[ ٥٥ ]
ثم دخلت سنة اثنين وسبعين ومئة وألف، وكان أول محرمها نهار الثلاثاء وكان المتسلم في الشام من قِبل عبد الله باشا سليمان آغا، وكان ظالمًا غاشمًا على ما نقلوا. وكان مجيء جوقدار الحج سلخ محرم الحرام. وكان سردار الجردة عبد الرحمن باشا باشة طرابلس وفي خامس صفر الخير كان دخول الحج الشريف إلى الشام. وكانت سنة راحة لكافة الحجاج، وذلك بسبب أن الباشا قد قتل من العرب بين الحرمين ما لا يحصى، حتى قُتل شيخ العرب وجاء تقرير الشام للباشا قبل وصوله إلى الشام.
وكانت هلّة رمضان ليلة السبت، وضُربت المدافع في الثلث الأخير من الليل. والفلوس كل أربعة وعشرين بمصرية. وثبت عيد الفطر قبل ظهر يوم الأحد، وصلوا العيد قبل الظهر، وفطر الناس بعد أن كانوا صائمين.
وفي سادس عشر شوال توجه الحاج عبد الله باشا الشتجي أميرًا على الحاج، ورافقه في الركب الشامي سعد الدين باشا العظم واليًا لجدة، وأخذوا معهما عساكر كثيرة، خيفة من العرب من قتل عبد الله باشا لشيخهم وجنوده. وفي سابع والعشرين من المحرم قدم جوقدار الحج الشريف وبشَّر بكل خير، وعزل عبد الله باشا الشتجي مساعد شريف مكة، وأقام أخاه جعفر مقامه. وكانت وقفة الحاج الجمعة، ونهار السبت سابع صفر دخل الحاج الشريف لدمشق الشام، وهو بغاية الصحة.
ثم بعد دخول الحج أمر عبد الله باشا مناديًا ينادي في الشام برفع الظلم والعدوان والعدل من الحكام والرعايا، وصار يتبدل ويختفي ويدور في شوارع الشام وأزقتها. فحصلت الراحة عمومًا بإبطال الشرور وانعدام أهل الفجور. وكان الباشا قد قطع خرج غالب عسكره وأمر برحيلهم من الشام، وأن لا يبقى بها من لا شغل له ولا صنعة، فرحل خلق كثير، وأرسل جميع جماله إلى حماة. وكان ذلك من لطف الله بالشام وأهلها، والغلاء مطنب كما تقدم. وكان قاضي الشام رجلًا صالحًا، فعمل محتسبًا وصار يدور بنفسه على السوقة ويعير الموازين والأرطال والأواق، فالذي يجد أواقه ناقصًا يضربه علقة على رجليه، والذي يجد أواقه تامة يعطيه مصرية من فضة.
ودخل ربيع الثاني الموافق تشرين الثاني ولم ينزل من السماء قطرة ماء. وفي ليلة الثلاثاء ثامن ربيع الثاني من تشرين الثاني من هذه السنة في الثلث الأخير من الليل والمؤذنون في المآذن يشتغلون المراسلة كذا صارت زلزلة خفيفة، وتبعتها ثانية ثم ثالثة زُلزلت منها دمشق زلزالًا شديدًا، حسبت أهل دمشق أن القيامة قد قامت، فتهدّمت رؤوس غالب مآذن الشام ودور كثيرة وجوامع وأماكن لا تحصى، حتى قبة النصر التي بأعلى جبل قاسيون زلزلتها وأرمت نصفها، وأما قرى الشام فكان فيها الهدم الكثير، والقتلى التي وجدت تحت الهدم لا تحصى عددا. وفي الليلة الثانية زلزلت أيضًا في الوقت الذي زلزلت فيه الأولى، ثم حصلت في وقت صلاة الصبح وبالنهار أيضًا، ولا زالت تتكرر مرارا لكنها أخف من الأولين. وقد زاد الخوف والبلاء، وهجرت الناس بيوتهم، ونامت في الأزقة والبساتين وفي المقابر والمرجة، وفي صحن الجامع الأموي. وفي هذه الزلزلة وقع خان القنيطرة على كل من كان فيه، فلم يسلم من الدواب والناس إلا القليل، وكذلك خان سعسع. وقد وردت الأخبار إلى دمشق الشام أن بعض البلاد والقرايا انهدمت على أهلها، فلم يسلم منها ولا من دوابها أحد.
