة ويستدعي منه الانجاز والمعونة فأجابه بكل ما أراد وكتب إلى نزال والي طرابلس بالمسير إليه متى استدعاه من غير استئذان ولا معاودة استيمار وكان نزال هذا من وجوه قواده وصنائع عيسى الوزير وخواصه فكتب إليه عيسى سرًا بأن يتقاعد ببكجور وتظهر له المساعدة والمسارعة ويستعمل معه التعليل والمدافعة فإذا تورط مع مولاه وقاربه تأخر عنه وأسلمه فلم يشك بكجور في مسير نزال إليه وسار عن الرقة وكتب إلى نزال بأن يسير من طرابلس ليكون وصولهما إلى ظاهر حلب في وقت واحد فأجابه نزال ووعده. ونزل بكجور على بالس وفيها غلمان سعد الدولة أبي المعالي صاحب حلب وعدة من الديلم فقاتلهم وقاتلوه ورحل بكجور وتباطأ نزال في مسيره وواصل مكاتبة بكجور في منزل بعد منزل وقرب الأمر عليه في وصوله إليه وأقام بكجور على بالس خمسة أيام فلما لم يجد فيها مغمزًا فارقها وطلب حلب. وكان أبو المعالي كاتب بسيل عظيم الروم وأعلمه عصيان بكجور عليه
[ ٥٨ ]
وسأله مكاتبة البرجي صاحب بأنطاكية بالمسير إليه متى دعته حاجة إلى إنجاده ومعرفته فكاتب عظيم الروم بذاك وأكد القول عليه فلما وافى بكجور كاتب سعد الدولة البرجي فرحل ونزل مرج داق وهو على فرسخين من حلب ووصل بكجور إلى النقرة ونزل في ناحية تعرف بالناعورة وامتد عسكره إلى تل أعرن ومنها إلى حلب أربعة فراسخ وبرز سعد الدولة في غلمانه وأصحابه فكانوا ستة آلاف رجل من الروم والأرمن والديلم والأتراك ولم يكن معه من عسكر العرب إلا عمرو بن كلاب وعدتهم خمسمائة رجل إلا أنهم أولوا باس وقوة ومن سواهم من بطون العرب بني كلاب مع بكجور بعد أن حصل حرمه وأولاده في القلعة بحلب. ولما برز وسار عسكره وكان لؤلؤ الجراحي الكبير يحجبه أعجبه ما رأى من عدته وعدته فنزل إلى الأرض وصلى وعفر ودعا الله بنصره وإدالته من بكجور وغدره وفعل أصحابه مثل فعله واجتمعوا إليه وقالوا له: نفوسنا بين يديك والله لنبذلنها في طاعتك والمدافعة عنك. فشكرهم وقال لهم: أنتم الأولاد والعدة وهذه الدولة لكم وأنا فيها واحد منكم. واستدعى كاتبه المعروف بالمصيصي وأمره أن يكتب إلى بكجور يستعطفه ويذكره الله ويخوفه ويبل له أن يقطعه من باب حمص إلى الرقة ويدعوه إلى الكف والموادعة ورعاية حق الرق والعبودية ويعلمه أنه متوقف عن حربه ولقائه إلى أن يعود إليه من جوابه ما يعول عليه. وسار فنزل بالموضع المعروف بالنيرب على ميل من حلب وعسكر الروم بازائه ووافى رسول سعد الدولة إلى بكجور فأوصل إليه الكتاب فلما وقف عليه قال له: قل له الجواب ما تراه عيانًا لا ما أرسل إليك كتابًا. فعاد الرسول وأعاد على سعد الدولة قوله وأعمله أنه ساير على أثره. فتقدم سعد الدولة إلى الموضع المعروف بدير الزبيب وقدم على مقدمته شجعان غلمانه وأنجادهم من عمرو بن كلاب الذين قدمنا ذكرهم وقد جعل بكجور على مقدمته بارخ
[ ٥٩ ]
