ليست دولة الحيوان في بلاد العرب بأفضل من دولة النبات، والجمل -على أي حال- هو الحيوان الأليف الوحيد الذي استطاع بعناده وصلابته السير- بجبروت وبتبختر- فوق رمال الصحاري، فهو يتلاءم تمامًا مع ظروف البيئة الصحراوية: الرمال في السير، والعطش في الحرّ، الشوك في الأكل، والوبر في البرد، وارتفاع القامة والرقبة في العواصف الرملية، ولو أنه حين تشتد العواصف الرملية يلزم إلباس الفم والمنخرين لثامًا واقيًا١.
والجمل اثنان: جمل العدو، وجمل الحمل، أما الأول، فالهجان أو الهجائن، أي خيار الإبل، وتسمى أيضًا ذللا، والواحد منها ذلول، وتستخدم للركوب، وأحسن الهجائن ما كان من عمارة ومهرة، ثم "البعران" -جمع بعير- وهي الإبل التي تسخدم في حمل الأثقال٢، وإن كانت أقل إبل الصحراء لبنًا، بينما تلعب الذلل دور الخيل في نطاقها، من حيث الحرب والانتقال٣.
والجمل ثروة العربي، وهو أداة انتقاله، بل هو نقده الذي يتبادل السلع بواسطته، وهو فوق ذلك وحدة القياس لمهر العروس، ودية القتيل، وأرباح الميسر، وغنى الشيخ، فكل ذلك قدر بعدد معين من الجمال، والجمل رفيق البدوي، وصنو نفسه، وحاضنته التي ترضعه، فيشرب لبنه بدل الماء "الذي يوفره للماشية"، ويجعل طعامه من لحمه، وكساءه من جلده، ويحوك بعض أجزاء خيمته من وَبَرِهِ، ويتخذ رَوَثَهُ وقودًا، وهكذا لم يعد الجمل -في نظر البدوي- "سفينة الصحراء" فحسب، بل هو "هبة الله"٤، وصدق جل وعلا حيث يقول: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ، وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ، وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٥، ومن هنا فقد لعب الجمل دورًا كبيرًا في حياة العرب
_________________
(١) ١ جمال حمدان: المرجع السابق ص٩٢-٩٣. ٢ عمر فروخ: تاريخ الجاهلية ص٣٤. ٣ جمال حمدان: المرجع السابق ص٩٣. ٤ جواد علي ١/ ١٩٧ وكذا P.H. Hitti، Cit.، P.٢١ ٥ سورة النحل: آية ٥-٧ وانظر: تفسير الطبري ١٤/ ٥٤-٥٧ "دار المعرفة بيروت ١٩٧٢". تفسير النيسابوري ١/ ٤٤-٤٦. "نسخة على هامش الطبري".
[ ١١٢ ]
الاقتصادية، يدل على ذلك ما يقال من أن اللغة العربية تضم نحو ألف اسم للجمل في مختلف أنواعه وأشكاله ومراحل نموه، وهو عدد لا ينافسه إلا عدد المترادفات لاسم السيف١.
ويرى العلماء أن الإنسان قد ذلل الجمل حين صيره أليفًا مطيعًا في الألف الثانية قبل الميلاد٣ هذا وقد ذهب بعضهم إلى أن العربية الشرقية إنما كانت الموطن الذي ذلل هذا الحيوان في الشرق الأدنى القديم، معتمدين في ذلك على أن العراقيين القدامى قد أطلقوا عليه اسم "حمار البحر"، وأن البحر هنا إنما يعني الخليج، وأن لفظة "الجمل" -جملو، وهي في الأكادية كملو- إنما جاءت من بادية الشام، ومعظم سكانها من العرب، وكانوا يستعملون الجمل منذ الألف الثانية ق. م، وأن دخول كلمة الجمل من البادية إلى العراق، دليل على أن العرب قد استخدموه أولًا، ومنهم انتقل إلى العراق والبلاد الأخرى٣.
