ولما أخذ محمود حلب من ابن ملهم، كان عمه معز الدولة بمصر، فصرفه المستنمر عن عكا وبيروت وجبيل، وقال له: إن هذه الأماكن
أخذتها عوضًا عن حلب، وقد عادت إلى ابن أخيك، فتمضي إلى حلب وتستعيدها منه، فقال: إن نوابكم فرطوا فأعينوني بمال فأعانوه على ذلك بمال، وسيروه، وقرروا ألقابه الأجل، الأعز، تاج الأمراء، عماد الملك، سيف الخلافة، عضد الإمامة، بهاء الدولة العلوية، وزعيم جيوشها المستنصرية، علم الدين ذو الفخرين مصطفى أمير المؤمنين.
فعاد معز الدولة إلى حلب وجمع قومًا من عشيرته بعد أن كاتبهم حين وصل إلى حمص فأجابوه ولقيه أكثرهم بحمص وبعضهم بحماة فلما نزل معرة
[ ١٥٩ ]
النعمان، أقام بها ثمانية أيام، وضيق العرب على الناس، وكان ذلك في قوة الشتاء، فنزلوا منازل الناس.
وسير محمود الشيخ أبا محمد عبد الله بن محمد الخفاجي رسولًا إلى ملك الروم، يستنجده على عمه وبقي عندهم إلى أن ملك ثمال حلب، وكتب الخفاجي إلى حلب القصيدة المشهورة:
هذا كتابي عن كمال سلامة
ورحل ثمال، فنزل حلب محاصرًا لابن أخيه محمود، فأغلق محمود باب حلب في وجهه، وعمل قوم من الأحداث، وفتحوا لمعز الدولة باب قنسرين.
ودخل أصحابه إلى أن وصلوا درب البنات، فنزل محمود من القلعة،
وعاد أخرجهم ولم يقتل منهم واحد، وقبض على من كان سبب ذلك من الأحداث وهم: ابن حيون، وابن المغازلي، وذلك في ذي الحجة من سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة. ووصل منيع بن شبيب بن وثاب إلى حلب لنصرة محمود ببني نمير، وحصل مع محمود بالقلعة، فرحل معز الدولة عن حلب، ونزل منيع ببني نمير مدة عشرين يومًا في ضيافة محمود، وأشار على محمود باطلاق ناصر الدولة بن حمدان ففعل، وخلع عليه، وقاد خيلًا كثيرة إليه، وسيره إلى مصر.
وسار محمود إلى الحانوتة ليجمع العرب على عمه، فعاد معز الدول ثاني يوم مسيره، ونزل على حلب، ثم رحل طالبًا لمحمود فلقيه، وكسره، وانهزم محمود، ودخل حلب في ثلاث فوارس آخر صفرة وأسر معز الدولة أكثر عسكره، والأحداث الذين كانوا معه، وهم: كندي، وصبح، وابن الأقراصي، والشطيطي، واللباد. واستأمن منهم صبح إلى القلعة، فحبسه نائب محمود، وقيده خيفة من حيلة تتم عليه.
وقصد محمود حسام الدولة منيع بن مقلد، وقال له: " أنت كنت مساعدي ومعاضدي في كسر العسكر المصري الواصل مع ناصر الدولة وأوثر أيضًا أن تساعدني على عمي. فاستمهله إلى غد ذلك اليوم، ورحل في الليل
طالبًا معز الدولة، وقال لنائبه: " تقول لمحمود: عمك هو الشيخ الكبير، والعرب تأنف من
[ ١٦٠ ]
معاضدة الولد على الوالد، بل أنا برحيلي أصلح الأمر بينكما إن شاء الله.
فأمر محمود كاتبه أبا العلاء صاعد بن عيسى بن سمان النصراني بأن يعمل شعرًا، يذكره فيه بعهده، ويعتب عليه في أطراح وده، فكتب إليه:
ألا أيها الساري تخب برحله قصيرة فضل النسغين إذا تسري
تحمل هداك الله عني رسالة إذا بلغت يومًا شفيت بها صدري
إلى معشر إن تنح نحوي سهامهم فأخطأ منها ما توغل في صدري
وخص حسام الدولة بن مقلد أخا الغارة الشغواء والكرم الدثر
ومن علقت كفاي حبل وداده وما خلت أن تغتاله نوب الدهر
تذكر هداك الله يومًا أظلنا به الموت في ظل الردينية السمر
لقد غالني في ودك الدهر بعد ما غدوت أراه وهو من أنفس الذخر
وحاشا لذاك العهد من بعد ما غدا نقي الحواشي أن يدنس بالغدر
وأنت من القوم الذي نفوسهم ترى الغدر بالإخوان ضربًا من الكفر
سأصفيك ما صافيت يومًا بحفظه وآمل إن ضيعتني عاجل النصر
وأنت عليم أئني غير جازع إذا ما رماني الدهر بالنوب الغبر
وإني إذا ما يدج ليل خطوبها أصدعه بالسيف عن فلق الفجر
وما الموت إلا خطة حم وقتها وأكرمها ما كان في طلب الفخر
أبي الله والأصل الذي طاب فرعه إلى اليوم إعطاء القياد على قسر
وأخسر من تلقاه في الناس صفقة فتى عند مجد لا يريش ولا يبري
فلا تحتقر ذنبًا جنيت على الوفا ولا تعتذر ومنه فما لك من عذر
فقال منيع بن مقلد وأبو العلوان ثمال لما وصلت هذه القصيدة: من أن لمحمود هذه الفصاحة؟ ومن له بالشعر؟.. فقيل: " إن هذا شعر أبي العلاء بن سمان النصراني. فقال منيع بن المقلد: لقد ألبسني هذا النصراني من العار طوقًا لا يبلى، ولئن عشت لأقابلنه بما يكون له أهلًا.