أخرج الواقدي عن خالد ﵁ قال: لمّا أراد الله بي ما أراد من الخير قذف في قلبي الإِسلام وحضرني رُشدي، فقلت: قد شهدت هذه المواطن كلَّها على محمد ﷺ فليس في موطن أشهده إلا أنصرفُ وأنا أرى في نفسي أني مُوضِعٌ في غير شيء وأنَّ محمدًا سيظهره. فلم اخرج رسول
[ ١ / ١٨٧ ]
الله ﷺ إلى الحديبية خرجت في خيل من المشركين فلقيت رسول الله ﷺ في أصحابه بعُسْفان، فقمت بإزائه وتعرَّضت له. فصلّى بأصحابه الظهر أمامنا فهممنا أن نُغير عليهم ثم لم يُعم لنا - وكانت فيه خِيرة، فاطَّلع على ما في أنفسنا من الهمِّ به. فصلَّى بأصحابه صلاة العصر: صلاة الخوف. فوقع ذلك منَّا موقعًا، وقلت: الرجل ممنوع، فاعتزَلَنا وعَدَل عن سير خيلنا وأخذ ذات اليمين. فلما صالح قريشًا بالحديبية ودافعته قريش بالرواح قلت في نفسي: أيُّ شيء بقي؟ أين أذهب؟: إلى الن جاشي؛ فقد اتبع محمدًا وأصحابه عنده آمنون فأخرج إِلى هرقل، فأخرج من ديني إلى نصرانية أو يهودية، فأقيمُ في عجم، أفأقيم في داري بمن بقي؟. فأنا في ذلك إذ دخلت مكّة في عمرة القضيّة، فغيَّبت ولم أشهد دخوله، وكان أخي الوليد بن الوليد قد دخل مع النبي ﷺ في عمرة القضيّة، فطلبني فلم يجدني، فكتب إِليَّ كتابًا فإذا فيه:
«بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد: فإني لم أرَ أَجب من ذهاب رأيك عن الإِسلام، وعقلك عقلك ومثل الإِسلام جهله أحد؟ وقد سألني رسول الله ﷺ عنك، وقال: أين خالد؟ فقلت: يأتي الله به. فقال: «مثله جهل الإِسلام؟ ولو كان جعل نكايته وجِدِّه مع المسلمين كان خيرًا له، ولقدّمناه على غيره» فاستدرك يا أخي ما قد فاتك من مواطن صالحة» .
قال: فلما جاءني كتابه نشطت للخروج، وزادني رغبة في الإِسلام، وسرني سؤال رسول الله ﷺ عني، وأرى في النوم كأنِّي في بلاد ضيِّقة مجدبة، فخرجت في بلاد خضراء واسعة، فقلت: إِنَّ هذه لرؤيا. فلما أن قدمت المدينة قلت: وذكرنّها لأبي بكر فقال: مَخْرجُك الذي هداك الله للإِسلام، والضيق الذي كنت فيه من الشرك.
[ ١ / ١٨٨ ]
قال: فلما أجمعت الخروج إِلى رسول الله ﷺ قلت: من أصاحب إلى رسول الله ﷺ فلقيت صفوان بن أُمية، فقلت: يا أبا وَهْب، أما ترى ما نحن فيه؟ إنما نحن كأضراس، وقد ظهر محمد على العرب والعجم. فلو قدمنا على محمد واتبعناه فإنَّ شرف محمد لنا شرف. فأبى أشدَّ الإِباء، فقال: لو لم يبق غيري ما اتبعته أبدًا، فافترقنا. وقلت: هذا رجل قُتل أخوه وأبوه ببدر. فلقيت عِكْرمة بن أبي جهل، فقلت له مثل ما قلت لصفوان بن أُمية، فقال لي مثل ما قال صفوان بن أُمية. قلت: فاكتم عليَّ. قال: لا أذكره، فخرجت إلى منزلي فأمرت براحلتين فخرجت بها إلى أن لقيت عثمان بن طلحة. فقلت؛ إنَّ هذا لي صديق فلو ذكرت له ما أرجو. ثم ذكرت من قُتل من آبائه فكرهت أن أذكِّره. ثم قلت: وما عليَّ؟ وأنا راحل من ساعتي. فذكرت له ما صار الأمرُ إليه، فقلت: إنما نحن بمنزلة ثعلب في جحر لو صُبَّ فيه ذَنُوبٌ من ماء لخرج، وقلت له نحوًا ممّا قلت لصاحبيَّ، فأسرع الإِجابة. وقلت له: إني غدوت اليوم وأنا أريد أن أغدو وهذه راحلتي بفجِّ مَنَاخة. قال: فاتعدت أنا وهو يأجُجَ إن سبقني أقام وإن سبقته أقمت عليه. قال: فأدلجنا سَحَرًا فلم يطلع الفجر حتى التقينا بيأجج. فغدونا حتى انتهينا إلى الهدّة، فنجد عمرو بن العاص بها. قال: مرحبًا بالقوم، فقلنا: وبك. فقال إلى أين مسيركم؟ فقلنا: وما أخرجك؟ فقال: وما أخرجكم؟ قلنا: الدخول في الإِسلام واتباع محمد ﷺ قال: وذاك الذي أقدمني. فاصطحبنا جميعًا
حتى دخلنا المدينة فأنخنا بظهر الحرَّة ركابنا. فأُخبر بنا رسول الله ﷺ فسُرَّ بنا. فلبست من صالح ثيابي ثم عمدت إلى رسول الله ﷺ فلقيني أخي فقال: أسرع فإنَّ رسول الله ﷺ قد أُخبر بك
[ ١ / ١٨٩ ]
فسُرَّ بقدومك وهو ينتظركم. فأسرعنا المشي فاطَّلعت عليه فما زال يتبسَّم إليّ حتى وقفت عليه، فسلمت عليه بالنبوة فرد عليّ السلام بوجه طَلْق. فقلت: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال: «تعال» ثم قال ﷺ «الحمد لله الذي هداك، قد كنت أرى لك عقلًا رجوت أن لا يُسلمك إلا إلى خير» . قلت: يا رسول الله، إنِّي قد رأيتُ ما كنت أشهد من تلك المواطن عليك معاندًا للحق، فدعُ الله أن يغفرها لي. فقال رسول الله ﷺ «الإِسلام يجبّ ما كان قبله» . قلت: يا رسول الله على ذلك. قال: «اللهم إغفر لخالد بن الوليد كل ما أوضع فيه من صدَ عن سبيل الله» . قال خالد: وتقدم عثمان، وعمرو فبايعا رسول الله ﷺ قال: وكان قدومنا في صفر سنة ثمان؛ قال: والله ما كان رسول الله ﷺ يَعْدِل بي أحدًا من أصحابه فيما خَزَبه. كذا في البداية. وأخرجه أيضًا ابن عساكر نحوه - مطولًا، كما في كنز العمال.