ورشيقًا غلاميه في مائة غلام ووقع التطارد وكان الفارس من أصحاب سعد الدولة إذا عاد إليه وطعن وجرح خلع عليه وأحسن إليه وكان بكجور بضد ذلك بخلًا وإذا عاد إليه رجل على هذه الحال أمر بأن يكتب اسمه لينظر مستأنفًا في أمره. وقد كان سعد الدولة كاتب العرب الذين مع بكجور وأمنهم وأرغبهم ووعدهم الاقطاعات الكثيرة والعطايا الفاضلة الفائضة وألا يؤاخذوهم بالانحياز إلى بكجور والحصول معه فلما حصلت أماناته وتوقيعاته في أيديهم عطفوا على سواد بكجور فنهبوه وانصرفوا عنه واستأمنوا إلى سعد الدولة ونزلوا عليه وراى بكجور ما تم عليه من تقاعد نزال وغدر العرب وتأخر غلمان سعد الدولة الذين كانوا كاتبوه ووعدوه الانحياز إليه إذا عاينوه فاستدعى أبا الحسن كاتبه المعروف بابن المغربي وقال له: غررتني وأوهمتني أن العزيز يجئني ويعاونني وأن العرب تخلص لي وتناصحني وأن العرب توافيني ويستأمنوا إلي وما كان لشيء من ذلك حقيقة فما الرأي الآن فإن بازائنا عسكرًا عظيمًا لا طاقة لنا به. قال: صدقت أيها الأمير فيما قلته وواله ما أردت غشك ولا فارقت نصحك والصواب مع هذه
الأسباب العارضة أن ترجع إلى الرقة وتكاتب العزيز بما عاملك به نزال وتعاود استنجاده فإنه ينجدك ويستظهر في أمرك. وكان في عسكر بكجور قائد من قواده يجري مجراه في التقدم يعرف بابن الخفاني فقال له وقد سمع ما جرى بينه وبين ابن المغربي فقال: ما عندك فيما قاله وأشار به؟ فقال له: هذا كاتبك يقول إذا جلس في دسته الأقلام تنكس الأعلام فإذا
[ ٦٠ ]
حقت الحقائق أشار علينا بالهرب وإذا هربنا فأي وجه يبقى لنا عند الملوك وزوجة من يهرب اليوم طالق ليس إلا السيف فأما لنا وأما علينا. وسمع ابن المغربي ما قاله ابن الخفاني فخاف بكجور وقد كان واقف بدويًا من شيوخ بني كلاب يعرف بسلامة بن بريك على أن يحمله إلى الرقة متى كانت هزيمة وبذل له ألف دينار على ذلك فما استشعر من بكجور ملابسه تشعره سامه تسييره قبل الوقت الذي أعده له فأوصله إلى الرقة. وعمل بكجور على ما فيه من قوة النفس وفضل الشجاعة على أن يعمد إلى الموضع الذي فيه سعد الدولة من مصافه ويهجم عليه بنفسه ومن يقتحمه معه من صناديد غلمانه ويوقع به واعتقد أنه إذا فعل ذلك وكبس الموضع وانهزم الناس وملك فاختار من غلمانه من ارتضاه ووثق به بحسن البلاء منه وقال لهم: قد تورطنا من هذه الحرب ما عرفتموه وحلنا على شرف الهزيمة وذهاب النفوس وقد عزمت على كذا وكذا فإن ساعدتموني رجوت أن يكون الفتح على أيديكم والأثر لكم. فقالوا: نحن طوعك وما نرغب بنفوسنا عن نفسك. وبادر واحد ممن سمع الكلام منه إلى لؤلؤ الجراحي فاستأمن إليه واعلمه بالصورة فأسرع لؤلؤ إلى سعد الدولة وأخذ الراية من يده ووقف في موضعه وقال: تهب لي يا مولاي هذا المكان اليوم وتنتقل إلى مكاني عنه فإن بكجور أيس من نفسه وقد حدثها بأن يقصدك ويقع عليك ويوقع بك ويجعل ذلك طريقًا إلى فل عسكرك وقد عرفت ذلك من جهة لا أشك فيه
