قيل: لما استولى الفرنج على ثغر دمياط وملكوها وأسرفوا فى قتل من بها من المسلمين، فركب الملك الكامل محمد بعد أخذ مدينة دمياط بيومين ومن معه من العساكر وقد تكامل معه من العساكر أربعين ألف مقاتل، وأرسل الملك الكامل إلى البلاد يستحث الناس إلى الحضور لدفع العدو عن البلاد. وكتب إلى سائر الآفاق بسرعة الحضور، وأما الفرنج لما مثلوا ثغر دمياط حصنوا سورها وجعلوا الجامع كنيسة. فلما وصل الملك الكامل نزل قبالة طلخا على رأس بحر أسمور وبحر دمياط وهى التى يقال لها اليوم المنصورة، ونادى بالنفير عام فحضروا جماعة من العربان من الشرقية والغربية ومن نواحى الصعيد، فاجتمع هناك السواد الأعظم ما لا يحصى من الخلائق ووقع القتال هناك مع الفرنج فجرى بينهم من القتال ما يطول شرحه، فعند ذلك أيقن الفرنج بالهلاك وأرسلوا يطلبون من السلطان الأذن على أنهم يتركون مدينة دمياط ويرحلون عنها وأرسل ملك الفرنج يقول للسلطان نحن نرسل رهائن منا وأنتم أرسلوا رهائن منكم إلى أن يقع الصلح بيننا فأرسل ملك الفرنج عشرين ملكا من ملوك الفرنج إلى عند السلطان، وأرسل السلطان الملك الكامل ابنه نجم الدين الصالح مع جماعة من الأمراء إلى عند ملك الفرنج فعند ذلك سلم الفرنج مدينة دمياط إلى المسلمين، وأطلق كل من الفريقين، وكان عنده من الأسرى وكان يوم تسليمها يوما مشهودا لم يسمع بمثله، ثم إن الفرنج رحلوا عن دمياط. ولما كان الملك الكامل محمد فى مدة المحاصرة على دمياط كان عنده شخص من جندارية الوالى يقال له شمائل، وكان يمشى فى ركاب الملك الكامل، ويسبح فى البحر ويأتى للسلطان بأخبار الفرنج وما يجرى منهم فى كل يوم فحظى عند السلطان بذلك وقربه، فلما انتصر الملك الكامل على الفرنج جعل شمائل المذكور والى القاهرة وإليه ينسب خزائن شمائل وكانت عبارة عن سجن
[ ١٠٢ ]
يجلس بها أصحاب الجرائم، وكان الملك المؤيد شيخ من جملة من حبس بها، وكان شيخ لما حبس بها من جملة مماليك السلطان برقوق فقاسى بها مشقة وشدائد عظيمة فنذر أن أعطاه الله تعالى ملك مصر لهدم خزانة شمائل ويجعل مكانها جامعا، فكان الأمر كذلك.
قيل: لما سلم الفرنج مدينة دمياط، دخل الملك الكامل فى موكب عظيم، وأرسل البشاير إلى سائر الآفاق بأخذ مدينة دمياط من أيدى الفرنج، وكانوا قد أشرفوا على أخذ الديار المصرية من أيدى المسلمين. وكانت مدة نزول الفرنج على مدينة دمياط إلى أن رحلوا عنها ثلاث سنين وأربعة أشهر وتسعة عشر يوما، منها مدة إستلائهم عليها سنة وعشرة أشهر وأربعة وعشرون يوما.
وقيل: لما انتصر الملك الكامل على الفرنح هذه النصرة العظيمة نزل بقصره الذى أنشأه بالمنصورة وحضر عنده أخواه الملك المعظم عيسى صاحب دمشق والملك الأشرف موسى شاه أرمن صاحب ماردين، وكانا قد حضرا نجدة لأخيهما الملك الكامل محمد، لما بلغهما أن الفرنج ملكوا دمياط، فلما حصلت هذه النصرة أراد الملك الكامل أن ينبسط هو وأخواه، وأحضروا سفرة الشراب كما قيل:
فيوم علينا، ويوم لنا … ويوم نساء، ويوم نسر
فلما شربوا وطاب المجلس أحضر الملك الأشرف موسى جارية تضرب بالعود، فلما أخذت العود أصلحته وغنت عليه هذه الأبيات:
ولما طغى فرعون عكا بسحره … وجاء ليسعى بالفساد إلى الأرض
أتى نحوه موسى وفى يده العصا … فأغرقهم فى اليم بعضا على بعض
فطرب الملك الأشرف موسى لذلك فشق على أخيه الملك الكامل محمد صاحب مصر فأحضر جارية من عنده تضرب بالعود أيضا، فأخذت العود وأصلحته وغنت عليه هذه الأبيات:
أيا أهل دين الكفر بالله فأعجبوا … لما قد جرى فى عصرنا وتجددا
ألا إن موسى قد أتانا وقومه … وعيسى جميعا ينصرون محمدا
[ ١٠٣ ]
فطرب الملك الكامل محمد لذلك طربا شديدا، وأنعم على كل جارية منهما بخمسمائة دينار.
وقيل: إن الذى نظم هذه الأبيات هو الراجح الحلى قبل الصفى الحلى بمدة طويلة والله أعلم.
واستمر الملك الكامل محمد فى السلطنة بمصر إلى أن مرض، ومات فى يوم الخميس ثانى عشرين رجب سنة خمس وثلاثين وستمائة. فكانت مدة سلطنته بمصر نحو عشرين سنة، ولما مات تولى من بعده ابنه أبى بكر، وكانت وفاة الملك الكامل محمد بدمشق فى العشرين من رجب كما تقدم.