ثم في ليلة الثلاثاء الساعة العاشرة من الليل خامس ربيع الأول انشقت السماء وسُمع منها صريخ ودمدمة ودويٌّ وهول عظيم، حتى إن بعض أهل الكشف رأى أن السقوف ارتفعت، وظهرت النجوم وعادت السقوف كما كانت. ووردت أخبار أن في بعض البلاد انطبق جبلان على بعض القرى، فذهبت القرى ولم يظهر لها أثر. وفي ليلة الجمعة الثامن عشر من ربيع الأول في محل أذان العشاء خرَّ نجمٌ من السماء من جهة الغرب إلى جهة الشرق، فأضاءت منه الجبال والدور. ثم سقط فسُمع له صوت عظيم أعلى من صوت المدافع والصواعق.
وفي الزلزلة الأولى وقعت صخرة عظيمة في نهر القنوات فسدّت النهر، وانقطع الماء عن البلد أحد عشر يومًا، وبقيت قُطّاع الأحجار يقطعون فيها أحد عشر يومًا، فصارت الناس في غمَّين: غمّ الزلزلة وغمّ قلة الماء.
[ ٥٦ ]
وفي ليلة الاثنين سادس ربيع الثاني في الساعة الخامسة صارت زلزلة عظيمة أعظم من الأولى بدرجات. وقد صارت معها رجّة مهولة أسقطت غالب بقية المآذن، وأرمت قبة الجامع الأموي الكبيرة والرواق الشمالي جميعه مع مدرسة الكلاسة وباب البريد وأبراج القلعة وغالب دور دمشق، والذي سلم من الوقوع تناثر من بعضه البعض وقُتل خلق كثير خصوصًا في القرايا، ورحلت الخلائق للبساتين وللجبال والتُّرب وإلى المرجة، ونصبوا بها وبالبراري الخيام وناموا بعيالهم وأولادهم، ومع ذلك فلم تبطل الزلزلة والرجفان لا ليلا ولا نهارا. ثم أمر عبد الله باشا الشتجي والي الشام وفقه الله تَعالى مناديًا ينادي بالناس أن يصوموا ثلاثة أيام وأن يخرجوا في اليوم الرابع إلى جامع المصلّى، فإنه مشهور بإجابة الدعاء فيه. فخرجت الناس من كل فج عميق إلى المصلى، وخرج حضرة الوزير معهم وجميع الأعيان والمفتي والقاضي، وخرجت العلماء وأهل الطرق والصوفية والنساء والأولاد، ولازموا الدعاء في المصلّى ثلاثة أيام بضجيج وبكاء وخشوع كيوم عرفات، بل كموقف القيامة، فرحمهم أرحم الراحمين، وعاملهم باللطف والتخفيف، فصارت الأرض تختلج اختلاجًا خفيفًا، ولم تزل الناس في البساتين والبراري خائفة حتى نزل عليهم الثلج المطر وصار الجليد إلى أن خفّت الزلزلة ورجعت الناس خائفين.
وفي أواسط جمادى الأولى قدم القاضي إلى دمشق الشام، واسمه رضا أفندي، ولم يحرّك ساكنا.
وفي ثامن جمادى الثانية ظهر خبر بدمشق أن عبد الله باشا الشتجي والي الشام معزول. وفي ثالث عشر جمادى الثانية. وفي يوم الخميس ثاني وعشرين جمادى الثانية رحل الحاج عبد الله باشا الشتجي إلى منصب ديار بكر على ما قيل.
وفي ليلة الاثنين الخامسة والعشرين من جمادى الثانية قُبيل السحر صارت في الشام أيضًا زلزلة خفيفة أخف من الزلازل المتقدمة. ثم شاع الخبر بين الناس أنه سيحدث زلزلة عظيمة، ففزعت الناس فزعًا شديدًا، ورجعوا إلى ما كانوا عليه من الخوف والفزع والخروج للبساتين والمقابر، نسأله تعالى اللطف.
وفي نهار الاثنين غرة رجب المبارك من هذه السنة دخل والي الشام محمد باشا الشالك بن بولاد باشا لدمشق بموكب عظيم ضحوة النهار، وخرجت لملاقاته الأكابر والأعيان والأفندية والأغاوات، وخرجت الإنكشارية بالخيل والعُدد المطلية والدروع الداوودية، وخرجت القبقول بالعدد الكاملة.
