وأخرج أبو نعيم في الدلائل (ص ٩٦) عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما أمر الله ﷿ نبيه ﷺ أنْ يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه وأبو بكر إلى منًى حتى دَفَعْنا إلى مجلس من مجالس
[ ١ / ١١٦ ]
العرب، فتقدَّم أبو بكر فسلَّم - وكان أبو بكر مقدَّمًا في كل حين وكان رجلًا نسّابه - فقال: ممَّن القوم؟ قالوا: من ربيعة. قال: وأيُّ ربيعة أنتم؟ فذكر الحديث بطوله؛ وفيه قال: ثم انتهينا إلى مجلس عليه السكينةُ والوقارُ، وإِذا مشايخُ لهم أقدار وهيئات، فتقدَّم: أبو بكر فسلم - قال علي: وكان مقدَّمًا في كل حين فقال لهم أبو بكر: ممَّن القوم؟ قالوا: نحن بنو شَيْبان بن ثعلبة. فالتفت إلى رسول الله ﷺ فقال: بأبي أنت وأُمي ليس بعد هؤلاء من عزَ في قومه، وكان في القوم: مفروق بن عمرو، وهانىء بن قَبيصة، والمثنَّى بن حارثة، والنعمان بن شَريك. وكان أقرب القوم إلى أبي بكر مفروق بن عمرو، وكان مفروق قد غلب عليهم بيانًا ولسانًا، وكانت له غديرتان تسقطان على صدره. وكان أدنى القوم مجلسًا من أبي بكر، فقال له أبو بكر: كيف العدد فيكم؟ فقال له: إنَّا لنزيد على الألف ولن يُغلب ألف من قلة. قال: فكيف المنعَة فيكم؟ قال: علينا الجُهد ولكل قوم جَدّ. قال أبو بكر: فكيف الحرب بينكم وبين عدوِّكم؟ قال مفروق: إنَّا أشدُّ ما نكون غضبًا حين نَلْقَى، وإِنَّا أشدُّ ما نكون لقاءً إذا غضبنا، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلاح على اللِقَاح، والنصرُ من عند الله، يُديلنا مرة ويُديل علينا مرة؛ لعلك
أخو قريش؟ قال أبو بكر: إنْ كان بلغكم أنَّه رسول الله ﷺ فها هوذا. فقال مفروق: قد بلغنا أنَّهُ يذكر.
ثم التفت إلى رسول الله ﷺ فقال: إلامَ تدعو يا أخا قريش؟ فتقدّم رسول الله ﷺ فجلس، وقام أبو بكر يظلِّله بثوبه. فقال رسول الله ﷺ «أدعوكم إلى شهادة أنْ لا إله إلا الله وحده، وأني رسول الله، وأنْ تؤوني. تمنعوني، وتنصروني حتى أؤدي عن الله تعالى ما أمرني به، فإنَّ قريشًا قد تظاهرت على أمر الله، وكذَّبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق والله هو الغني الحميد» . قال له: وإِلامَ تدعو أيضًا يا أخا قريش؟ فتلا رسول الله ﷺ ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ
[ ١ / ١١٧ ]
مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ - إلى قوله تعالى - ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذالِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام: ١٥١ - ١٥٣) فقال له مفروق: وإلامَ تدعو أيضًا يا أخا قريش؟ فوالله ما هذا من كلام أهل الأرض ولو كن من كلامه م لعَرفناه، فتلا رسول الله ﷺ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإْحْسَانِ﴾ - إلى قوله تعالى - ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: ٩٠) . فقال له مفروق: دعوتَ - والله - يا قرشي إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولقد أفِك قوم كذَّبوك وظاهروا عليك.
