قال أبو جعفر: قد ذكر قبلُ سبب هلاك ابن عليّ بن عيسى وكيف قُتل.
_________________
(١) انظر البداية والنهاية (٨/ ١٢٣).
[ ١١ / ٢٤٢ ]
ولمَّا قتل ابنه عيسى خرج عليّ عن بلّخ حتى أتى مَرْو مخافةَ أن يسير إليها رافع بن الليث، فيستولي عليها. وكان ابنه عيسى دفن في بستان داره ببلخ أموالًا عظيمة - قيل إنها كانت ثلاثين ألف ألف - ولم يعلم بها عليّ بن عيسى ولا اطلع على ذلك إلا جارية كانت له، فلما شخص عليّ عن بلخ أطلعت الجارية على ذلك بعضَ الخدم، وتحدّث به الناس، فاجتمع قُرّاء أهل بلْخ ووجوهها، فدخلوا البستان فانتهبوه وأباحوه للعامة، فبلغ الرّشيد الخبر، فقال: خرج عليّ من بلْخ عن غير أمرِي، وخلَّف مثل هذا المال؛ وهو يزعم أنه قد أفْضَى إلى حَلْي نسائه فيما أنفق على محاربة رافع! فعزله عند ذلك، وولّى هرثمة بن أعيَن، واسَتصفى أموال عليّ بن عيسى، فبلغت أمواله ثمانين ألف ألف.
وذكر عن بعض الموالي أنه قال: كنا بجُرْجان مع الرشيد وهو يريد خُراسان، فوردت خزائن عليّ بن عيسى التي أخذت له على ألف وخمسمائة بعير، وكان عليّ مع ذلك قد أذلّ الأعالي من أهل خُراسان وأشرافهم.
وذكر أنه دخل عليه يومًا هشام بن فرخسرو والحسين بن مصعب، فسلَّما عليه، فقال للحسين: لا سلَّم الله عليك يا ملحد يا بن الملحد! والله إنيّ لأعرف ما أنتَ عليهْ من عداوتك للإسلام وطعنك في الدين، وما أنتظر بقتلك إلا إذن الخليفة فيه، فقد أباح الله دمَك، وأرجو أن يسفكه الله على يدي عن قريب، ويعجلك إلى عذابه. ألستَ المرجف بي في منزلي هذا بعد ما ثملتَ من الخمر، وزعمت أنه جاءتك كتب من مدينة السلام بعزلي! اخرج إلى سخط الله، لعنك الله، فعن قريب ما تكون من أهلها! فقال له الحسين: أعيذ بالله الأميرَ أن يقبل قول واشٍ، أو سعاية باغٍ، فإني بريء مما قُرفت به. قال: كذبت لا أمّ لك! قد صحّ عندي أنك ثملت من الخمر، وقلت ما وجب عليكَ به أغلظ الأدب؛ ولعلّ الله أن يعاجلَك ببأسه ونقمته؛ اخرج عني غير مستور ولا مصاحَب. فجاء الحاجب فأخذ بيده فأخرجه، وقال لهشام بن فرخسرو: صارت دارك دار الندوة؛ يجتمع فيه إليك السفهاء، وتطعن على الولاة! سفك الله دمي إن لم أسفك دمك! فقال هشام: جُعلت فداء الأمير! أنا والله مظلوم مرحوم؛ والله ما أدَعُ في تقريظ الأمير جهدًا، وفي وصفه قولًا إلّا خصصتُه به وقلته فيه؛ فإن كنت إذا قلت خيرًا نقل إليك شرًّا فما حيلتي! قال: كذبت لا أمّ لك؛ لأَنا أعلم بما تنطوي
[ ١١ / ٢٤٣ ]
عليه جوانحك من ولدك وأهلك، فاخرج فعن قريب أريح منك نفسي. فخرج. فلمَّا كان في آخر الليل دعا ابنتَه عالية - وكانت من أكبر ولده - فقال لها: أيْ بنيَّة، إني أريد أن أفضيَ إليك بأمر إن أنت أظهرته قُتلتُ؛ وإنْ حفظته سلمتُ، فاختاري بقاء أبيك على موته، قالت: وما ذاك جُعلت فداك! قال: إني - أخاف هذا الفاجر عليّ بن عيسى على دمي، وقد عزمت على أن أظهر أنّ الفالج أصابني، فإذا كان في السّحَر فاجمعي جواريك، وتعالي إلى فراشي وحرّكيني؛ فإذا رأيت حركتي قد ثقلت، فصيحي أنت وجواريك، وابعثي إلى إخوتك فأعلميهم علّتي. وإياك ثم إياك أن تطلعي (١) على صحة بدني أحدًا من خلْق الله من قريب أو بعيد. ففعلتْ - وكانت عاقلة حازمة - فأقام مطروحًا على فراشه حينًا لا يتحرّك إلا إن حُرّك، فيقال إنه لم يعلم من أهل خُراسان أحدٌ من عزل عليّ بن عيسى بخبر ولا أثر غيرُ هشام؛ فإنه توهم عزله، فصحّ توهمه.
