شاع في المغرب من قديم قلة الاعتناء بِهذا الفن، وإن لَم يكن يَخلو في كل وقت مِمن يتعاطاه؛ لِما امتاز به المغاربة من الإكباب على الدراية أكثر من الرواية، فكان لسوس بين أرجاء المغرب مثل هذا الوصف بعينه يقل فيه الالتفات إلى ذلك، وإن لَم يكن يَخلو مِمن يلتفتون إليه؛ فلذلك يَجد المطلع على حياة رجالاتهم فهارس ورحلات امتلأت بالأسانيد والاستجازات، وقد كان هذا مذكورا في التاريخ من مفتتح القرن العاشر، ثم لَمَّا جاء عبد الرحمن التامانارتي في القرن الحادي عشر أظهر ذلك في كتابه (الفوائد الجمة)، فأبان اعتناء مشيخته ومشيختهم بوصل حلقات الأسانيد، ثم جاء أحمد أحوزي التيملي نزيل درعة بفهرسته المشهورة بعد صدر القرن الثاني عشر، ثُم محمد بن يحيى الأزاريفي بكراسة شحنت بأسانيده في التصوف، وبأخرى بأسانيده في العلوم، ثُم تبعه أولاده وأحفاده في ذلك، ثُم التَّاسجدلتي، فعندنا له فهرست حسن، ثُم مُحمد بن إبراهيم آل ابن يعقوب التاتلتي ثم التاجرجوستي رفيق أحمد الغربي الشهير في الرباط في فهرست له حسن، وقفنا عليه أخيرا، يدخل في هذا الموضوع، ثم الحضيجي الذي رد العناية بِهذا الفن جذعة في فهرسته وفي إجازاته المتعددة، فتلميذه الأسغاركيسي فيحيى الجراري (١)، فأبو مدين الدرعي الرداني المعتني في رحلته (٢) بأخذ الإجازات في أواسط الثاني عشر، فعبد الله السجتاني المسكالي نزيل تونس في القرن الثاني عشر.
فلكل واحد من هؤلاء فهرس خاص، وقد رأينا بعض أسانيد لبعض السوسيين سواهم عن بعض الفاسيين؛ كبناني وجسوس وعمر الفاسي وابن سودة وغيرهم، ثم أوصلوا السند بِمن بعدهم؛ كعلي بن سعيد، وولده مُحمد بن علي اليعقوبيين، اللذين يتصلان بالمتقدمين، ثُم ضؤل الاعتناء، وتقاصرت الهمم، حتى لنرى مثل أبي زيد الجشتيمي يزهد في ذلك تورعا واحتقار نفس، وإن كانت له بعض إجازات رأيناها، لكن ولده سيدي الحاج أحمد أظهر اعتناء غير قليل بِهذه الجهة، فوصل حلقات بأخرى بِما صنعه في حجته حين استجازَ من لقيهم، ثم أجازَ
_________________
(١) هذه الفهارس كلها موجودة مخطوطة.
(٢) مخطوطة في الخزانة التامُجْروتية أرشدنا إليها الأخ أبو المزايا.
[ ٥٤ ]
بعد رجوعه فأبقى له بذلك ذكرا في آثار هذا الفن، وكان لأبي العباس التيمجيدشتي يد في إحياء فن الأسانيد، فاستجازَ وأجاز، فانتشر ما انتشر عنه بواسطة أصحابه كعلي الدمناتي، وأحمد الرسْموكي البوعنفيري، ومسعود المعدري، والْحَاج مُحمد أباراغ البعمراني، والعربي الأدوزي، والشريف الكثيري، وكان لابن العربي أيضا بعض عناية، فاستجازَ الْحَسن التيمجيدشتي، والأمين الصحراوي وغيرهما. ثُم أجازَ الكثيرين من بينهم خاتِمة المسندين بسوس سيدي مُحمد بن مسعود البونعماني، فقد وقفنا له على إجازة كبرى لبعض تلاميذه أسند فيها عن ابن العربي وعن والده مسعود، وعن الْحَاج ياسين الواسخيني، وعن الْحَاج أحمد الجشتيمي، وعن مُحمد بن مُحمد الجزولي، وعن مُحمد الضوء السباعي، وعن مُحمد أبارغ، وعن أحمد بن إبراهيم الإجراري وآخرين، وهذه العناية لَم نر لَها نظيرا من معاصريه في تلك الجهة، وكذلك رأينا مثل هذا الاعتناء للعلامة أحمد من آل حسين الطاطائيين من أصحاب أكنسوس، ثم كان آخر من رأينا لَهم هذه العناية، فأجيف الباب بعدهما، ويوجد بين الرحلات السوسية الحجازية، كرحلتي أحوزي الموجودتين في تامجرت، وكالأسغاركسيَّة -إن تَمت وعندنا بعضها- والأزناكيَّة- إن وجدت- والمدينيَّة الردانية الموجودة في تامجروت، والعينية إن كان اعتنى صاحبها بِهذا الفن فيما لَم نره منها وهي مبتورة، وفي غيرها آثار من هذا الفن، فإن الرحلات التي كتبت في الثاني عشر وهي عدة -منها هذه المتقدمات- تأثر أصحابها برحلتي الناصري والعياشي اللتين لَهُما اعتناء كبير بِهذه الناحية، وقد اطلعنا على بعض آثار في الموضوع لبعض الجرسيفيين استجاز بها في المشرق، كما اطلعنا على ذلك لأحمد العباسي، ولبعض السملاليين عن باب السوداني ولغيرهم عن اسكلانط والغربي وعن التونسيين والمصريين.
هذا كله مما يدل على ما ذكرناه من أن الاعتناء بِهذا الفن الذي يُعد كنسب للعلوم لَم ينقطع في سوس، وإن كان يضؤل أحيانا، ثم هو مع ذلك لَم يكن ذا أهمية كبرى عندهم، حتى الإجازات- وهي عندهم أخص من الأسانيد في الجملة، إذا لَم تذكر فيها الأسانيد، وإلا فإنَّها من بنات الموضوع- يقل تعاطيها في سوس بين المتخرجين والمخرجين إلا قليلا.