[ ٦١ ]
وسيفعل ولئن أفديك بنفسي وأكون وقايةً لك ولدولتك أولى من التعريض بك. فانتقل سعد الدولة والعماية في ظهره والراية في يده وجال بكجور في أربعمائة فارس من الغلمان عليهم الكذاغندات والخوذ وبأيديهم السيوف واللتوت وعلى خيلهم التجافيف وحمل في عقب جولته حملةً أفرجت له بها العساكر ولم يزل يضرب بالسيف حتى وافى إلى لؤلؤ فضربه على الخوذة في رأسه ووقع لؤلؤ إلى الأرض وحمل العساكر على بكجور وبادر سعد الدولة إلى مكانه مظهرًا نفسه لغلمانه فلما رأوه قويت نفوسهم وثبتت أقدامهم واشتدوا في القتال حتى استفرغ بكجور جهده ووسعه ولم يبق له قدرة ولا حيلة انهزم في سبعة نفر من غلمانه صوب حلب واستولى القتل والأسر على أصحابه وتم الهزيمة. وقد رمى عن نفسه جوشنه وعن فرسه تجافيفه وقد فعل من كان معه مثل فعله وكان الفرس الذي تحته من الخيول التي أعدها لمثل ما حصل فيه وثمنه عليه ألف دينار وأوفى إلى رحًا تعرف بالقيريمي على فرسخ من حلب مقابلي قنسرين ولها ساقية تحمل إليها سعتها قدر ذراعين في سمك ذراع فحمل الفرس على أن يعبرها خوضًا ووثبًا فلم يكن فيه واجهده ووقف به وناداه غلمانه أن الخيل قد أدركتنا ولحقهم عشرة فوارس من العرب فأرجلوهم عن دوابهم وسلبوهم ثيابهم ولم يعرفوا بكجور وعادوا عنهم وبقي بكجور وغلمانه عراة فلجؤا إلى الرحا واستجاروا بصاحبها فأدخلهم إليها. وجاءت سرية أخرى من العرب تطلب النهب فظنوا أن مع الغلمان الذين في الرحا ما يغنمونه منهم فطالبوا صاحبها بتسليمهم فأعلمهم أنهم عراة فقالوا: إن شاهدناهم على ما ذكرت تركناهم وإلا أحرقنا الرحا.
[ ٦٢ ]
ففتح الباب وأخرجهم إليهم فلما رأوا حالهم خلوا عنهم. ومضى بكجور وغلمان معه من غلمانه إلى براح فيه زرع حنطة فطرح نفسه وفيه ومر قوم من العرب فظنوا أن معهم ما يفوزون به فعدلوا إليهم وكان فيهم رجل من قطن يعرفه بكجور فقال له: أتعرفني؟ قال: لا. قال: اذمم لي حتى أعرفك نفسي. فأذم له. قال له: أنا بكجور فاصطنعني واحملني إلى الرقة فإنني أوقر بعيرك ذهبًا وأعطيك كل ما تقترحه. قال: افعل. فأردفه وحمله إلى بيته وكساه قميصًا وفروًا وعمامةً. وكان سعد الدولة قد بث الخيل في طلب بكجور ونادى من أحضر بكجور فله مطلبه فلما حصل بكجور في بيت البدوي ساطنه به وطمع فيما كان سعد الدولة بذله فيه واستشار ابن عم له في أمره فقال له: هو رجل بخيل فربما غدر ولم يف بوعده والصواب أن تقصد سعد الدولة وتأخذ منه عاجلًا ما
