لما قتل الإمام تركي بن عبد الله رحمة الله عليه، وكان ابنه فيصل في القطيف ومعه جنوده من قبائل شتى، رحل قافلًا الى الأحساء لما علم بهذه الفادحة، وكان الذي أخبره بها زويد فأخفا الخبر عن الناس وأحضر لديه رجالًا من الرؤوساء وأخبرهم أنه لا بد له من أخذه بثأر أبيه فبايعوه على طاعة الله ورسوله وعلى السمع والطاعة، فرفع فيصل راياته وجنوده وجمع أصحابه وجنوده فسار إلى الرياض.
ولما قرب منها نزل بجنوده وثوروا من البارود حتى كان له دوي عظيم وانقضاض فخرج إليه وفد منها يطلبون منه ألا يأذن بالدخول إليها لغير أهلها من الجنود لأنه إذا هجم عليها النجديون من غير أهل الرياض قد يقاومهم الأهالي ليمنعوهم من احتلالها فيحدث قتال في البلد فتولد المحنة محنة أشد منها، وكان مع فيصل رجل يدعى عبد الله بن علي بن رشيد طرده أمراء حائل المعروفون بآل علي، فلاذ عبد الله بآل سعود، فلما هم الجنود بالدخول إلى الرياض لأنهم أهله، هموا بالدخول من دون قتال لأن أهلها كانوا من حزب تركي.
وكان مشاري بن عبد الرحمن القاتل لخاله تركي والعياذ بالله قد تحصن وامتنع وظن أنه لا يطيقه أحد من البشر، وما علم أن الله ليس منه ملاذ ولا مفر، فيا بئس الفعلة منه، من قريب ابن اخته وابن عمه، فحصل من عبد الله بن علي بن رشيد
[ ١ / ١٦٩ ]
فزعة عظيمة لفيصل لما رأه يريد تقحم هذه الأخطار، وأخذته الحمية له بأن يكون معهم، وكان ليثًا شجاعًا وصارمًا قطاعًا لا يطاق إذا صال، وتتضائل عنده سورة الأبطال، فاستأذن فيصلًا فأذن له أن يكون معهم، فلما دخلوا الرياض حصلت بدون قتال لأن فيصلًا أمر على رجال ممن كانوا معه من أهل الرياض أن يدخلوا البلد ليلًا ويمسكوا البروج والبيوت المقابلة للقصر، ولكنهم وجدوها مملؤة برجال مشاري قد ضبطوها، غير أنهم لما عرفوهم سكتوا عنهم وأدخلوهم فلم يفجأ مشاري وذويه الذين بالقصر إلا أصوات أولئك الرجال وبنادقهم يصيحون بالثأر، وقد شبوا النار لها شرار.
ودخل فيصل البلد وركب على القصر المدافع الكبار ثم شب النار على من في القصر، وتابع الطلقات فتسبب عبد الله بن علي لاحتلال القصر بأن كلم رجلًا في برج من أبراجه يدعى سويد بن علي، كان أميرًا في جلاجل، وجاء ليسلم على تركي لأنه لم يعلم بقتله فرحب به مشاري وأنزله في ذلك البرج في القصر، فقال له عبد الله بن رشيد يا سويد وما دخلك أنت في آل سعود؟ فقال إني مغصوب. فقال له: إن جئت إليك بأمان من فيصل أترمي لنا حبلًا لنصعد إلى القصر؟ فقال سويد: إني من رجال تركي وسأساعدكم على شرط أن يؤمني فيصل ويعطيني نخلة الدامنة وهو نخل معروف، فتواثق الرجلان ورمى سويد إليهم بحبل فصعد هذا الأسد الصائل إلى القصر وصعد خلفه أربعون من رجال فيصل من بينهم عبد الله بن خميس، وأعطوهم الأمان سوى من باشر قتل الإمام أو ساعد فيه، وكان هذا بإذن من فيصل بعدما شاور رؤساء المسلمين، لأن لا يأخذه عنوةً فيكون ما في القصر من الأموال والخزانات أشتات بين الناس، فأحاطوا بمشاري ومن معه وقتلوهم وأخرجوا جسد مشاري ورأسه خارج القصر ليعرف، وأصيب عبد الله بجرح بليغ في يده لما تجالدوا مع رجال مشاري، فسر فيصل بشجاعة عبد الله بن علي بن رشيد، ولما رأى جراح يده رق له وقال له لك مني ما تريد، فقال عبد الله أطلب منك أن تؤمرني في حائل، وأن تكون الإمارة لي ولعائلتي من بعدي! فأجاب
[ ١ / ١٧٠ ]
فيصل طلباته، وكان ذلك أول تأسيس لإمارة الرشيد، فجعله الإمام فيصل أميرًا على حائل.
ولما أن توفى هذا الشجاع سنة ١٢٦٣ هـ جعل الإمام مكانه ابنه طلال ابن عبد الله، وكان لعبد الله أبنان غيره وهما متعب ومحمد.
فأما متعب فهو الذي تولى الإمارة بعد أخيه طلال.
وأما محمد فكان عقيمًا وهو الذي انتهت إليه ولاية الجبل ونجد بعد آل سعود، وكان لطلال ستة أولاد وهم: بندر وبدر ونايف وأخوتهم.
أما متعب بن عبد الله فكان له ابن وهو عبد العزيز الظالم العنيد.
وكان لنائف ابن طلال ابن اسمه طلال، ولطلال ابنان، وهما: عبد الله ومحمد.
أما عبد العزيز بن متعب فكان له أربعة أولاد، وهم متعب، ومشعل ومحمد وسعود. وكان لمتعب ابن اسمه عبد الله، فهؤلاء فخذ من أولاد علي بن رشيد يسمون آل عبد الله، أما الفخذ الثاني فهم آل عبيد بن علي، وكان لعبيد هذا ابن يسمى حمود العبيد، وكان لحمود أربعة بنين وهم فيصل، وسلطان وسعود وماجد.
وكان لماجد ابن هو عبيد.
رجعنا إلى ما نحن بصدده فنقول: في هذه السنة جدد السلطان عبد العزيز خان مقام الحنفي، وكان قبل هذه العمارة مبنيًا بالحجر الصوان والشميسي فأبدلوا الصوان برخام وأعادوا الأصفر على ما كان، وكان من جهة المغرب عمود في الوسط وقوسان فرفعوا العمود وجعلوه قوسًا واحدًا، وكذلك من جهة الشرق وفرغوا من عمارته في ذي الحجة من هذه السنة.