تأسست مدرسة (أچـلو) في أول القرن الخامس، وموقعها في ضواحي تزنيت، وهي أول مدرسة عرفها التاريخ إلى الآن في بادية المغرب، وكانت تُسمى: الرباط. ويُسمى سكانها: مرابطين، وإن كان ما يعرفه التاريخ اليوم من الأولية، لا يدل على أنها هي الأولى في الواقع، فإن هناك بصيصا يتراءى منه أن حركة علمية موجودة مع مدرسة (وچَّاچ) هذه، وربما كانت قبلها، ولا حركة علمية بلا مدرسة، وكانت المساجد من قديم هي عين المدارس إن كانت فيها الدراسة، وقد قرأنا بين أخبار عبد الله بن ياسين: أنه
_________________
(١) ص ١٤٠ ج (٤) من الملل والنحل لابن حزم، وسماه أحمد بن إدريس وقد كان معروفًا أن تلك النحلة رسخت هناك في أول الرابع بمساعي علي بن عبد الله البَجَلي.
(٢) الرسالة المرغيتية في الوِهْدَاويين، وهي مخطوطة.
(٣) ما بين القوسين للوفاة.
[ ١٧ ]
كان يُسَرِّب من غنائمه في الصحراء إلى الفقهاء في هذه الجهات، ولعل هناك عددا يوجدون مع شيخه وَجَّاچ (١).
انطوت القرون الخامس فالسادس فالسابع فالثامن عن سوس، ولَم نر عنها ما يَدل على حَركة علمية واسعة تذكر عن سوس، ولولا أفراد سياسيون كابن تومرت، وصوفيون مذكورون في السادس فالسابع فالثامن؛ لَخيّم على سوس ما خيم عليها في الثالث والرابع، من ديجور (٢) كثيف في نظر التاريخ، وصوفية ذلك العصر صوفية علمية غالبا، قلما يبرز واحد منهم ويذكر إلا إذا كان معه علم قليل أو كثير.
إن هناك بعض أفراد من أحفاد وأجَّاج وسيدي وَسَّايْ وأسلاف الأغرابوئيين يذكر بعضهم (٣) في السادس، أيُمكن أن لا يكونوا علماء، مع أن ذلك إرث جدودهم، وأبناء العلماء لا يبرزون ثانيا إلا بالعلم، ما داموا يظهرون مثل ذلك المظهر؟ أيكون أبو يَحيى الجَرْسِيفي (٦٨٥هـ) وعمه سعيد بن النعمان (٦٥٠هـ) وهما جليلان علما -خصوصا أولهما- وحدهما في السابع؟ مع ما تتموج به الأسْمار من انتشار العلم كثيرا في دائرتهما، حتى ليقال: إن هناك مدفنا لكذا وكذا (٤) من البنات يَحفظن المدونة، فضلًا عن الرجال، وهناك أيضا ما يُقال من أن سيدي وسَّاي أو أبناءه والركراكي هم من أوائل من زاولوا شرح المدونة في سوس. أيمكن أن تؤسس مدرسة أَزَارِيف في آيت حامد في الثامن (٥) من غير أن نَحكم بأن هناك حركة علمية واسعة؟
إن هذه أسئلة يصعب على من لَم يقع على مواد جديدة مِمَّا لَم يشتهر الآن أن يُجيب عنها جوابا مقنعا، فالأدلة العقلية قد تقضي كماترى بأن بعض الشيء من اتساع الحركة العلمية كائن ولا بد. ولكن تعوزها الأدلة النقلية، فمن عرف كيف (أغمات) قبل تأسيس (مراكش) وبعده؟ وكيف (مراكش) بعد ما تأسست؟ وكيف (حاحة) من السادس عهد أبي سعيد
_________________
(١) جزء ١ - ١٠١ من الاستقصاء طبعة مصر، وهناك نص بأنه كان يسرب من الغنائم إلى طلبة المصامدة ومقصوده كما يظهر أهل بلده جزولة.
(٢) هذا الديجو ريكاد يكسو كل أطراف المغرب في هذين القرنين حتى حواضره إذ ذاك لا سوس وحدها.
(٣) يقال أن عمرو بن هارون الشهير في أواخر السادس من أحفاد وجاج ويظهر أنه أمي من حكايته المشهورة مع المزوزي الحاحي التي في (الرحلة العبدرية) وقد وقفنا على نسبه الصحيح بخط ابن العربي الأدوزي، فهو علوي قرشي غير أنه ليس بوَجَّاچي ولذلك لا يورد علينا هنا.
(٤) (الجرسيفيون)، مخطوط.
(٥) شاع ذلك ثم وجدته بخط بعض المعتنين.
[ ١٨ ]
الحاحي المزازي صاحب (منازل العلم)، ومن السابع عهد العبدري صاحب (الرحلة)، وكيف سجلماسة من القرن الثاني فالثالث، فهلم جرَّا؟ وعرف مع ذلك كيف اعتنى اللمتونيون والموحديون بالعلوم وبنشرها في المغرب؟ وعرف أن مراكز هاتين الدولتين (١) لا بد أن تكون بسوس. وعرف أيضا أن أغمات ومراكش وحاحة وما إلى سجلماسة مغدى السوسيين ومراحهم، يكاد يَجزم بأن كل ما كانت طلائعه في القرن الخامس بسوس، أيَّام وجَّاج، مما يظهر أنه متسع الساحة، لَم تنطفئ جذوته، ولا جزر مده فيما يلي، وما الجزولي صاحب الكراسة (٦١٦هـ) ولا أبو يَحيى الـچـرسيفي المفسر الْمُحدث الكبير خريج الأندلس، ولا عمه سعيد بن النعمان، ولا ابن عمه الجزولي الجرسيفي نزيل فاس صاحب الشروح المتعددة على الرسالة (٧٤١هـ) وأمثالهم كالذين يكاتبهم ابن البناء ويُجاذبهم علم التوقيت فذكرهم في بعض كتبه، إلا أفراد أمْكن لَهم أن يظهروا في التاريخ لدواع خاصة، على حين أن آخرين من معاصريهم غمروا، ولَم يتأت لَهم من مثل تلك الدواعي ما يعرفهم به التاريخ، وإلا فلا يمكن أن يزخر المغرب كله بدوه وحضره بالعلوم العربية أيام الموحدين، ثم تبقى جزولة في نومها العميق، وجهلها الدامس، وهي التي نراها سباقة إلى كل غاية، ومادة يَمينا عرابية إلى كل راية.