ويقال: إنه خرج في اليوم الذي قدم فيه هَرْثمة لتلقِّيه. فرآه في الطريق رجل من قوّاد عليّ بن عيسى، فقال: صحّ الجسم؟ فقال: ما زال صحيحًا بحمد الله! وقال بعضهم: بل رآه عليّ بن عيسى، فقال: أين بك؟ فقال: أتلقَّى أميرنا أبا حاتم، قال: ألم تكن عليلًا؟ قال: بلى؛ فوهب الله العافية، وعزل الله الطاغية في ليلة واحدة.
وأما الحسين بن مصعب فإنه خرج إلى مكّة مستجيرًا بالرّشيد من عليّ بن عيسى، فأجاره.
ولما عزم الرشيد على عزل عليّ بن عيسى دعا - فيما بلغني - هرثمة بن أعين مستخليًا به فقال: إني لم أشاور فيك أحدًا، ولم أطلعه على سرّي فيك، وقد اضطرب عليّ ثغور المشرق، وأنكر أهل خراسان أمْرَ عليّ بن عيسى؛ إذ خالف عهدي ونبذه وراء ظهره؛ وقد كتب يستمدّ ويستجيش، وأنا كاتب إليه، فأخبره أني أمدّه بك، وأوجّه إليه معك من الأموال والسلاح والقوّة والعدّة ما يطمئن إليه
_________________
(١) لم يكن من أدب الرشيد أن يقذف المسلمات بكل بساطة ويكتب في رسائله هذه الكلمات النابية - وكيف نعتمد على وجود حوار سرّي بن الخليفة وهرثمة ثم رسالة أرسلها لم يعلم به إلا الله سبحانه والحفظة من ملائكته - وكل ذلك وصل إلى الطبري من طريق (فيما بلغني)؟ ! ! .
[ ١١ / ٢٤٤ ]
قلبه، وتتطلع إليه نفسه، وأكتب معك كتابًا بخطي فلا تفضَّنّه، ولا تطلعنّ فيه حتى تصل إلى مدينة نيسابور؛ فاذا نزلتَها فاعمل بما فيه، وامتثله ولا تجاوزه، إن شاء الله، وأنا موجّه معك رجاء الخادم بكتاب أكتبه إلى عليّ بن عيسى بخطي؛ ليتعرّف ما يكون منك ومنه، وهوّنْ عليه أمْرَ عليّ فلا تظهرنَّه عليه، ولا تعلمنَّه ما عزمتُ عليه، وتأهَّب للمسير، وأظهر لخاصَّتك وعامّتك أني أوجّهك مددًا لعليّ بن عيسى وعونًا له. قال: ثم كتب إلى عليّ بن عيسى بن ماهان كتابًا بخطه نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم. يا بن الزانية، رفعتُ من قدرك، ونوّهت باسمك، وأوطأت سادة العرب عَقِبَك، وجعلتُ أبناء ملوك العجم خوَلَكَ وأتباعك، فكان جزائي أن خالفتَ عهدي، ونبذتَ وراء ظهرك أمري؛ حتى عِثت في الأرض، وظلمت الرّعية، وأسخطت الله وخليفته؛ بسوء سيرتك، ورداءة طعمتك، وظاهر خيانتك، وقد ولَّيت هَرثمة بن أعيْن مولَاي ثغر خُراسان، وأمرتُه أن يشدّ وطأته عليك وعلى ولدك وكتابك وعمالك، ولا يترك وراء ظهوركم درهمًا، ولا حقًّا لمسلم ولا مُعاهد إلا أخذكم به، حتى تردّه إلى أهله؛ فإن أبَيْتَ ذلك وأباه ولدُك وعُمَّالك فله أن يبسط عليكم العذاب، ويصبّ عليكم السياط، ويُحلّ بكم ما يحلّ بمن نكثَ وغيَّر، وبدَّل وخالف، وظلم وتعدَّى وغشم، انتقامًا لله ﷿ بادئًا، ولخليفته ثانيًا، وللمسلمين والمعاهدين ثالثًا، فلا تعرض نفسك للتي لا شَوَى لها، واخرج مما يلزمك طائعًا أو مكرهًا (١).
