في هذه السنة ورد الخبر من العراق بوفاة الخليفة الامام المقتدي بأمر الله أبي القاسم عبد الله بن الذخيرة بن القائم بأمر الله أمير المؤمنين فجأةً في ليلة السبت انتصاف المحرم وعمره ثمان وثلاثون سنة وتسعة أشهر وأيام مولده ليلة الأربعاء الثاني ويقال الثامن من جمادى الأولى سنة ٤٤٨ وكانت مدة خلافته تسع عشرة سنة وخمسة أشهر وكان حسن السيرة جميل السريرة وولي الأمر بعده ولي عهده ولده أبو العباس أحمد المستظهر بالله أمير المؤمنين بن المقتدي بالله أمير المؤمنين وبويع له بالخلافة بعد أبيه في يوم الثلاثاء الثامن عشر من المحرم من السنة واستقام له الأمر وانتظمت بتدبيره الأحوال على قضية السداد وكنه المراد وعند ذلك قبض على إخوته واعتقلهم عنده وكان السلطان بركيارق عند وفاة المقتدي بالله ﵀ مقيمًا ببغداد وبقي فيها مقيمًا إلى آخر السنة. وفي شهر ربيع الآخر منها برز السلطان تاج الدولة من دمشق في العسكر وتوجه إلى الشام وقطع العاصي في شهر ربيع الآخر وتقدم إلى العسكرية برعي الزراعات ونهب المواشي والعوامل ولما اتصل الخبر بذاك
[ ٢٠٦ ]
إلى قسيم الدولة صاحب حلب شرع في الجمع والاحتشاد والتأهب لدفعه والاستعداد وأجمع على لقائه وانتهى الخبر إلى تاج الدولة بذاك ووصول بوزان صاحب الرها إليه في عسكره لاسعاده عليه وانجاده ولذلك وصول كربوقا صاحب الموصل ويوسف صاحب الرحبة في ألفين وخمسمائة فارس وحصول الجميع في حلب لمعونته ومؤازرته فرحل من منزله بكفر حمار إلى الحانوتة ثم منها إلى الناعورة وغارت الخيل على المواشي بها وأحرقوا بعض زرعها ورحل منها إلى ناحية الوادي ورحل قسيم الدولة في جمعه من العسكر وتقديره نحو من عشرين ألفًا وزيادة على ذلك لكنهم في أحسن زي وهيئة واتم آلة وعدة وقطع سواقي نهر سفيان قاصدًا عسكر تاج الدولة وكان برزوه من حلب في يوم الجمعة الثامن من جمادى
[ ٢٠٧ ]
الأول من السنة والتقى الفريقان غداة يوم السبت تاليه عقيب اقتران المريخ وزحل في برج الأسد المقدم ذكره بخمسة أيام وكان عسكرًا كربوقا وبوزان لم يتمكنوا من قطع بعض السواقي فأقاموا على حالهم ولم يثق بمن كان معه من العرب فنقلهم في وقت المصاف من الميمنة إلى الميسرة ثم جعلهم في القلب فلم يغنوا شيئًا فنصر الله تعالى تاج الدولة وعسكره عليهم فانهزمت العرب وعسكر كربوقا وبوزان عند الحملة وعسكر يوسف وتحكمت السيوف فيهم وأسر قسيم الدولة اق سنقر صاحب حلب وأكثر أصحابه وحين أحضروا بين يدي السلطان تاج الدولة فأمر بضرب عنق قسيم ومن اتفق من أصحابه فقتلوا وتوجه أكثر الفل إلى حلب واجتمعوا بأهل البلد والأحداث وتقرر بينهم الاعتصام بحلب والاستنجاد بالسلطان بركيارق. فوصل تاج الدولة في الحال إلى حلب وقد اختلفت الآراء فيها بينهم وحاروا فيما يعملون عليه فوثب جماعة منهم لم يوبه لهم وكسروا باب البلد ونادوا بشعار تاج الدولة فدخل الأمير وثاب بن محمود بن صالح البلد في مقدميه وبادر إلى المقيم بقلعة الشريف التي قبلي حلب بالظهور إلى تاج الدولة ومن باب منها دخل تاج الدولة ونزل إليه رسول الأمير نوح صاحب قلعة حلب وزوجته وتوثقا منه وأخذا الأمان له من تاج الدولة وعادا إليه وأعلماه بما كان من تقرير الحال وأخذ الأمان