وأما الخيل، فبالرغم من اشتهار بلاد العرب بجمال خيلها وبتربيتها لأحسن الخيول وبتصديرها لها، فإنها في شبه الجزيرة العربية من الحيوانات الهجينة غير الأصيلة في الصحراء -رغم الخطأ الشائع- بل هي دخيلة بقصد استعمالها آلة للعدو والكر في الحروب التي تعتبر ضرورة صحراوية٤، ولا ترتقي أيام وصولها إلى بلاد العرب إلى ما قبل الميلاد بكثير، وقد وردت إليها من العراق ومن بلاد الشام، أو من مصر٥، وربما من سيليسيا، أو حتى من إسرائيل.
ويبدو أن مصر كانت في الألف الأول قبل الميلاد، مصدرًا رئيسيًّا للخيل والمركبات، ونقرأ في التوراة "وكان مخرج الخيل التي لسليمان من مصر، وجماعة تجار الملك "سليمان" أخذوا جليبة بثمن، وكانت المركبة تصعد وتخرج من مصر
_________________
(١) ١ فيليب حتى: تاريخ العرب ١/ ٢٧. ٢ جواد علي ١/ ١٩٧. وكذا R.L. BOWEN AND F. ALBRIGHT، ARCHAEOLOGICAL DISCOVERIES IN SOUTH ARABIA، BALTIMORE، ١٩٥٨، P.٣٥ وكذا W.F. ALBRIGHT، FROM THE STONE AGE TO CHRISTIANITY، BALTIMORE، ١٩٤٦، P.١٠٧ ٣ جواد علي ١٩٧١-١٩٨ وكذا BASOR، ١٦٠، P.٤٢ ٤ جمال حمدان: المرجع السابق ص٩١. ٥ R.H. SANGER، OP. CIT.، P.٧٧
[ ١١٣ ]
بستمائة شاقل من الفضة، والفرس بمائة وخمسين"١، وربما كان ذلك أقل من أسعارها العادية، ويعلل "برستد" لذلك، بأن سليمان ربما كان يتمتع في مصر بامتياز خاص عن طريق الفرعون حميّه٢.
وهناك مصدر آخر للخيل، هو "Koa"، وهو اسم دولة في سيليسيا، كانت تقع في السهل الخصب بين جبال طوروس والبحر الأبيض المتوسط، وتشتهر بتربية الخيول، ويذكر "هيرودوت" أن الفرس كانوا يحصلون على أحسن خيولهم من سيليسيا٣،.
وأما المصدر الثالث فربما كان إسرائيل -وفي عهد سليمان بالذات- ونقرأ في التوراة أن سليمان كان شغوفًا بالخيل٤ رغم أن رب إسرائيل قد حذر ملوك إسرائيل من الخيل والنساء والذهب٥، غير أن سليمان إنما كان يرى أن "الفرس معدة ليوم الحرب" وإن "كانت النصرة من الرب"٦، ورغم أن العلماء قد اختلفوا في أسباب ولع سليمان بالخيل، فالذي لا شك فيه أن الخيل كانت على أيامه سلعة تجارية رائجة، وأن أسرائيل كانت تحتكرها تمامًا، وأن كل طرق القوافل الهامة بين مصر وسورية وآسيا الصغرى إنما كانت تمر بمملكة سليمان٧، وقد كشفت بعثات الحفائر الأمريكية في مجدو وبيت شان وتعنك وحاصور وأورشليم وغيرها من مدن مملكة سليمان على بقايا من عدة أجزاء كبيرة من إسطبلات الخيول، والتي كان الواحد منها يسع ٤٥٠ حصانًا٨.