وكتب عهد هرثمة بخطه:
هذا ما عهد هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى هرثمة بن أعيَن حين ولّاه ثَغْر خُراسان وأعماله وخراجه؛ أمَرَه بتقوى الله وطاعته ورعاية أمر الله ومراقبته، وأن يجعل كتاب الله إمامًا في جميع ما هو بسبيله، فيحلّ حلالَه ويحرّم حرّامه، ويقف عند متشابهه؛ ويسأل عنه أولِي الفقه في دين الله وأولِي العلم بكتاب الله، أو يردّه
_________________
(١) لم يكن من أدب الرشيد أن يقذف المسلمات بكل بساطة ويكتب في رسائله هذه الكلمات النابية وكيف نعتمد على وجود حوار سري بين الخليفة وهرثمة تحت رسالة أرسلها لم يعلم به إلا الله سبحانه والحفظة من ملائكته وكل ذلك وصل إلى الطبري من طريق (فيما بلغني).
[ ١١ / ٢٤٥ ]
إلى إمامه ليريَه الله ﷿ فيه رأيه، ويعزم له على رشده، وأمره أن يستوثق من الفاسق عليّ بن عيسى وولده وعماله وكتابه، وأن يشدّ عليهم وطأتَه، ويُحلّ بهم سطوتَه، ويستخرج منهم كلّ مال يصحّ عليهم من خراج أمير المؤمنين وفيء المسلمين؛ فإذا استنظف ما عندهم وقِبَلهم من ذلك، نظر في حقوق المسلمين والمعاهدين، وأخذهم بحقّ كلّ ذي حقّ حتى يردُّوه إليهم؛ فإن ثبتت قبَلهم حقوق لأمير المؤمنين وحقوق للمسلمين؛ فدافَعوا بها وجحدوها، أن يصبّ عليهم سوط عذاب الله وأليم نقمته؛ حتى يبلغ بهم الحال التي إنْ تخطَّاها بأدنى أدب، تلفتْ أنفسُهم، وبطلت أرواحهم؛ فإذ! خرجوا من حقّ كلّ ذي حق، أشخصهم كما تشخص العصاة من خُشونة الوطاء وخشونة المطعم والمشرب وغلظ الملبس، مع الثقات من أصحابه إلى باب أمير المؤمنين، إن شاء الله. فاعمل يا أبا حاتم بما عهدتُ إليك، فإني آثرتُ الله وديني على هوايَ وإرادتي، فكذلك فليكن عملُك، وعليه فليكن أمرك، ودبِّر في عمال الكُور الذين تمرّ بهم في صُعودك ما لا يستوحشون معه إلى أمرٍ يريبهم وظنّ يرعبُهم. وابسطُ من آمال أهل ذلك الثغْر ومن أمانهم وعذرهم، ثم اعمل بما يرضي الله منك وخليفته، ومَنْ ولاك الله أمره إن شاء الله. هذا عهدي وكتابي بخطِّي، وأنا أشهد الله وملائكته وحملةَ عرشه وسكان سمواته وكفى بالله شهيدًا.
وكتب أمير المؤمنين بخطِّ يده لم يحضره إلا الله وملائكته.
ثم أمر أن يكتب كتاب هرثمة إلى عليّ بن عيسى في معاونته وتقوية أمره والشدّ على يديه؛ فكتب وظهر الأمر بها؛ وكانت كتب حَمَوَيَهْ وردت على هارون: إنّ رافعًا لم يخلع ولا نزع السَّواد ولا من شايعه، وإنما غايتهم عزل عليّ بن عيسى الذي قد سامهم المكروه.
* * *