لقد توصل العلماء -عن طريق الرحالة والبعثات العلمية- إلى أسماء عدد من حكام معين، إلا أن الأمر لا يزال موضع خلاف، فيما يتصل بحكم هؤلاء الملوك، ولعل السبب في ذلك يرجع "أولًا" إلى عدم الاتفاق بين العلماء على فترة حكم دولة معين، وكذا على وقت سقوطها، ويرجع "ثانيًا" إلى أن الكتابات المعينية نفسها غير مؤرخة طبقًا لأي تقويم من التقاويم، فضلا عن أنها لم تقدم لنا الفترة الزمنية التي استغرقها حكم هؤلاء الملوك -كأفراد أو جماعات- ويرجع "ثالثًا" إلى أنها في جوهرها كتابات شخصية، أكثر منها سياسية، ومن هنا بات من الصعب على العلماء أن يتفقوا على قوائم ثابتة وصحيحة لملوك معين، أو لمدد حكمهم١.
وقد رتب "هومل" ملوك معين في ثلاث أسرات، تتكون الواحدة منها من أربعة ملوك، ثم أسرة رابعة من ملكين٢، بينما رتبهم "كليمات هوارت" في سبع طبقات، مجموعها ٢٢ ملكًا، تتكون الأولى من أربعة ملوك، والثانية من خمسة، والثالثة من أربعة، والرابعة من اثنين، والخامسة من ثلاثة، بينما تتكون السادسة والسابعة من ملكين٣، هذا وقد قدم لنا كذلك كل من "موللر" و"أوتووبير" و"موردتمان" و"ريكمانز" قوائم بملوك معين٤.
وأما "جون فلبي" فقد رتبهم في خمس أسرات، تفصل الواحدة عن الأخرى فترة مظلمة لا نعرف عنها شيئًا، كما أن فترة حكم كل أسرة تقوم على الفرض والتخمين، لا على الحقيقة والواقع، فهو مثلا يقدر أن فترة حكم الملك لا تتجاوز
_________________
(١) ١ جواد علي ٢/ ٨١. ٢ جواد علي ٢/ ٨٢ وكذا F. HOMMEL، GRUNDRISS، I، P.١٣٦ ٣ جواد علي ٢/ ٨٢ وكذا C. HUART، GESCHICHTE DER ARABER، I، P.٥٦ ٤ جواد علي ٢/ ١٢٤-١٢٨ وكذا F. HOMMEL، OP. CIT.، P.١٣٦ وكذا MORDTMANN، ZDMG، ٤٧، ١٨٩٣، P.٣٩٧-٤١٧ وكذا J. RYCKMANS، L'INSTITUTION MONARCHIQUE EN ARABIE MERIDIONALE AVANT L'ISLAM، P.٣٣٥
[ ١٩٨ ]
العشرين عامًا، وأن فترة الانتقال بين الأسرة والأخرى تبلغ أيضًا عشرين عامًا١، ويضع "فلبي" على رأس الأسرة الأولى "إل يفع وقه"، متخذًا من عام ١١٢٠ق. م، بداية لحكمه، بينما يجعل" "تبع كرب" "٦٥٠-٦٣٠ق. م" الملك الأخير من الأسرة الخامسة٢.
وفي عام ١٩٥٠م، قد لنا "وليم أولبرايت" قائمة تتكون من سبعة عشر ملكًا، ثم ذكر أن هناك ما لا يقل عن خمسة ملوك لا يعرف فترة حكمهم٣، وفي عام ١٩٥٣م، أعاد "أولبرايت" دراسة القوائم ثم قدمها لنا في ثلاث مجموعات، تتكون الأولى من "١٢ ملكًا"، والثانية من "٦ ملوك"، والثالثة من "٣ ملوك"٤.
ولعل من أهم الأحداث التي روتها النقوش ما كان في عهد الملك "أب يدع يثع" عن حرب وقعت بين الجنوب والشمال، ذلك أن نقوش "جلازر ١١١٥، هاليفي ٥٣٥، ٥٧٨" إنما تتحدث عن حرب وقعت بين "ذيمنت" و"ذشامت"٥ وكذا عن حرب أخرى وقعت بين "مذي" و"مصر" في وسط مصر٦، وأن المقصود من الكتابة إنما هو شكر لآلهة معين "عثتر، ود، نكرح" على نجاة القافلة المعينية من أضرار الحرب الأولى والثانية، ووصولها إلى "قرناو".