وهكذا يبدو أن الخيل لم تكن أصيلة في بلاد العرب، هذا فضلا عن أن العربي إنما كان يبدو في الآثار المصرية والبابلية والآشورية والفارسية جمالا، لا خيالا،
_________________
(١) ١ ملوك أول ١٠: ٢٨-٢٩. ٢ J.H. BREASTED، THE DAWN OF CONSCIENCE، N.Y.، ١٩٣٩، P.٣٥٥ ٣ W. KELLER، THE BIBLE AS HISTORY، ١٩٦٧، P.٢٠٧ ٤ ملوك أول ١٠: ٢٦-٢٩، أخبار أيام ثان ١: ١٤-١٧. ٥ تثنية ١٧: ١٤-٢٠. ٦ الأمثال ٢١: ٣١. ٧ W. KELLER، OP. CIT.، P.٢٠٧ ٨ W. KELLER، THE BIBLE AS HISTORY، P.٢٠٦ وكذا W.F. ALBRIGHT، OP. CIT.، P.١٢٤ وكذا J.W. CROWFOOT، IN PEQ، ١٩٤٠، P.١٤٣-١٤٧
[ ١١٤ ]
وكان الجمل -وليس الحصان- هو الذي يذكر عند جمع الجزية التي كان يفرضها الفاتحون الآشوريون على العربي والعربية، فالملك الآشوري "تجلات بلاسر الثالث" "٧٤٥-٧٢٧ق. م" يفرض على الملكة "شمسي" جزية "جمالًا ونياقًا"١، وإن رأينا الخيل، بجوار الجمال، في الجزية التي قدمت للملك "سرجون الثاني" "٧٢٢-٧٠٥ق. م"٢، والذي جاء بعد سليمان "٩٦٠-٩٢٢ق. م" بأكثر من قرنين ونصف من الزمان، وفي جيش "إكزركسيس الأول" "٤٨٦-٤٦٥ق. م" الذي كان متجهًا إلى بلاد اليونان لفتحها، ظهر العرب يركبون جمالا٣، وأخيرًا، فلقد أنكر "سترابو" وجود الحصان في شبه الجزيرة العربية٤.
وأيًّا ما كان الأمر، فإن بيئة الصحراء ليست أمثل بيئة لتأقلم الخيل، فالعروض الجنوبية الحارة لا تلائمها، وهذا هو السبب في أن الخيل لا تسود في الصحراء، إلا في أقصى نطاقاتها شمالا، والسطح الرملي لا يلائم حوافر الخيل، ولذلك تميل الخيل في نطاقاتها إلى التركيز في صحراء الحمادة، أكثر منها في صحراء الأرج، كذلك يدفع الإنسان ثمن التأقلم باهظًا، فالخيل ليست حلوبًا بدرجة الإستبس، لفقر مراعي الصحراء، بل قد ينبغي إطعام الخيل بلبن الجمل، وبالحبوب المستوردة من بعيد، أو بالأسماك على السواحل، كما في منطقة الخليج العربي، كما ينبغي الاهتمام بها اهتمامًا خاصًّا٥، ربما كان اهتمامًا يفوق حد المعقول، وقد لاحظ "ألويس موسل" أن البدوي وذويه قد يبيتون على الطوى في سبيل توفير شيء من الحليب أو الحبوب، لفرس عندهم ذات فلوة٦.
وهكذا كان اقتناء الخيول هواية وكمالية، لا يقدر عليها إلا من كان على سعة من عيش، ولهذا تصبح سمة من سمات الأبهة والعظمة والتفاخر في المجتمع،
_________________
(١) ١ A.T. OLMSTEAD، HISTORY OF ASSYRIA، P.١٨٩ وكذا ANET، ١٩٦٦، P.٢٨٠ وكذا N. ABBOT، PRE-ISLAMIC ARAB QUEENS، IN AJSL، ٥٨، ١٩٤١، P.٤ ٢ ANET، ١٩٦٦، P.٢٨٤. وكذا A.G. LIE، THE INSCRIPTION OF SARGON، II، P.٥ ٣ فيليب حتي: تاريخ العرب -الجزء الأول، ص٢٥ "بيروت ١٩٦٥"، وكذا HERODOTUS، VII، ٨٦، ٨ ٤ STRABO، GEOGRAPHY، XVI، ٤، ٢، ٢٦. وكذا P.K. HITTI، OP. CIT.، P.١٩-٢٠ ٥ جمال حمدان: المرجع السابق ص٩٢. ٦ A.MUSIL، THE MANNERS AND CUSTOMS OF THE RWALA BEDOUINS، P.٣٧٤-٥
[ ١١٥ ]
ولا عجب أن تؤدي العناية المضاعفة بها إلى توليد أعظم السلالات في بلاد العرب، دون موطنها الأصلي، والاعتزاز بها إلى ظهور أنساب لها١، ولعل أعرق الخيل نسبًا ما كان في نجد، بل إن خيول نجد لتعد من أجود الخيول في العالم قاطبة٢.