وكأنه أحبَّ أنْ يَشركه في الكلام هانىء بن قبيصة فقال: وهذا هانىء بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا. فقال له هانىء: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وصدَّقت قولك، وإِني أرى أنَّ تركَنا ديننا واتِّباعنا إياك على دينك لمجلس جلستَه إلينا ليس له أول ولا آخر لم نتفكر في أمرك، وننظر في عاقبة ما تدعونا إليه - زلّةٌ في الرأي، وطَيْشة في العقل، وقلة نظر في العاقبة، وإِنَّما تكون الزلَّة مع العَجَلة، وإِنَّ مِنْ ورائنا قومًا نكره أنْ نعقد عليهم عقدًا. ولكن ترجع ونرجع وتنظر وننظر.
وكأنَّه أحب أنْ يشركه في الكلام المثنى بن حارثة فقال: وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا. فقال المثنى: قد سمعت مقالتك، واستحسنت قولك يا أخا قريش، وأعجبني ما تكلمت به، والجواب هو جواب هانىء بن قبيصة، إِنَّما نزلنا بين صِيرَين: أحدهما اليمامة، والأخرى السَّماوة. فقال له رسول الله ﷺ وما هذان الصِّيران؟ فقال له: أما أحدهما فطُفوف البر وأرض العرب، وأما الآخر فأرض فارس وأنهار كسرى، وإِنما نزلنا على عهدٍ أخذه علينا كسرى أنْ
[ ١ / ١١٨ ]
لا نُحدث حدثًا، ولا نؤويَ مُحدِثًا. ولعل هذا الأمر الذي تدعونا إليه ممَّا تكرهه الملوك، فأمَّا ما كان مما يلي بلاد العرب فذنب صاحبه مغفور وعذره مقبول، وأما ما كان مما يلي بلاد فارس فذنب صاحبه غير مغفور، وعذره غير مقبول. فإن أردت أن ننصرك مما يلي العرب فعَلْنا.
فقال رسول الله ﷺ «ما أسأتم الردَّ إذْ أفصحتم بالصدق، إِنه لا يقوم بدين الله إلا مَنْ حاطه من جميع جوانبه» . ثم نهضت قابضًا على يد أبي بكر، ثم دفعنا إِلى مجلس الأوس والخزرج، فما نهضنا حتى بايعوا رسول الله ﷺ قال علي ﵁: وكان صدُقًا صُبُرًا - رضوان الله عليهم أجمعين -. كذا في دلائل النبوة لأبي نُعيم. وقال في البداية: رواه أبو نُعيم والحاكم والبيهقي، والسِّياق لأبي نُعيم - فذكر الحديث وفيه بعد قوله: «إنَّه لا يقوم بدين الله إلا مَنْ حاطه من جميع جوانبه» ثم قال رسول الله ﷺ «أرأيتم؟ إِن لم تلبثوا إلا يسيرًا حتى يمنحكم الله بلادهم وأموالهم، ويُفرشَكم بناتِهم، أتسبِّحون الله وتقدِّسونه؟» فقال له النعمان بن شريك: اللَّهمَّ وإِنَّ ذلك لك يا أخا قريش، فتلا رسول الله ﷺ ﴿ياأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ (الأحزاب: ٤٥، ٤٦) ثم نهض رسول الله ﷺ قابضًا على يدي أبي بكر ﵁. قال علي ﵁: ثم التفت إلينا رسول الله ﷺ فقال: «يا عليٌّ أيّةُ أخلاقٍ للعرب كانت في الجاهلية - ما أشرفها؟ - بها يتحاجزون في الحياة الدنيا» . قال: ثم دفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج؛ فما نهضنا حتى بايعوا النبي ﷺ قال علي: وكانوا صُدَقاء صُبَراء، فسُرَّ رسول الله ﷺ من معرفة أبي بكر بأنسابهم. قال فلم يلبث رسول الله ﷺ إِلا يسيرًا حتى خرج إلى أصحابه فقال لهم: «احمدوا الله كثيرًا» فقد ظفرت اليوم بناء ربيعة
[ ١ / ١١٩ ]
بأهل فارس، قتلوا ملوكهم، واستباحوا عسكره، وبي نُصروا» . قال ابن كثير في البداية: هذا حديث غريب جدًا، كتبناه لما فيه من دلائل النبوة، ومحاسن