فيها أنفذ صاحب عرقة إلى ظهير الدين أتابك رسوله يلتمس منه المعونة على دفع الافرنج عنها وإنفاذ من يتسلمها فندب بعض ثقاته فتسلمها وأقام واليًا بها منتظرًا وصول العسكر إليها والوفاء بما وعد به من الخلع عليه والاحسان إليه فحدث في الوقت من الثلوج والأمطار ما عاق المسير إليها وقل القوت بها وانقطعت الميرة عنها فبادر الافرنج بالنزول عليها وتوجه ظهير الدين عند ذاك إليها فصادفهم قد أحاطوا بها ولم يتمكن من دفعهم عنها. وعاد إلى حصن الأكمة ونزل عليه وقاتله فلما
[ ٢٦٠ ]
عرف الافرنج ذلك نهضوا إليه في تقدير ثلاثمائة فارس لانجاد من بالأكمة فوصلوا إليهم ليلًا فقويت نفوسهم واقتضى رأي أتابك الرحيل عنها بحكم من صار فيها منهم فرحل كالمنهزم وطمع فيه وتتبع العسكر فغنم من الخيل والكراع غنيمة كبيرة وتفرق العسكر في الشجر والجبال ووصلوا إلى حمص على أقبح صفة وأشنع صورة من غير لقاء ولا محاربة وعاد الافرنج إلى عرقة وعدم القوت فيها فملكوها بالأمان وفيها استوزر ظهير الدين أبا نجم هبة الله بن محمد بن بديع الأصفهاني الذي كان مستوفيًا للسلطان تاج الدولة وكان قد وزر بعده لولده الملك رضوان بحلب وبقي في الوزارة مدة في أوائل سنة ٥٠٢ وأفسد قلب ظهير الدين أتابك عليه مع ما كان في قلبه في الأيام التاجية فأمر بالقبض عليه واعتقاله في القلعة وحمل كل ما كان في داره وقبض أملاكه وأقام أيامًا في الاعتقال ثم أمر بخنقه فخنق ورمي في جب بالقلعة ثم أخرج ودفن في المقابر وفي شعبان من هذه السنة وصل ريمند بن صنجيل الذي كان نازلًا على طرابلس من بلاد الافرنج في جملة ستين مركبًا في البحر مشحونةً بالافرنج والجنويين فنزل على طرابلس ووقع بينه وبين السرداني ابن أخت صنجيل مشاجرة ووصل طنكري صاحب انطاكية إليه لمعونته للسرداني ووصل الملك بغدوين صاحب بيت المقدس في عسكره فأصلح بينهم. وعاد السرداني إلى عرقة ووجد بعض الافرنج في زرعها فأراد ضربه فضربه الافرنجي فقتله ولما بلغ الخبر ريمند بن صنجيل وجه من تسلم عرقة من أصحابه.