يعطيك. فركب البدوي إلى عسكر سعد الدولة وصاح نصيحة فأحضر إلى حضرته فقال له: ما نصيحتك؟ قال: ما جزاء من يسلم بكجورًا؟ قال: حكمه. قال: فهو عندي وأريد عنه مائتي فدان زراعة ومائة ألف درهم ومائة راحلة تحمل حنطة وخمسين قطعة ثيابًا. قال سعد الدولة: وكل ذلك لك. قال: وثق لي منه. وعرف لؤلؤ الجراحي خبر البدوي فتحامل وهو مثخن بالضربة التي أصابته ومشى متوكيًا على غلمانه حتى حضر بين يدي سعد الدولة فقال: يا مولاي ما يقول هذا؟ قال: يقول أن بكجور عنده وقد طلب ما أجبناه إليه وهو ماض لاحضاره. فقبض لؤلؤ على يد البدوي وقال له: ابن أهلك؟ قال: في المرج على فرسخ. فاستدعى جماعةً من الغلمان وقدم عليهم إقبالًا الشفيعي وأمرهم أن يرتقوا رؤوس الجبال حتى يوافوا الحلة ويقبضوا على بكجور ويحمله وهو قابض على يده والبدوي يستغيث بسعد الدولة ثم تقدم إلى سعد الدولة وقال: يا مولانا لا تنكر علي فعلي فإنه كان مني عن استظهار في خدمتك
[ ٦٣ ]
ولو عاد هذا البدوي إلى أهله وأحس بكجور بما فيه لأعطاه الرغائب على تخليصه ولا تأمن أن يقبل ذاك منه والذي طلبه هذا البدوي مبذول له وما ضرنا الاحتياط في التمسك به إلى أن يوافينا فنعطيه حينئذ ونفي له بما وعدناه. فقال: أحسنت يا أبا محمد لله درك. ولم يمض ساعات حتى عادت النجب مبشرةً بحصول بكجور ووافى بعدها إقبال الشفيعي وهو معه فوقف به من وراء السرادق واستأذنه في إدخاله إليه وأنفذ سعد الدولة إلى لؤلؤ وقال له: ما رأيك في بكجور؟ قال: ضرب عنقه لوقته لو جاءت سناء الزينة الناس يعني أخت سعد الدولة واستوهبته منك فوهبته لها لكان لنا شغل محدد. فأمر سعد الدولة فرجًا العدلي فكان سيافه فضرب عنقه وعنق ابن الخفاني وكان قد حصل في الأسر وحملها إلى الموضع المعروف بحصن الناعورة فصلبهما بأرجلهما. وسار سعد الدولة إلى الرقة فنزل عليها وفيها سلامة الرشيقي وأبو الحسن المغربي وأولاد بكجور وحرمه وأمواله وأرسل سلامة بتسليم البلد فأجابه فإني عبدك وعبد عبدك إلا أن لبكجور علي عهودًا فمواثيق لا مخلص لي عند الله منها إلا بأجد أمرين أما أن تذم لأولاده على نفوسهم وأموالهم وتقتصر فيما تأخذه على الآت الحرب والعدد وتحلف لي ولهم على ذلك وأما أن أبلي عذرًا عند الله ﷿ فيما عقدته لبكجور فأجابه سعد الدولة إلى ما اشترطه وحلف له يمينًا عملها أبو الحسن ابن المغربي. وكان سعد الدولة قد أباح دمه فهرب إلى الكوفة وأقام بمشهد أمير المؤمنين علي ﵇. ولما توثق سلامة سلم حصن الرافقة وخرج القوم ومعهم من المال والرحل الشيء الكثير وسعد الدولة يشاهدهم من وراء سرادقه وبين يديه ابن أبي حصين القاضي فقال له: ما ظننت
[ ٦٤ ]