ويبدو أن القوافل بما تحمله من أموال، كانت كثيرًا ما تتعرض لهجوم من القبائل ومن العشائر، فضلا عن قطاع الطرق، وهي وإن أمنت على نفسها بحماية من الحكومة، وباتفاق مع سادات القبائل نظير مبلغ من المال، فهي لا تأمن على نفسها من القبائل المعادية، ومن ثم فلا غرابة إن نذر أصحاب القوافل لآلهتهم عند عودتهم سالمين من تجارتهم، أو عادت قوافلهم سالمة٧.
وأما عن الحرب التي استعر أوارها بين الشمال والجنوب، فالرأي عند "هوجو فنكلر" أنها كانت بين حكومة معين وحكومة عربية أخرى، هي حكومة
_________________
(١) ١ فؤاد حسنين: المرجع السابق ص٢٧٠. ٢ J.B. PHILBY، THE BACKGROUND OF ISLAM، P.١٤١ ٣ W.F. ALBRIGHT، BASOR، ١١٩، ١٩٥٠، P.١١ ٤ W.F. ALBRIGHT، BASOR، ١٢٩، ١٩٥٣، P.٢٢ ٥ جواد علي ٢/ ٨٨. ٦ جواد علي ٢/ ٨٩. ٧ جواد علي ٢/ ٩٠.
[ ١٩٩ ]
"أريبي"، والتي كان نفوذها يمتد حتى دمشق١، على أن الكتابة نفسها، إنما حددت موضع الهجوم على القافلة بين معين "أو مادان" وبين رجمت٢.
وقد قام جدل طويل بين العلماء فيما يختص بالحرب التي دقت طبولها بين "مذي" ومصر، وكان أشد الجدل يدور حول المقصود بمذي هذه، وحول تاريخ هذه الحرب، فذهب فريق إلى أنهم "الماذيون" أي الماديون "الميديون"، والميديون -كما نعرف- قبائل إيرانية كانت منتشرة في منطقة تمتد من جبال "دوماوند" حتى مدينة "همدان"، ثم استطاعوا تحت قيادة "كياكسارس" السيطرة على فارس، واتخاذ مدينة "أكباتانا "ومكانها الآن مدينة همدان" عاصمة لهم، بل والتعاون مع البابليين في القضاء على آشور، واحتلال "نينوى" في عام ٦١٢ق. م، ثم الاستيلاء على الجزء الشمالي من الإمبراطورية الآشورية. إلا أن الأمور سرعان ما بدأت تتغير في هضبة إيران، عندما تولى العرش الفارسي "كيروش الثاني" في عام ٥٥٩ق. م، والذي كتب له نجحا بعيد المدى في القضاء على الميديين، وفي أن يصبح سيد المنطقة كلها٣، إلا أن تاريخ الميديين لم يحدثنا عن حروب وقعت بينهم وبين مصر، سواء أكان المقصود بها "مصر" "كنانة الله في أرضه"، أو تلك الولاية "مصرو" في شمال بلاد العرب، والأمر كذلك بالنسبة إلى تاريخ مصر على أيام الفراعين.
هذا ويرى "جون فلبي" أن "مذي" إنما هم المديانيون، وأن الحرب التي وقعت إنما كانت بين المديانيين -والذين كانت أرضهم تمتد من خليج العقبة إلى مؤاب إلى سيناء -وبين "معين موصرو٤،، وأما "هومل" فالرأي عنده أن "مذي" إنما هم جماعة من بدو سيناء٥، ويذهب "ملاكر" إلى أن الحرب بين مذي ومصر، إنما هي إشارة إلى الحرب التي كانت بين المصريين والفرس، والتي انتهت باستيلاء "قمبيز" على مصر في عام ٥٢٥ق. م٦، على أن "وينت"
_________________
(١) ١ HUGO WINCKLER، MUSRI، MELUHHA، MAIN، P.٢٠، ٢٢ ٢ J.B. PHILBY، OP. CIT.، P.٥٣. وكذا H. WINCKLER، OP. CIT.، P.٢٠ ٣ A. GARDINER، OP. CIT.، P.٣٥٧ ٤ J.B. PHILBY، OP. CIT.، P.٥٤ ٥ LE MUSEON، LXII، ٣-٤، ١٩٤٩، P.٢٣٨ ٦ جواد علي ٢/ ٩٢ وكذا ٢٣١ Le MUSEON، LXII، ٣-٤، ١٩٤٩، P.٢٣١. وانظر عن الحرب بين مصر وفارس، وكتابنا "حركات التحرير في مصر القديمة" ص٣٤٤-٣٦٢ "دار المعارف ١٩٧٦" وكذا A. GARDINER، OP. CIT.، P.٣٦٣-٣٦٥
[ ٢٠٠ ]
-وربما ألبرايت كذلك- إنما يتجهان إلى أنها لا تشير إلى فتح مصر، وإنما إلى استعادتها مرة ثانية على يد "ارتكزر كسيس الثالث" "أخوس" في عام ٣٤٣ق. م١، ولعل هذا هو السبب في أن بعض المراجع إنما تضع حكم "أب يدع يثع" في حوالي عام ٣٤٣ق. م٢.
