لا ريب في أن "شبوه" العاصمة هي أهم مدن حضرموت، وقد ذكرها الكتاب القدامى من الأغارقة والرومان تحت اسم "١Sabota Sabotha Sabbatha"، وهي "Sabtah" عند "مونتجمري٢" و"Sawa" عند "هوجارث"٣، وقد ذكرها الهمداني من بين حصون حضرموت ومحافدها٤، وذهب "ياقوت" إلى أنها من حصون اليمن في جبل ريمة، وقال "ابن الحائك": شبوه مدينة الحمير، وأحد جبلي "الثلج بها، والثاني لأهل مأرب٥، هذا وقد خلط بعض المستشرقين بينها وبين "شبام"٦ التي تقع على مقربة من صنعاء٧.
ويرجع السبق في اكتشاف آثار شبوه إلى "جون فلبي"، والتي من أهمها بقايا المعابد والقصور، فضلا عن بقايا السدود التي كانت مقامة على وادي شبوه لحصر
_________________
(١) ١ جواد علي ٢/ ١٥٧ وكذا Pliny، ٦، ٢٨، ٣٢، Ptolemy، ٦، ٧، ٣٨ ٢ J. Montgomery، Op. Cit.، P.٤٢ ٣ D.G. Hogarth، The Penetration Of Arabia، P.١٤٩، ١٥١، ٢٢١ ٤ الهمداني: صفة جزيرة العرب ص٨٧٠٨٩، الإكليل ٨/ ٩٠. ٥ ياقوت ٣/ ٣٢٣، وانظر: البكري ٣/ ٧٨٠. ٦ يذكر ياقوت الحموي أن في اليمن أربعة مواضع اسمها "شبام" شبان كوكبان غربي صنعاء، وشبام سخيم قبلي صنعاء بشرق، وشبام حراز غربي صنعاء وشبام حضرموت "ياقوت ٣/ ٣١٨" ٧ جواد علي ٢/ ١٥٧ وكذا. W. Vincent، The Periplus Of The Erythrean Sea، Part The Second، P.٣٠١
[ ٢١٥ ]
مياه الأمطار، والإفادة منها في إرواء المناطق الخصبة١، ولا يزال يشاهد في وادي "أنصاص"، وفي خرائب شبوه، بقايا سدود وقنوات للإفادة من المياه عند الحاجة إليها٢، على أن شبوه كانت كذلك أرض اللبان والمر، وقد كانا يصدران من ميناء "قنا"٣.
وهناك كذلك مدينة "ميفعة"، العاصمة القديمة لحضرموت، وهي نفسها "Mapharitis" التي أشار إليها صاحب كتاب "الطواف حول البحر الأرتيري"٤ على رأي بعض الباحثين٥، وهي "Maiph Metropoiis" عند بطليموس الجغرافي "١٣٨-١٦٥م"٦.
وهناك الكثير من النصوص التي تتحدث عن تحصين "ميفعة" وعن تسويرها بالحجارة وبالصخر المقدد وبالخشب، فضلا عن الأبراج التي أقيمت حول السور لصد الغزاة، ومنها نص يشير إلى أن "هبسل بن شجب" قد بنى سور المدينة وأبوابها، وأنه قد أقام فيها بيوتًا ومعابد، وأن ابنه "صدق يد" قد زاد في أسوراها وأحكم بناءها، على أن الخراب سرعان ما حل بها في القرن الرابع الميلادي، ثم حل مكانها موضع عرف بـ "Sessani Adrumetorum" أي عيزان٧.
وهناك مدينة "قنا" ميناء حضرموت الرئيسي -حيث كان يجمع اللبان والبخور، ثم يصدر منها برًّا وبحرًا، وأما موقع "قنا" فهو إلى الشرق من "عدن"، وقد ذهب نفر من الباحثين إلى أنه في مكان "حصن الغراب" الحالي، وكان يعرف
_________________
(١) ١ J.B. Philby، Op. Cit.، P.٧٩ ٢ جواد علي ٢/ ١٥٧ وكذا H. Von Wissmann And M. Hofner، Op. Cit.، P.١٠٨ ٣ W. Von Vincent، Op. Cit.، P.٣٠١ وكذا A.M. Fahmy، Muslim Seapower In The Eastern Mediterranean، P.٤٦ ٤ يحدد البعض تاريخ هذا الكتاب بالفترة من ٥٠-٦٠م فضلو حوراني: المرجع السابق ص٥٤، بينما يرى آخرون أنه يرجع إلى عام ٧٥م موسكاتي: المرجع السابق ص٣٧٨، وأما جاكلين بيرين فالرأي عندها أنه كتب في عام ١٠٦م "J. Pirenne، Op. Cit.، P.١٦٧-١٩٣". ٥ J.B. Philby، Op. Cp.٨٠.It.، ٦ H. Von Wissmann And M. Hofner، Op. Cit.، P.٨٦ ٧ جواد علي ٢/ ١٥٨-١٥٩ وكذا H. Von Wissmann And M. Hofner، Op. Cit.، P.٨٦ وكذا Rep. Epig، ٢٦٤٠، V، I، P.١٤
[ ٢١٦ ]
قديمًا باسم "عرموت"١، على أن نقش "Cih٧ ٢٨" والذي عثر عليه الضابط الإنجليزي "جيمس ولستد" في حصن الغراب عام ١٨٣٤م -جاء فيه أن "صيد أبرد بن مشن" كان مسئولا عن "بدش" وعن "قنا"، وأن ذلك قد كتب على "عرموية" "عرماوية= حصن ماوية"، فأما "قنا" فهو اسم الميناء المشهور، وأما الحصن الباقي أثره حتى اليوم فهو "حصن ماوية"، وأما "بدش"، "باداش" فما يزال معروفًا حتى اليوم بشيء من التحريف، حيث يعيش قوم رعاة يعرفون باسم "مشايخ باداس"، ومن ثم فحصن غراب هو "عرمويت" وهو حصن مدينة قنا٢.
