بويع بالخلافة بعد موت أبيه الظاهر فى يوم الأحد فى نصف شهر شعبان من السنة المذكورة، ولقب بالمستنصر بالله وكان له من العمر لما تولى الخلافة سبع سنين وعشرون يوما، وهو الخامس من خلفاء بنى عبيد بمصر وهو الذى خطب له البساسيرى على منابر بغداد، وهذا لم يقع لأحد من أقاربه من بنى عبيد.
ومن الحوادث فى أيامه: وقع الغلاء الكبير بمصر، وعقبه فناء عظيم ولم يقع مثل هذا الغلاء إلا فى زمن يوسف ﵇، وكان ذلك فى سنة إحدى وخمسين وأربعمائة قيل بيع القمح كل قدح ونصف بدينار، وأكل الناس فيه بعضهم بعضا حتى أكلوا القطط والكلاب الميتة، وقيل بيع الكلب بخمسة دنانير وبيع القط بثلاثة دنانير، وأشتد الغلاء ودام ذلك على الناس نحو سنتين حتى لم يبق فى العالم إلا القليل، فكان الكلب يدخل إلى الدار ويأكل الطفل الصغير وهو فى المهد، وأمه وأبوه ينظران إليه فلا يستطيعان النهوض لدفعه عنه من شدة الجوع، ثم قوى الأمر حتى صار الرجل يأخذ ابن جاره ويذبحه ويأكله ولا ينكر ذلك عليه، واشتهر ذلك بين الناس، وصار إذا قوى القوى على الضعيف ذبحه وأكله. وقيل كان بمصر حارة تعرف بحارة الطبق، وكان فيها عشرون دارا، كل دار تساوى فى الثمن ألف دينار، قيل فأبيعت كل دار برغيف خبز، فأبيعت الحارة كلها بطبق خبز فسميت حارة الطبق.
وقال أبو الفرج بن الجوزى (^٢): خرجت امرأة بربع من اللؤلؤ وقالت "من يأخذ منى هذا اللؤلؤ، ويعطينى عوضه قمحا" فلم تجد من يأخذه منها ويعطيها
_________________
(١) انظر المزيد فى: وفيات الأعيان ٢/ ١٠٣، بدائع الزهور ١/ ٥٩، النجوم الزاهرة ٥/ ١ - ٢٣، اتعاظ الحنفا ٢٧٧، تاريخ ابن خلدون ٤/ ٦٢، الكامل ٩/ ١٥٤، ثم ١٠/ ٨٢، بلغة الظرفاء ٧٥.
(٢) هو الإمام العلامة الحافظ عالم العراق وواعظ الآفاق جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن على ابن عبد الرحمن بن على بن على بن عبد الله القرشى البكرى الصديقى البغدادى الحنبلى الواعظ. صاحب التصانيف السائرة فى فنون العلم، وعرف جدهم بالجوزى لجوزة كانت فى دارهم لم يكن -
[ ٨٥ ]
عوضه قمحا. فقالت "إن لم تنفعنى وقت الحاجة، فلا حاجة لى بك" وألقته على الأرض ومضت فلم يجئ أحد يلتقطه هو.
وقيل: إن الوزير ركب يوما بغلته ودخل دار الخلافة فلما نزل عن بغلته أخذت من غلمانه وأكلت فى الوقت، فأمسكوا الذين أكلوها وشنقوهم، فلما أصبحوا لم يجدوا أحدا من المشانيق وقد أكلوا من على الخشب ولم يبق منهم غير العظام.
وقيل: إن الخليفة المستنصر بالله أخرج فى هذه الغلوة جميع ما فى الخزائن من أموال وتحف وسلاح وقماش فباعها بأرخص الأثمان حتى قيل إنه أباع ثمانين ألف قطعة من أنواع الجوهر المثمن وخمسة وسبعين ألف شقة من أنواع الديباج المذهب، عشرين ألف سيف وإحدى وعشرين دارا وضيعة وعقارا، ومات جميع غلمانه وجواريه فى هذا الفناء، وانكشف حاله وافتقر فى هذه الحركة حتى لم يبق عنده إلا سجادة تحته وقبقاب فى رجله، وكان إذا نزل من قصره إلى مكان أخر يستعير من الوزير بغلته حتى يركبها ويقضى أشغاله عليها.