وأما "جاكين بيرين" فالرأي عندها أن مذي إنما تعني السلوقيين بصفة عامة، وأن مصر إنما تعني البطالمة وأن هذه الحرب قد وقعت فيما بين عامي ٢١٠، ٢٠٥ق. م وربما تشير إلى الاستيلاء على غزة في حوالي عام ٢١٧ق. م، وإلى المعركة التالية عند "رفع "٣Rapheia".
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن المعينيين، رغم أنهم شعب عربي جنوبي وأن دولتهم قد قامت في بلاد العرب الجنوبية، إلا أنهم قد انتشروا في شمال بلاد العرب، بل إن هناك من يذهب إلى أن نفوذهم قد امتد حتى الخليج العربي شرقًا وغزة غربًا، كما أن علاقاتهم التجارية قد امتدت إلى سورية وإلى بلاد اليونان ومصر، بدليل العثور على كتابات معينية في جزيرة "ديلوس"، إحدى جزر اليونان٤، فضلا عن العثور على كتابات معينية أخرى في الجيزة، وعند قصر البنات -عند منتصف وادي الحمامات- وفي منطقة "إدفو"٥ "بمحافظة أسوان"، وترجع بعض هذه الكتابات إلى أيام قمبيز "٥٢٥-٥٢٢ق. م"، وبعضها الآخر إلى أيام البطالمة٦.
_________________
(١) ١ BASOR، ٧٣، ١٩٣٩، P.٨، ١١٩، ١٩٥٠، P.١١ وانظر كتابنا "حركات التحرير في مصر القديمة" ص٣٩٧-٤٠١. وكذا A.T. OLMSTEAD، HISTORY OF THE PERSIAN EMPIRE، P.٤٠٦ وكذا R. GHIRSHMAN، IRAN، P.٢٠١ ٢ فؤاد حسنين: التاريخ العربي القديم ص٢٧٢، وكذا BASOR، ١٢٩، ١٩٥٣، P.٢٢ ٣ JACQUELINE PIRENNE، PALEOGRAPHIE DES INSCRIPTIONS SUD ARABES، I، ١٩٥٦، P.٢١١ ٤ BASOR، ٧٣، P.٧ ٥ LE MUSEON، XLVIII، P.٢٢٨، LXII، ١-٢، P.٥٦. وكذا BASOR، ٣٧، P.٧ وكذا A.E.P. WEIGALL، TRAVELS IN THE UPPER EGYPTIAN DESERTS، LONDON، ١٩٠٩، P.١، IV، FIG. ١٣، ١٤ وكذا H. WINCKLER، ROCK-DRAWINGS OF SOUTHERN UPPER EGYPT، I، LONDON، ١٩٣٨، P.١ ٦ مظهر الإرياني: في تاريخ اليمن ص١٥.
[ ٢٠١ ]
بل لقد حددها بعض الباحثين بعام ٢٦٤/ ٢٦٣ق. م١، فإذا ما تذكرنا صلات مصر القوية بفلسطين في العصور الفرعونية، وتذكرنا في الوقت نفسه أن دولة معين إنما كانت تحكم في فترة ازدهارها، ما يقال له الآن الحجاز وحتى فلسطين، وأن معين كانت دولة تجارية أكثر منها عسكرية، لتبين لنا أن العلاقات بين مصر ومعين -وبخاصة في الأمور التجارية- إنما كانت أمرًا طبيعيًّا٢.
على أن أهم المراكز المعينية خارج اليمن، ما كان في الشمال الغربي لبلاد العرب، حيث تقع واحة ديدان "العلا"، وفي واحة معون -وهي معان الحالية٣- ويرى بعض الباحثين أن منطقة ديدان وما صاقبها من أراض إنما كانت بمثابة جزء من دولة معين، التي كان ملوكها يقومون بتعيين ولاة من قبلهم لإدارة هذه المنطقة يطلقون على الواحد منهم لقب "كبر" أي "كبير"، ويعهدون إليه بإدارة شئون المنطقة والمحافظة على الأمن فيها، ثم جمع الضرائب وإرسالها إلى "قرناو"٤.