[ ٢٠٨ ]
فسلمها إليه وحصل بها في يوم الاثنين الحادي عشر من جمادى الأولى وسلمت جميع الحصون إليه من الشام. وكان بوزان صاحب الرها في جملة من أسر في الوقعة فتقدم تاج الدولة بقتله فضربت عنقه صبرًا وكذلك الأمير كربوقا صاحب الموصل كان قد أسر في الوقعة فاعتقل بحلب إلى أن تقرر أمر حلب ورتبت النواب والمستحفظون فيها وقرر أمره. ورحل السلطان تاج الدولة عن حلب في العسكر إلى ناحية الفرات وقطعه وقصد حران فاستعادها وكذلك سروج والرها وقصد ديار بكر وعدل عن طريق السلطان بركيارق لأنه كان نازلًا بأرض الموصل طالبًا لخاتون زوج السلطان ملك شاه والدة أخيه محمود وكانت مستوليةً على أصفهان وجميع الأموال لمكاتبات ومراسلات ترددت بينهما في معنى الوصلة بينها وبينه واستقر الملك له ولها وكانت قد منعت السلطان بركيارق التصرف في تلك الأعمال والتقود فيها. وفي هذا الوقت حدثت زلازل في يوم وليلة دفعات لم يسمع بمثلها في كل زلزلة منها تقيم وتطول بخلاف ما جرت بمثله العادة. ورحل تاج الدولة عقيب ذلك ولم
يتمكن من الاتمام على سمته وعرفت خاتون الخبر فخرجت من أصفهان في عسكرها للقاء تاج الدولة فعرض لها في طريقها مرض حاد فتوفيت وتفرق عسكرها إلى جهة السلطان بركيارق وإلى غيره وحين عرف بكريارق ذاك سار في الحال إلى أصفهان فدخلها وملكها وقد كان أهلها أشرفوا على الهلاك لفرط الغلاء بها وعدم الأقوات فيها. ووصل من عسكر خاتون إلى تاج الدولة خلق كثير وكذلك من عسكر بركيارق فتضاعفت عدته وقويت شكوته ودعي له على منابر بغداد ووصل إلى همذان وكاتب ولده فخر الملوك رضوان بدمشق يأمره بالمسير إليه في من بقي من الأجناد في الشام فسار إلى حلب ومن حلب إلى العراق ومعه الأمير نجم الدين ايل غازي بن أرتق والأمير وثاب بن محمود بن صالح وجماعة من أمراء العرب وأتراك حلب القسيمية وتوجه صوب بغداد على الرحبة في أول سنة ٤٨٧ من الاتمام على سمته وعرفت خاتون الخبر فخرجت من أصفهان في عسكرها للقاء تاج الدولة فعرض لها في طريقها مرض حاد فتوفيت وتفرق عسكرها إلى جهة السلطان بركيارق وإلى غيره وحين عرف بكريارق ذاك سار في الحال إلى أصفهان فدخلها وملكها وقد كان أهلها أشرفوا على الهلاك لفرط الغلاء بها وعدم الأقوات فيها. ووصل من عسكر خاتون إلى تاج الدولة خلق كثير وكذلك من عسكر بركيارق فتضاعفت عدته وقويت شكوته ودعي له على منابر بغداد ووصل إلى همذان وكاتب ولده فخر الملوك رضوان بدمشق يأمره
[ ٢٠٩ ]
بالمسير إليه في من بقي من الأجناد في الشام فسار إلى حلب ومن حلب إلى العراق ومعه الأمير نجم الدين ايل غازي بن أرتق والأمير وثاب بن محمود بن صالح وجماعة من أمراء العرب وأتراك حلب القسيمية وتوجه صوب بغداد على الرحبة في أول سنة ٤٨٧