وهناك مدينة "مذب" أو مذاب"، وقد اشتهرت بمعبدها المكرس لعبادة إله القمر "سين" وتقع بقاياه اليوم في الموقع المعروف باسم "الحريضة"، وقد قامت ثلاث رحالات أوربيات "ج. كاتون طومسون، أ. جاردنر، ف. شترك" في عام ١٩٣٧م، برحلة إلى حضرموت، وهناك في وادي عمد، مقابل حريضة، كشفن عن معبد إله القمر "سين"، كما عثرن على عدد من الكتابات تبين أن بعضها سبئية، فضلا عن العثور على بعض القبور والأواني الفخارية والخزفية، التي يظن أنها ترجع إلى القرن السابع أو الخامس قبل الميلاد٣، إلا أن البعثة لم تتوصل إلى تاريخ بناء المعبد بصورة نهائية، وإن كانت بعض واجهات المعبد تعود إلى الفترة بين أواسط القرن الخامس، وحتى القرن الرابع ق. م، فضلا عن أن بعض أجزاء المعبد، إنما تعود إلى العهد السلوقي٤، وأخيرًا فإن هناك من يرى أن مدينة "مذاب" ومعبدها، إنما يعودان إلى الفترة ما بين القرن الخامس والثالث قبل الميلاد٥.
_________________
(١) ١ C. Forster، The Historical Geography Of Arabia، Ii، P.١٨٦ ٢ جواد علي ٢/ ١٦١ وكذا H. Von Wissmann And M. Hofner، Op. Cit.، P.٩١ وكذا J. Wellsted، Travels In Arabia، London، ١٨٣٨ وكذا Le Museon، ١٩٦١، ١-٢، P.١٩٤ ٣ Le Museon، Lx، ١-٢، ١٩٤٧، P.٧١ وكذا G، Caton Thompson، The Tombs And Moon Temple Of Hureidha، وكذا OXFORD، ١٩٤٤، P.١٥ ٤ G. CATON THOMPSON، OP. CIT.، P.١٥٣ ٥ إيفاهويك: سنوات في اليمن وحضرموت، ترجمة خيري حماد، بيروت ١٩٦٢ ص١٧٠، جواد علي ٢/ ١٦٣.
[ ٢١٧ ]
وهناك في حضرموت أماكن قديمة "حضرمية وسبئية"، ينسبها القوم إلى عاد وثمود، فقرية "سنا" يرون أن بها قبر هود ﵇، وفي موضع "غيبون" خرائب يظنها القوم من آثار عاد، بينما يرى الأثريون فيها بقايا مدينة حميرية، وعند ملتقى وادي "منوة" بوادي "ثقبة" صخور مهيمنة على الوادي، نقرها أصحابها لتكون مأوى للجنود، تمكنهم من مهاجمة أعدائهم على غرة، وعلى مقربة من "تريم" خرائب قديمة، لعلها في أغلب الظن من آثار معبد قديم، هذا فضلا عن مواقع أثرية أخرى مثل حصن "عر" و"حدبة الغصن" و"المكنون" و"ثوبة" وغيرها، مما يدل على أن حضرموت قد حصنت حدودها، وأقامت عليها الحاميات العسكرية لحماية نفسها من أي طامع فيها، أو ثائر من داخلها، وأن هذه الحصون قد أقيمت في مواقع منيعة على التلال وقمم الجبال والمرتفعات، حتى تستطيع بسهولة الإشراف على السهول ومضايق الأودية١.
_________________
(١) ١ جواد على ٢/ ١٦٣-١٦٥ وكذا VAN DER MUELEN AND HERMANN VON WISSMANN، HADRAMAUT، SOME OF ITS MYSTERIES UNVEILED، LEIDEN، ١٩٦٤، P.٥٧، ٨٣، ١٣٠، ١٣٩، ١٤٥، ١٤٣، ١٧٣-٤
[ ٢١٨ ]