وكان بجانب هؤلاء الولاة، حامية عسكرية وجالية تتألف من الأوساط التجارية في تلك الواحات، وكانت هذه البقاع موردًا للكسب بالنسبة لأهل الواحات الأصليين، وللقبائل التي كانت تقيم في مجاوراتها، فكانت القبائل الشمالية تقدم لهذه الجاليات ما تحتاج إليه من القوت والثياب، وكان لهم -من أجل ذلك- نوع من السيطرة والسيادة٥.
وقد أدى ذلك إلى نتائج هامة، منها "أولًا" احتكاك الحكام المعينيين بحكام سورية وأشور عن طريق التجارة الرئيسي، ومن ثم فلم يعن الأخيرون بتفهم النظم السياسية المختلفة للواحات المتفرقة التي تقع على طول هذا الطريق، ولم يهتموا بالمفاوضات مع الملوك المحليين للإقليم وأشرافه، وإنما اتجهوا إلى ذلك المقيم الجنوبي الذي كان معروفًا لديهم بإشرافه على الإقليم، وكانوا يخلطون بينه وبين الملك الجنوبي -الذي كان هذا المقيم يعمل في خدمته- فذكروا اسمه، كما لو كان هو الملك
_________________
(١) ١ A. GROHMANN، ARABIEN، P.٢٦ ٢ انظر مقالنا: العرب وعلاقاتهم الدولية في العصور القديمة، مجلة كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية -جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية- العدد السادس، ١٩٦٧م. ٣ ألويس موسل: شمال الحجاز ص٨٧. ٤ A. MUSIL، OP. CIT.، P.٢٩٥ ٥ ألويس موسل: المرجع السابق ص٨٧.
[ ٢٠٢ ]
الجنوبي، وهذا يفسر لنا الإشارات التي ترد في الوثائق السريانية والعبرية عن المعينيين والسبئيين، وتذكرهم كما لو كانوا يقيمون في الجنوب الشرقي للبحر الميت١.
ومنها "ثانيًا" أن دولة معين إنما كانت -كما أشرنا آنفًا- تحكم كل ما يقال له الحجاز الآن إلى فلسطين، فلما ضعف المعينيون أصبحت سيادتهم مقصورة على ما يسمى "معين مصرو"، التي ما لبثت أن أصبحت بعد فترة تحت سلطان السبئيين، حين كتب لهؤلاء السيادة على الجنوب والشمال معا، وأخيرًا أصبح زمام الأمور بيد "اللحيانيين" الذين كانوا دولة مستقلة هي دولة "لحيان"٢، والتي امتد نفوذها في أيام ازدهارها -فيما يرى البعض- على الأرض الممتدة غربي النفود، من شمال يثرب إلى ما يحاذي خليج العقبة، والذي أطلق عليه "أجاثر خيدس"، في القرن الثاني ق. م، اسم خليج لحيان، ثم حرف فيما بعد إلى "لات" "إيلات"٣.
وقد قام جدل طويل بين العلماء -ولا سيما المتخصصين منهم في الدراسات التوراتية- حول "معين موصرو" هذه، فذهب فريق منهم إلى أن كلمة "مصرايم" التي جاءت في التوراة، لا تدل على "مصر"، وإنما على الإقليم الواقع شمال بلاد العرب، والذي يمتد غربًا حتى حدود مصر الشرقية، ولهذا فإن ما يقال عن إقامة العبرانيين في مصر، إنما يعني إقامتهم في جنوب فلسطين، أو في شبه جزيرة سيناء وطبقًا لهذا الاتجاه، فإن خروج بني إسرائيل لم يحدث من مصر، وإنما من هذه المناطق المشار إليها، ذلك لأن الباحث اليهودي "هوجو فنكلر" إنما يرى أن اسم "مصرايم" لم يكن استعماله في البداية مقصورًا على الإشارة إلى مصر، ولكنه كان يشمل كذلك الإقليم الذي سماه الجغرافيون البابليون "مصر أو موصري"، والذي يقع جنوب البحر الميت، شمال شبه جزيرة العرب، ويمتد غربًا حتى حدود مصر الشرقية، ويضم جبل سعير ومدينة البتراء وأراضي مدين وأدوم.