وقيل مات فى هذه الحركة أكثر أهل مصر من الجوع، حتى قيل كان يمشى الرجل من جامع ابن طولون إلى باب زويلة لم ير فى وجهه إنسانا
_________________
(١) = بواسط سواها، ولد سنة ٥١٠ هـ وسمع فى سنة ٥١٩ هـ من ابن الحصين وأبى غالب بن البناء وخلق عدتهم ٨٧ نفسا وكتب بخطه الكثير جدا ووعظ سنة ٥٢٠ هـ إلى أن مات سنة ٥٩٧ هـ حدث عنه بالإجازة الفخر على وغيره وله "زاد المسير" فى التفسير و"جامع المسانيد" و"المغنى" فى علوم القرآن و"تذكرة الأريب" فى اللغة و"الوجوه والنظائر" و"مشكل الصحاح" و"الموضوعات" و"الواهيات" و"الضعفاء" و"تلقيح مفهوم الأثر" و"المنتظم" فى التاريخ وأشياء يطول شرحها، وما علمت أحدا من العلماء صنف ما نصف وحصل له من الحظوة فى الواعظ ما لم يحصل لأحد قط، قيل إنه حضره فى بعض المجالس مائة ألف وحضره ملوك ووزراء وخلفاء، وقال كتبت بإصبعى ألفى مجلد، وتاب على يدى مائة ألف وأسلم على يدى عشرون ألفا. قال الذهبى فى التاريخ الكبير: لا يوصف ابن الجوزى بالحفظ عندنا باعتبار الصنعة، بل باعتبار كثرة إطلاعه وجمعه. انظر المزيد فى: البداية والنهاية ١٣/ ٢٨، تذكرة الحفاظ ٤/ ١٣٤٢، الذيل على طبقات الحنابلة ١/ ٣٩٩، شذرات الذهب ٤/ ٣٢٩، طبقات المفسرين للداودى ١/ ٢٧٠، طبقات المفسرين للسيوطى ١٧، العبر ٤/ ٢٩٧، مرآة الجنان ٣/ ٣٨٩، مفتاح السعادة ١/ ٢٤٥، النجوم الزاهرة ٦/ ١٧٤، وفيات الأعيان ١/ ٢٧٩.
[ ٨٦ ]
واستمر الحال على ذلك مدة، إلى أن بعث الله بالفرج القريب وتراجع الحال قليلا، وحسن الحال للخليفة المستنصر كما كان عليه وزيادة وطابت أوقاته وصفا له بعد ذلك الدهر، وطالت أيامه فى الخلافة وناب الزمان إليه مما جبى كما قيل فى المعنى.
الدهر لا يبقى على حالة … لابد أن يقبل أو يدبرا
فإن تلقاك بمكروهه … فأصبر فإن الدهر لن يصبرا
واستمر المستنصر فى الخلافة إلى أن مرض ومات يوم الخميس ثانى عشر ذى الحجة سنة سبع وثمانين وأربعمائة، فكانت مدة خلافته ستين سنة وأربعة أشهر، وكان عمره لما تولى الخلافة سبع سنين وعشرين يوما ولا يعلم فى الإسلام أن خليفة ولا سلطانا أقام هذه المدة مرة واحدة غير المستنصر هذا. قيل إن نوحا ﵇ عاش ألف سنة إلا خمسين عاما، كما أخبر الله تعالى، فقيل له كيف وجدت الدنيا قال كدار لها بابان دخلت من باب وخرجت من باب موقد.
وقال أبو الطيب المتنبى فى معنى ذلك.
ولما مات المستنصر تولى من بعده ابنه أحمد المستعلى.