وفي هذه السنة وردت الأخبار من ناحية مصر بمرض أمير الجيوش بدر المستولي على أمرها وأنه أسكت في مرضه هذا ودام به إلى أن اشتد في جمادى الأولى منها وتوفي في العشر الأول منه وقد كان الأمر تمهد لولده الأفضل واستقامت حاله مع المقدمين وسائر الأجناد والعساكرية قبل وفاته وأطاعوا أمره وعملوا برأيه وقيل أن وفاة أمير الجيوش كانت في جمادى الأولى. وفي هذه السنة أيضًا وردت الأخبار من ناحية مصر بمرض الامام المستنصر بالله أمير المؤمنين في العشر الثاني من ذي الحجة وأن المرض اشتد به وتوفي إلى رحمة الله في ليلة عيد الغدير الثامن عشر من ذي الحجة سنة ٤٨٧ وعمره سبع وستون سنة وستة أشهر ومولده سنة
[ ٢١٠ ]
٤٢٠ ونقش خاتمه بنصر السميع العليم ينتصر الامام أبو تميم ومدة أيام دولته ستون سنة وأربعة أشهر وكان حسن السيرة جميل السريرة محبًا للعدل والانصاف ومني في أكثر عمره من الأجناد بالعناد والاختلاف وولي الأمر بعده ولده أبو القاسم أحمد بن المستنصر بالله ولقب بالمستعلي بالله أمير المؤمنين وأخذ له البيعة على الأمراء والمقدمين من الأجناد والعسكرية وأعيان الرعية الأفضل أبو القسم شاهنشاه بن أمير الجيوش ونصبه في منصب أبيه المستنصر بالله واستقامت به الأحوال وانتظمت على غاية الايثار والآمال. وخرج أخواه من مصر خفيةً عبد الله ونزار ابنا المستنصر بالله فقصد نزار منهما الاسكندرية وحصل مع نصر الدولة واليها وكان من أكابر الغلمان الجيوشية الذين عول عليهم أمير الجيوش على إقامته في الأمر من بعده دون ولده فاستحكم الخلف بينه وبين الأفضل وجرت بينهما حروب ووقايع أسفرت عن ظفر الأفضل به واستقام له الأمر من بعده وصلحت أحوال مصر وأعمالها واستقامت بعد اضطرابها واختلالها. وأما ما يتعلق بمعرفة أحوال السلطان تاج الدولة فإنه تم في رحيله إلى مدينة الري فنزل عليها وضايقها وملكها واستولى على البلاد والأعمال والمعاقل من الشام وإلى الري وكان قد أنهض عسكرًا مع بني عقيل ونمير إلى أعمال بني عقيل فاستولوا عليها ما خلا الموصل وساءت سيرة الأتراك في الأعمال وشملها منهم ما عاد عليها بالفساد وسوء الحال وانفدوا مواشي أهلها وأموالهم واستغرقوا بالنهب وارتكاب الظلم أحوالهم وأجلوهم عن منازلهم في زمن الشتاء وشدة البرد وسقوط الثلج والجليد.
[ ٢١١ ]
وبرز السلطان بركيارق من أصفهان في العسكر وقصد جهة عمه السلطان تاج الدولة وخاف تاج الدولة من أهل الري أن يخامروا عليه إن أقام فرحل عنها ونزل في منزل على أربعة فراسخ منها ووصل السلطان بركيارق في عساكره وخيم بازائه وحالت بينهما طوالع الفريقين وتأهب كل منهما للقاء صاحبه ورتبت المصافات للحرب والتقى الفريقان في اليوم السابع عشر من صفر سنة ٤٨٨ فانفل عسكر السلطان تاج الدولة وتفرق ونهب سواده وأثقاله وأسر أكثره وقتل منه الخلق الكثير واستشهد تاج الدولة ﵀ في الجملة وقتله بعض أصحاب قسيم الدولة اق سنقر صاحب حلب بعد اصطناعه إياه وتقريبه له وحمل رأسه وطيف به في العسكر ثم حمل إلى بغداد وطيف به فيها