أن حال بكجور انتهت إلى ما أراه من هذه الأموال والأثقال. فقال له: أي شيء أعتقد الأمير في ذاك؟ قال له: وهل بقي في هذا الأمر موضع اعتقاد؟ قال له ابن أبي حصين: أن بكجور وأولاده مماليك وكل ما ملكوه فهو لك ولا حرج عليك فيما تأخذه منه ولا حنث في الأيمان التي حلفت بها ومهما كان فيها من وزر واثم فعلي دونك. فلما سمع هذا القول منه غدر بهم وتقدم بردهم والقبض عليهم وجميع ما معهم. وكتب أولاد بكجور إلى العزيز بما تم عليهم وعلى والدهم وسألوه مكاتبة سعد الدولة بالكف عنهم والابقاء عليهم فكتب إليه كتابًا يتوعده فيه ويأمره بإزالة الاعتراض عن المذكورين وتسييرهم إلى مصر موفورين ويقول له في اخره: أنك متى خالفتنا في ذلك واحتججت فيه كنا الخصوم لك وجهزنا العساكر إليك. وأنفذه مع فايق الصقلبي أحد خواصه وسيره على نجيب فوصل فايق إليه وقد عاد من الرقة وهو بظاهر حلب وأوصل إليه الكتاب فلما وقف عليه جمع وجوه قواده وغلمانه وقراه عليهم ثم قال لهم: ما الرأي عندكم فيه؟ قالوا نحن عبيدك وغلمانك ومهما أمرتنا به وندبتنا له كانت عندنا الطاعة والمناصحة فيه. وتقدم عند ذاك بإحضار الرسول فلما مثل بين يديه أمر بإعطائه الكتاب ولطمه حتى يأكله فقال له: أنا رسول وما عرف من الملوك معاملة الرسل بمثل ذلك وهذا الفعل ما لا يجوز. فقال له: لا بد أن تأكله. فلما مضغه قال له: عد إلى صاحبك وقل له: لست ممن تخفي أخبارك عنه وتمويهاتك عليه وما بك حاجة إلى تجهيز العساكر إلي فإنني ساير إليك ليكون اللقاء قريبًا منك وخبري يأتيك من الرملة. وقدم سعد الدولة
قطعة من عساكره أمامه إلى حمص. وعاد فايق إلى العزيز فعرفه ما سمعه وشاهده فأزعجه ذلك وبلغ منه وأقام سعد الدولة بظاهر حلب أيامًا على أن يرتب أموره ويتلو من تقدمه من عسكره. فاتفق أن عرض له قولنج أشفى منه وكان له طبيبان عارفان أحدهما يعرف بالتفليسي والآخر يوانيس فأشارا عليه بدخول البلد وملازمة الحمام فامتنع عليهما وقال لهما: أنا بازآء وجه أريد قصده وإذا عدت وقع الارحاف بي وكان في العود طيرة علي. ثم زاد ما يجده فدخل فعالجاه فابل واستقل وكتب إلى أصحابه يذكر عافيته فأوصل الناس إليه حتى شاهدوا حاله وهنوه بالسلامة. وكان المستولي على أمره والمقدم عنده في رايه لؤلؤ الكبير الذي تقدم ذكره فلما كان في اليوم الثالث من أكله الفروج زين له البلد ليركب فيه من غد ويعود إلى العسكر فاتفق أن حضرت عند فراشه ليلة اليوم الذي عمل على الركوب فيه جارية تسمى انفراد وكان يتحظاها ويقدمها على سواها من سرياته وهن أربعمائة جارية فتتبعتها نفسه وواقعها فلما فرغ سقط عنها وقد جف نصفه وبادرت الجارية إلى أخته فأعلمتها صورته فدخلت إليه وهو يجود نفسه واستدعت طبيبيه فحضرا وشاهداه وتعرفا المسبب فيما لحقه فعرفاه وأشارا بشجر الند والعنبر حوله إلى أن ينيف قليلًا وتثوب قوته فلما كان ذلك عاد إليه وقال له التفليسي: أعطني أيها الأمير يدك لأخذ بجسك. فأعطاه اليسرى فقال. يا مولانا اليمين. فقال: يا تفليسي ما تركت لي اليمين يمينًا. ومضت عليه ثلاث ليال قضى بعد أن قلد عهده أبا الفضائل ولده ووصى إلى لؤلؤ الكبير به وبأبي الهيجاء ولده الآخر وست الناس أخته وحمل تابوته إلى الرقة ودفن في المشهد