ولقد عرفت بلاد العرب كذلك -إلى جانب الإبل والخيل- البغال والحمير: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٣، وهناك كذلك الشاة والماعز والبقر والقردة والنسانيس والحمير "وهو حامور في العبرية، وأنثاه أتون أي أتان في العربية"، ويظهر أنها أقدم عهدا في بلاد العرب من الجمل والخيل والبغال، إذ كانت وسيلة النقل والركوب في أوائل الألف الثانية ق. م٤.
وهناك من الحيوانات البرية، الأسد والفهد والنمر والضبع والثعلب والذئب وابن آوى والوعل واليربوع والخنزير والأرانب والغزلان والظباء، ويبدو أن هذه الحيوانا قد قلت الآن، ربما بسبب كثرة السكان واستعمال آلات الصيد الحديثة وتغير المناه، فمثلا كانت الأسود في وادي بيش، ووادي عتود وعثر، بل إن هناك أماكن اشتهرت بكثرة أسودها حتى قيل لها "مآسد" "والواحدة مأسدة"، ومن الطيور هناك النعام والقطا والحجل والكروان والغراب والبجع والرخم والهدهد والنسر والعقاب والصقر والبوم والحدأة وغيرها٥.
وهناك العقارب بأحجام وألوان مختلفة، والأفاعي والحيات، والتي كان بعضها كبير الحجم يقفرب على من يهاجمه بسرعة خاطفة، فأفزع الناس في البوادي والأودية، وحتى زعم البعض أن لبعضها أجنحة، وأنها ذات ألوان مختلفة، إلى غير ذلك من صفات تركت أثرها في كتابا "هيرودوت" و"سترابو"٦، وتحدثنا
_________________
(١) ١ جمال حمدان: المرجع السابق ص٩٢. ٢ فيليب حتى: المرجع السابق ص٢٥. ٣ سورة النحل: آية ٨. وانظر: تفسير الطبري ١٤/ ٥٧-٥٨ "المطبعة الأميرية- بولاق مصر، ١٣٢٨هـ"، تفسير النيسابوري ١٤/ ٤٦-٤٧ "نسخة على هامش الطبرى". ٤ محمد مبروك نافع: المرجع السابق ص٢٩، جواد علي ١/ ٢٠٣، الهمدني: المرجع السابق ص٥٤ وكذا B. MORITZ، OP. CIT.، P.٤٠-٤٢F ٥ جواد علي ١/ ٢٠٣، الهمداني: المرجع السابق ص١٠٢، محمود شاكر: المرجع السابق ص٤١، وكذا B. MORITZ، OP. CIT.، P.٤٠ ٦ جواد علي ١/ ٢٠٥-٢٠٦، عمر فروخ: تاريخ الجاهلية ص٣٥، فيليب حتى: المرجع السابق ٢٤، القاموس ١/ ٣٠٤، ٢/ ٢٠٧، ٣/ ٤، ٣٧٤، وكذا STRABO، XVI، ٤، ١٩، ٢٥. وكذا HERODOTUS، III، ١٠٧، ١١٣
[ ١١٦ ]
النصوص الآشورية أن جيش "إسرحدون" "٦٨٠-٦٦٩ق. م" قد فزع من كثرة الثعابين والحيات في البادية، والتي زعمت النصوص أن من بينها ثعابين ذات رأسينن وأخرى لها أجنحة١، وقد فزع الإسرائيليون كذلك في أثناء التيه من "الثعابين الطائرة"٢، كما فزع السياح والمستشرقون المحدثون من كثرة الثعابين في الأماكن التي نزلوا بها، ومنها "وادي السرحان"٣.
_________________
(١) ١ جواد علي ١/ ٢٠٥ وكذا R.W. ROGERS، CUNEIFORM PARALLELS TO THE OLD TESTAMENT، P.٣٥٩. وكذا J.A. MONTGOMERY، ARABIA AND THE BIBLE، P.٨ D.D. LUCKENBILL، OP. CIT.، II، P.٢٠٩، ٢٢٠ ٢ عدد ٢١: ٢٤ أشعياء: ٣٠: ٦. ٣ COLONEL LAWRENCE، REVOLT IN THE DESERT، P.٩٣ وكذا T.E. LAWRENCE، SEVEN PILLARS OF WISDOM، P.٢٦٩-٧٠ وكذا A. MONTGOMERY، OP. CIT.، P.٩
[ ١١٧ ]