[ ٢٦١ ]
ونزل الافرنج بجموعهم وحشدهم على طرابلس وشرعوا في قتالها ومضايقة أهلها منذ أول شعبان إلى الأحاديث عشر من ذي الحجة من السنة وأسندوا أبرجهم إلى السور فلما شاهد الجند والمقاتلة أهل البلد سقط في أيديهم وأيقنوا بالهلاك وذلت نفوسهم لاشتمال اليأس من تأخر وصول الاصطول المصري في البحر والميرة والنجدة وقد كانت غلة الاصطول أزيحت وسير الريح ترده لما يريد الله تعالى من نفاذ الأمر المقضي فشد الافرنج القتال عليها وهجموها من الأبراج فملكوها بالسيف في يوم الاثني لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة من السنة ونهبوا ما فيها وأسروا رجالها وسبوا نساءها وأطفالها وحصل في أيديهم من أمتعتها وذخائرها ودفاتر دار علمها وما كان منها في خزائن أربابها ما لا يحد عدده ولا يحصر فيذكر. وسلم الوالي بها وجماعة من جنده كانوا التمسوا الأمان قبل فتحها فلما ملكت أطلقوا ووصلوا إلى دمشق بعد أيام من فتحها وعوقب أهلها واستصفيت أموالها واستثيرت ذخائرهم من مكامنها ونزل بهم أشد البلاء ومؤلم العذاب
وتقرر بين الافرنج والجنويين على أن يكون للجنويين الثلاث من البلد وما نهب منه والثلاثان لريمند بن صنجيل وأفردوا للملك بغدوين من الوسط ما رضي به. وكان طنكري لما لم ينل ما أراد من نصرة السرداني قد عاد ونزل بانياس وافتتحها وأمن أهلها في شوال من السنة ونزل على ثغر جبيل وفيه فخر الملك ابن عمار والقوت فيه نزر قليل فلهم يزل مضايقًا له ولأهله إلى يوم الجمعة الثاني والعشرين من ذي الحجة فراسلهم وبذل لهم الأمان فأجابوه إلى ذلك فتسلمه بالأمان وخرج منه فخر الملك ابن عمار سالمًا وقد وعده بإحسان النظر والاقطاع.
[ ٢٦٢ ]
ووصل عقيب ذلك الاصطول المصري ولم يكن خرج للمصريين فيما تقدم مثله كثرة رجال ومراكب وعدد وغلال لحماية طرابلس وتقويتها بالغلة الكثيرة والرجال والمال لمدة سنة مع تقوية ما في المملكة المصرية من ثغور الساحل وأهله ووصل إلى صور في يوم الثامن من فتح طرابلس وقد فات الأمر فيها للقضاء النازل بأهلها. وأقام بالساحل مدة وفرقت الغلة في جهاتها وتمسك به أهل صور وصيدا وبيروت وشكوا أحوالهم وضعفها عن محاربة الافرنج ولم يمكن الاصطول المقام فأقلع عائدًا عند استقامة الريح إلى مصر وفي شوال من هذه السنة وردت الأخبار بتملك الأمير سكمان القطبي مدينة ميافارقين بالأمان بعد الحصر لها والمضايقة لأهلها عدة شهور بعد أن عدم القوت بها واشتد الجوع بأهلها. وفيها وصل بيمند صاحب أنطاكية من بلاد الافرنج عائدًا إلى مملكته في خلق كثير ونزل بالقرب من قسطنطينة وخرج ملكها إليه ومعه خلق كثير من التركمان المجاورين له فاقتتلوا أيامًا وطلب الروم تفسخهم بكل نوع إلى أن تفرقوا وتبددوا في البلاد وأصلح بيمند أمره مع الملك ودخل عليه ووطىء بساطه ومن معه وكفى الله وله الحمد أمرهم وصرف عن الاسلام شرهم وفي هذه السنة توفي الأمير ابق بن عبد الرزاق أحد مقدمي أمراء دمشق بمرض طال به وكثر المه بسببه إلى أن قضى نحبه ليلة عيد النحر من سنة ٥٠٢ وفيها ترددت رسل الملك بغدوين إلى ظهير الدين في التماس المهادنة والموادعة فاستقر الأمر بينهما على أن يكون السواد وجبل عوف أثلاثًا
[ ٢٦٣ ]
للأتراك الثلاث وللافرنج والفلاحين الثلاثان فانعقد الأمر على هذه القضية وكتب الشرط على هذه المبنية. وكان فخر الملك بن عمار لما ملك الافرنج جبيل خرج منها وتوجه إلى شيزر فأكرمه صاحبها سلطان ابن علي بن المقلد بن منقذ الكتاني واحترمه وجماعته وعرض عليه المقام عنده فلم يفعل وتوجه إلى دمشق عائدًا إلى ظهير الدين أتابك فأكرمه وأنزله في دار وأقطعه الزبداني وأعمالها في المحرم سنة ٥٠٣