هذا الفن لِملازمته لتصحيح العقائد مِما لا بد -بطبيعة الْحَال- أن يعتني به كل مسلم له إلْمَام بعلم؛ فلذلك اعتنى به السوسيون حتى كان في المرتبة الثانية من العلوم التي يهتبلون بها أن عددت مثل النحو واللغة والفقه، وما إليها في المرتبة الأولى عندهم. وعددت الأصول والبيان والمنطق في المرتبة الثالثة، فقد ألفوا تعاطيه لِمن نَجب من تلاميذهم، وذلك في غير الصبابة الموجودة في (مقدمة ابن عاشر) التي وُضِعت للمبتدئين هي وشروحها فقط، بل إنَّهم يدرسون أيضا (السنوسيات) وأمثالِها كـ (إضاءة الدجنة) للمقري، وقد اطلعنا لَهم على مؤلفات في الفن، ابتدئت فيما نعلم سلسلتها من أواسط القرن التاسع، عهد عبد الرحمن الكرامي، صاحب الشرح على البرهانية للسلالكي، ثم توالت الحلقات في كل القرون بعدها على أيدي كثيرين كأحمد (التيزركيني) المؤلف في الفن، وكعيسى السجتاني، ويبورك وأخيه أحمد السملاليين، وعلي بن أحمد الرسْموكي، الكاتبين على السنوسيات، ثُم لَم يزل ذلك الفن يؤخذ عنهم في هذه الكتب الوسطى، ولا نعلمهم تطلعوا إلى مثل كتاب (المواقف) (١)، وكتب البيضاوي، وذلك ما وجدناه يتعاطى إلى الجيل الذي أدركناه، فقد أخذنا عن أهله من متون الفن، ولكن يظهر لنا مع استرسال هذا التعاطي أنهم في الفن جامدون، ولَم يعطوا -والحق يقال- عقولا واسعة، يُمكن لَهم بِها التوسع، كما كان عند غيرهم من علماء العجم في الشرق. فقد كان مذكورا محمد بن أحمد الرسْموكي وأخوه نزيل (تَامَانَارْت) الذي قيل فيه: إن مثله يقل نظيره في البوادي؛ لبراعته وتفوقه في الفنون، ثُم علمنا بعد ذلك مِمن يَخوضون في هذه الفنون، مثل أحمد الرسْموكي
_________________
(١) مع أن المواقف موجودة في خزائنهم.
(٢) (الفوائد الجمة) للتَّامَانَارتي، مخطوط.
[ ٤٤ ]
الفرضي، ومُحمد بن أحمد السملالي، ومنصور بن مُحمد المومني الأديب، وكذلك رجال المدرستين: الخضيجية والهوزيوئة، ثُم يتناقص الاعتناء به إلى هذا العصر، حتى لنجد كثيرين بارعين في فنون لا يندمون على عدم إلمامهم بِهذا الفن، وهذا هو الدليل الصريح على ما ذكرناه.