ظاهرها. ونصب لؤلؤ ولده أبا الفضائل في الأمر وأخذ له البيعة على الجند بعد أبيه في شهر رمضان سنة ٣٨١. وتراجعت العساكر عند ذلك إلى حلب واستأمن منها إلى العزيز بالله رقي الصقلبي في ثلاثمائة غلام وبشارة الاخشيدي في أربعمائة غلام وقوم آخرون فقبلهم وأحسن إليهم وولي بشارة طبرية ورقي عكا ورباحا قيسارية. وقد كان أبو الحسن بن المغربي بعد حصوله في المشهد في الكوفة كاتب العزيز وصار بعد المكاتبة إلى حضرته فلما حدث لسعد الدولة حادث الوفاة عظم أمر حلب عنده وكبر في نفسه أحوالها وهون عليه حصولهاكره أمامه إلى حمص. وعاد فايق إلى العزيز فعرفه ما سمعه وشاهده فأزعجه ذلك وبلغ منه وأقام سعد الدولة بظاهر حلب أيامًا على أن يرتب أموره ويتلو من تقدمه من عسكره. فاتفق أن عرض له قولنج أشفى منه وكان له طبيبان عارفان أحدهما
[ ٦٥ ]
يعرف بالتفليسي والآخر يوانيس فأشارا عليه بدخول البلد وملازمة الحمام فامتنع عليهما وقال لهما: أنا بازآء وجه أريد قصده وإذا عدت وقع الارحاف بي وكان في العود طيرة علي. ثم زاد ما يجده فدخل فعالجاه فابل واستقل وكتب إلى أصحابه يذكر عافيته فأوصل الناس إليه حتى شاهدوا حاله وهنوه بالسلامة. وكان المستولي على أمره والمقدم عنده في رايه لؤلؤ الكبير الذي تقدم ذكره فلما كان في اليوم الثالث من أكله الفروج زين له البلد ليركب فيه من غد ويعود إلى العسكر فاتفق أن حضرت عند فراشه ليلة اليوم الذي عمل على الركوب فيه جارية تسمى انفراد وكان يتحظاها ويقدمها على سواها من سرياته وهن أربعمائة جارية فتتبعتها نفسه وواقعها فلما فرغ سقط عنها وقد جف نصفه وبادرت الجارية إلى أخته فأعلمتها صورته فدخلت إليه وهو يجود نفسه واستدعت طبيبيه فحضرا وشاهداه وتعرفا المسبب فيما لحقه فعرفاه وأشارا بشجر الند والعنبر حوله إلى أن ينيف قليلًا وتثوب قوته فلما كان ذلك عاد إليه وقال له التفليسي: أعطني أيها الأمير يدك لأخذ بجسك. فأعطاه اليسرى فقال. يا مولانا اليمين. فقال: يا تفليسي ما تركت لي اليمين يمينًا. ومضت عليه ثلاث ليال قضى بعد أن قلد
[ ٦٦ ]
عهده أبا الفضائل ولده ووصى إلى لؤلؤ الكبير به وبأبي الهيجاء ولده الآخر وست الناس أخته وحمل تابوته إلى الرقة ودفن في المشهد ظاهرها. ونصب لؤلؤ ولده أبا الفضائل في الأمر وأخذ له البيعة على الجند بعد أبيه في شهر رمضان سنة ٣٨١. وتراجعت العساكر عند ذلك إلى حلب واستأمن منها إلى العزيز بالله رقي الصقلبي في ثلاثمائة غلام وبشارة الاخشيدي في أربعمائة غلام وقوم آخرون فقبلهم وأحسن إليهم وولي بشارة طبرية ورقي عكا ورباحا قيسارية. وقد كان أبو الحسن بن المغربي بعد حصوله في المشهد في الكوفة كاتب العزيز وصار بعد المكاتبة إلى حضرته فلما حدث لسعد الدولة حادث الوفاة عظم أمر حلب عنده وكبر في نفسه أحوالها وهون عليه حصولها
[ ٦٧ ]