تسلطن بعد موت أبيه الصالح نجم الدين بأربعة أشهر لأن الملك الصالح مات بالمنصورة فى نصف شهر شعبان من السنة المذكورة وكتم موته خوفا من الفرنج إلى حضور أبنه توران شاه من حصن كيفا فحضر فى أول المحرم سنة ثمان وأربعين وستمائة، فتسلطن هناك وهو الثامن من ملوك بنى أيوب بمصر.
ولما قدم من حصن كيفا كان العساكر على ثغر دمياط فى الحصار مع الفرنج وقد طمعوا بموت الملك الصالح، فلما احضر توران شاه وتسلطن فوقع بينه وبين الفرنج هناك وقعة عظيمة حتى كاد الفرنج أن يستظهروا على المسلمين وتملكوا الديار المصرية، فأذن الله تعالى بالنصرة على يد الأمير بيبرس البندقدارى ومن معه من المماليك البحرية وبقية العساكر فحملوا على الفرنج حملة واحدة بالسيوف
_________________
(١) انظر المزيد فى: بدائع الزهور ١/ ٨٥، تاريخ ابن الوردى ٢/ ١٨١، فوات الوفيات ١/ ٩٧، اللوك ١/ ٣٥١ - ٢٦١، مرآة الزمان ٨/ ٧٨١.
[ ١٠٦ ]
والدبابيس حتى هزموا الفرنج بإذن الله تعالى، فبلغت عدة من قتل من الفرنج فى هذه الوقعة ما يزيد على عشرين ألف إنسان، وكانت هذه الواقعة فى فارسكور وغنم منهم المسلمون فى هذه الوقعة شيئا كثيرا من الأموال والسلاح والقماش والخيول وأسروا ملك الفرنج المسمى فرنسيس وأسروا أقاربه، فجلس ملك الفرنج فى دار لشخص يسمى ابن لقمان فى ثغر الإسكندرية ووكلوا بملك الفرنج وأقاربه طواشى يسمى صبيح الغطمى، فصار يضرب ملك الفرنج وأقاربه فى كل يوم ألف عصاه حتى أذاقهم العذاب الأليم.
ثم إن ملك الفرنج اشترى نفسه من السلطان توران شاه بمال جزيل، ثم أفرجوا عنه وعن أقاربه وحلفوه أنه لا يعود بعد ذلك إلى بلاد المسلمين ولا يخون اليمين، ورجع ملك الفرنج إلى بلاده، فلما قتل توران شاه وتولى أيبك التركمانى كما سيأتى ذكره فى موضعه، فعند ذلك تحرك ملك الفرنج فرنسيس على الديار المصرية ثانى مرة وقد خان اليمين فكتب إليه الصاحب جمال الدين بن مطروح (^١) هذه القصيدة، ومن أبياتها:
قل للفرنسيس إذا جئته … مقال نصح من فؤول فصيح
دار ابن لقمان على حالها … والقيد باق والطواشى صبيح
فلما قرأ فرنسيس ملك الفرنج هذه الأبيات يذكر ما جرى عليه من الطواشى صبيح الغطمى وما قاساه منه، فرجع إلى بلاده من حيث جاء ولم يقاتل أهل مصر بعد ذلك، هذا ما كان من أمر ملك الفرنج فرنسيس. وأما ما كان من أمر الملك المعظم توران شاه بعد أن تسلطن فأنه لما حصلت له هذه النصرة العظيمة على الفرنج رحل من المنصورة ونزل على فارسكور فعمل له هناك برجا خشبيا على فم
_________________
(١) هو يحيى بن عيسى بن إبراهيم جمال الدين ابن مطروح، شاعر أديب مصرى، ولد بأسيوط سنة ٥٩٢ هـ/ ١١٩٦ م وتوفى بالقاهرة سنة ٦٤٩/ ١٢٥١ م خدم الملك الصالح أيوب وتنقل معه فى البلاد فأقامه الصالح ناظرا على الخزانة بمصر سنة ٦٣٩ هـ ثم نقله إلى دمشق، واستمر فى الأعمال السلطانية إلى أن مات الملك الصالح، فعاد إلى مصر وأعرض عنه خلفاء الصالح فأقام محمولا كما يقول سبط ابن الجوزى إلى أن مات، له ديوان شعر. انظر المزيد فى: وفيات الأعيان ٢/ ٢٥٧، شذرات الذهب ٥/ ٢٤٧، النجوم الزاهرة ٧/ ٢٧، مرآة الزمان ٨/ ٧٨٨، ذيل الروضتين ١٨٧، حسن المحاضرة ٢/ ٣٢٧، ذيل مرآة الزمان ١/ ١٩٧.
[ ١٠٧ ]
البحر، وظن أن الوقت قد صفا له فأخذ فى أسباب تقريب من قدم معه من حصن كيفا، وصار يعطيهم الوظائف السنية.
ثم أمر رءوس النواب أن تكون عطيتهم ملبسة بالذهب إذا وقفوا قدامه فى المواكب، وكان إذا سكر مرض الشموع قدامه ويضرب رءوسها بالسيف ويقول هذا "هكذا أفعل برءوس المماليك البحرية" وكان عنده خفة زائدة ورهج فى الأمور.
فعند ذلك نفرت منه قلوب الرعية. وكان قد أرسل إلى شجرة الدر زوجة أبيه الملك الصالح يهددها بالقتل ويستوعدها بكل سوء، فأرسلت شجرة الدر إلى الأمراء والمماليك البحرية تقول لهم "إن قتلتوا توران شاه، فعلىّ رضاكم بالمال".
فلما كان يوم الاثنين تاسع عشرين المحرم من سنة ثمان وأربعين وستمائة فجلس الملك المعظم توران شاه على السماط فتقدم إليه بعض المماليك البحرية وضربوه بالسيف فقطعوا أصابعه، فقام إلى البرج الخشب وأغلق عليه الباب فأطلقوا فيه النار فألقى بنفسه فى البحر وهو يقول خذوا ملككم، ودعونى أرجع إلى حصن كيفا ". وصار يسبح فى البحر والنشاب تأخذه من كل جانب وهو يصيح يا مسلمين ما فيكم من يعيننى، فقتلوه وهو فى البحر عائما فمات قتيلا حريقا غريقا وبقى السماط ممدودا على شاطئ البحر لا يجسر يتقرب إليه أحد من عظيم الاضطراب، وصار السلطان ملقى قتيلا على جانب البحر وأقام ثلاثة أيام لم يدفن.
فكانت مدة سلطنة الملك المعظم توران شاه نحو شهر ثم وقع الاتفاق من الأمراء على سلطنة شجرة الدر فسلطنوها، وهى أخر من تولى من جماعة بنى أيوب بمصر.