ويعتقد "فنكلر" أن التقاليد اليهودية الأصلية، عندما تحدثت عن إقامة الآباء الأولين -وخاصة موسى- في مصرايم، إنما كانت تشير إلى ذلك الزمن حيث عاش
_________________
(١) ١ نفس المرجع السابق ص١. ٢ A. MUSIL، OP. CIT.، P.٢٩٥ ٣ F.V. WINNET AND W. REED، ANCIENT RECORDS FROM NORTH ARABIA، TORONTO، ١٩٦١، P.١١٦F وكذا A. MUSIL THE NORTHERN HEGAS، N.Y.، ١٩٢٦، P.٢٩٥
[ ٢٠٣ ]
أسلاف العبرانيين في صحراء جنوب فلسطين، ثم بدأ سكان كنعان يستخدمون اصطلاح "مصرايم" على المراعي الجنوبية -وكذا على مصر نفسها- ذلك البلد الذي يقع بالنسبة إليهم فيما وراء الصحراء، ولعل مما يفسر هذا الافتراض أن الوادي القريب من "غزة" سمي "نهر مصرايم"، على الرغم من أنه على مسيرة ثلاثة أيام من الحدود المصرية، ومن هنا فمن الممكن أن يشير اسم "مصرايم" في بعض النصوص والتقاليد العبرية، إلى الصحراء المصرية، وليس إلى اسم مصر بالذات١.
وقد ناقشنا ذلك الأمر في كتابنا "إسرائيل"٢، وخرجنا من المناقشة بأن الأدلة العملية، والتقاليد الإسرائيلية، وما ورد في التوراة من وصف لجو مصر وأحوالها، وأثر الأدب المصري في كتب الإسرائيليين، والنصوص التوراتية الصريحة التي تتحدث عن دخول الإسرائيليين مصر، بل وذكر أسماء الداخلين منهم أرض الكنانة، كل ذلك وغيره مما يؤكد أن المقصود هنا أرض الكنانة٣، هذا فضلا عن أن ذلك أمر أجمعت عليه الكتب المقدسة الثلاثة "التوراة والإنجيل والقرآن العظيم"، وإنكارنا لأمر تجمع عليه الكتب المقدسة، لا يتفق ومنهج البحث العلمي، فضلا عن تعارضه مع إيماننا بما جاء في كتب السماء.
وانطلاقًا من هذا، وترتيبًا عليه، فإن "مصر" التي جاءت في قصة الإسرائيليين، ليست هي "موصرى" الواقعة في شمال غربي بلاد العرب، وإنما هي "مصر"، كنانة الله في أرضه، ومن ثم فإن ما جاء في نص "تجلات بلاسر الثالث" ٧٤٥-٧٢٧ق. م" من أنه قد عين "أدبئيل" حاكمًا على "موصري" فإنما يعني هذه المقاطعة العربية، والتي تقع إلى الشمال من "نخل موصرى" أي "وادي موصرى"٤.
_________________
(١) ١ H. WINCKLER، OP. CIT.، P.٥. وكذا A. LODS، OP. CIT.، P.١٩٧-١٩٩ وانظر كذلك: مادة Exodus في THE JEWISH ENCYCLOPAEDIA ٢ انظر كتابنا "إسرائيل" ص٣٢٥-٢٣٧. ٣ A. LODS، OP. CIT.، P.١٦٩-١٧٠ وكذا G.E. Wright، Biblical Archaeology، ١٩٥٧، P.٥٣f وكذا J.M. Smith، Ajsl، ٤٩، P.١٧٢-٨٤ وكذا J.H. Breasted، History Of Egypt، P.٣٥٠ وكذا J. Finegan، Light From The Ancient Past، P.١٣٤ وكذا W.S. Smith، Jbr، ١٩ P.١٢-١٥ ٤ H. Winckler، Op. Cit.، P.٥. وكذا J.H. Breasted، Op. Cit.، P.٥٤٩ وكذا W.O.E. Oesterley، Egypt And Israel، In The Legacy Of Egypt، P.٢٢٨
[ ٢٠٤ ]
وهناك من يرى أن "معين موصرى" لم تكن تابعة لحكومة معين الجنوبية، وإنما كانت منذ القرن الخامس قبل الميلاد، وحتى القرن الأول قبل الميلاد، مستعمرة معينية مستقلة، وأن لقب "كبير" الوارد في نصوصها لا يعني بالضرورة أن يكون حامله تابعًا لحكومة معين الجنوبية، وإنما هو لقب كان يحمله في "معين موصرى" سيد القوم وحاكمهم، على أن أصحاب هذا الرأي إنما يربطون زوال هذه المستعمرة بزوال الدولة المعينية في الجنوب، وربما كان ذلك في الوقت نفسه دليلا على أن المستعمرة الشمالية، إنما هي ولاية تخضع للحكومة الجنوبية في معين١.
_________________
(١) ١ J. Grohmann، Arabien، P.٢٧٧
[ ٢٠٥ ]