وفي يوم السبت سابع رجب دخل نعمان باشا حاكم صيدا، فدخل في موكب عظيم، وخرج لملاقاته والي الشام محمد باشا الشالك ومعه الأفندية والأكابر والأغوات، وأنزله والي الشام عنده، وأنزل كل آغا من أغواته عند آغا من أغوات الباشا، ثم أقام في ضيافة والي الشام محمد باشا ثلاثة أيام وأربعة ليال، ورحل لمحل وظيفته ومنصبه بصيدا.
وفي نصف شهر رجب جاء ريح عظيم استمر أربعة أيام ولياليها حتى هدم أماكن كثيرة، ولم يبق من الأشجار إلا القليل، وارتجاج من الزلازل لم تبطل لا ليلًا ولا نهارًا، مع وقوع الغلاء حتى في الخضراوات، فرطل الخبز بخمسة مصاري، ورطل الباذنجان بخمسة وعشرين مصرية، ورطل البصل بتسعة مصاري، ورطل اللحم بقرش وربع لم يوجد، ورطل السمن بقرش ونصف وربع. والبقية على نحو ما قدّمنا.
قال المؤرخ البديري: والفقير لم يوجد معه ولا منقير، والهدم واقع من الزلازل في كل وقت وحين، والناس رحلت إلى أرض الفلاحين، والله تعالى هو المعين.
وفي نهار السبت الثاني والعشرين من رجب جاء قبجي من طرف الدولة العلية واسمه سبانخ زادة لأجل الكشف على الجامع الأموي وعمارة قبّته وجهته الشمالية ومآذنه المهدومة في الزلازل، ومعه باش معماري وفعلة ورجال لأجل مباشرة تعمير الجامع المذكور.
وفي عاشر شعبان سار والي الشام محمد باشا الشالك إلى الدورة وأخذ معه أحمد بشه بن القلطقجي ومعه محمد آغا بن دالي وابن بكماز اللذين كانا هاربين مع ابن القلطقجي. فلما وصل محمد باشا ومن معه إلى نابلس توفي أحمد بشه بن القلطقجي. ودُفن بها، وكان موته بالطاعون، لأن مبادي الطاعون وقع خفيفًا من شهر جمادى الثانية، ولم يزل يكثر في رجب وشعبان، كما وجود الغلاء كما يأتي.
[ ٥٧ ]
ثم دخل شهر رمضان المبارك نهار الخميس، وصار العيد يوم الجمعة، فصار عيدًا للأموات والأحياء، لكنه للأموات أكثر. فقبل عيد الفطر بيومين وبعده بيومين يخرج من كل باب من أبواب دمشق ممن مات مطعونا في كل يوم نحوًا من ألف جنازة والعياذ بالله.
وهذا شيء ما سمع من عهد الطاعون عمواس، نسأله تعالى اللطف فيما جرت به المقادير. وصار النقص أيضًا في الفاكهة، حتى صارت أوقية الجانرك بمصريتين، والمشمش رطله بأربعة وعشرين مصرية، ورطل التوت بثمانية مصاري، ورطل التفاح بأربعة وعشرين مصرية، ورطل الأنجاص بثلاثين مصرية، ورطل الثوم بثلاثين مصرية، ورطل البصل بسبعة مصاري، واللحم والأرز وغيره على نحو ما قدمنا، وقد طال الأمر وكثر القهر وزال السرور، وزادت البغضاء والشرور، ولم يدر الإنسان أين يدور، من شدة البكاء والنفور، ولله عاقبة الأمور.
وفي يوم الجمعة الخامس عشر من شوال سار محمد باشا الشالك بالركب الشامي إلى الحرمين الشريفين. وبعد يومين سار الحاج بمهماته وبعد أيام جاء عثمان باشا والي مدينة طرابلس سردار الجردة، وكان نزوله مدة إقامته في قرية من القرايا من غير أسف ولا ندم، وسار مسافرًا في ذي الحجة مع كواخي صيدا ونابلس.
وفي نصف ذي الحجة توفي الشيخ أحمد بن سوار شيخ المحيا، وكان علاّمة زمانه ووقته، وله شجاعة زائدة وبراعة في العلوم متزايدة، وصار له مشهد عظيم، ودفن في تربة قبر السيدة عاتكة. وبعده توفي ابن عمه الحسيب النسيب الشيخ سليمان، وكان يعمل المحيا في جامع الأموي وفي جامع البزوري الذي في محلتهم. وبهذا الشهر أيضًا توفي العالم العلامة مفتي السادة المالكية الشيخ يوسف أفندي، وصار له مشهد عظيم، ودفن بمرج الدحداح، رحمه الله تَعالى.