وهو الثامن والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وهو أول ملوك الروم بمصر، إن لم يكن أيبك التركماني من الروم ولا لاجين فهو أولهم، بويع بالسلطنة بعد خلع الملك المؤيد أحمد بن أينال كما تقدم. - وكان صفة (^١) ولايته أن فى يوم السبت سابع عشر رمضان وثب العسكر على السلطان، وهم ما بين ناصرية ومؤيدية وأشرفية وظاهرية وسيفية من سائر الطوائف، فتوجهوا إلى بيت الأتابكي خشقدم، وتحالف الأشرفية والظاهرية على سلطنة خشقدم، وكانوا كاتبوا جانم نائب الشام بأن يحضر إلى القاهرة سرعة فأبطأ عليهم، فكان الحظ الأوفر في السلطنة للأتابكي خشقدم، وكان جرباش كرت يومئذ أحق بالسلطنة من خشقدم، وكان القائم في سلطنته الأمير جانى بك نائب جدة وقصد العجلة في ذلك قبل أن يدخل جانم نائب الشام إلى مصر وتقوى شوكته على جماعة الظاهرية فبادر إلى سلطنة خشقدم وقام في ذلك غاية القيام.
فلما انكسر الملك المؤيد واختفى بقاعة البحرة، اجتمع الأمراء قاطبة في بيت الأتابكي خشقدم وأركبوه غصبا وطلعوا به إلى باب السلسلة فجلس فى الحراقة التى به، وحضر الخليفة المستنجد بالله يوسف، والقضاة الأربع، وسائر الأمراء من أرباب الحل والعقد، فعند ذلك خلعوا الملك المؤيد من السلطنة وبايعوا الأتابكى خشقدم، ثم أحضر إليه شعار السلطنة
_________________
(١) انظر تفاصيل أخرى فى النجوم الزاهرة ص ٦٨٥ - ٦٨٩.
[ ٩٥ ]
وهي الجبة والعمامة السوداء والسيف البداوي، فلما بايعه الخليفة تلقب بالملك الظاهر أبي سعيد، وحلف له سائر الأمراء، ثم أفيض عليه شعار الملك وقدمت إليه فرس النوبة بالسرج الذهب والكنبوش فركب من سلم الحراقة، وحمل القبة والطير على رأسه المقر السيفي جرباش كرت وقد ترشح أمره للأتابكية، فسار السلطان قاصدا للقصر الكبير، وركب الخليفة عن يمينه، ومشت قدامه الأمراء، حتى طلع من باب سر القصر الكبير فدخل وجلس على سرير الملك، وباس له الأمراء الأرض من كبير وصغير، ودقت له البشائر بالقلعة، ونزل والى القاهرة ونادى باسمه في الشوارع، وارتفعت له الأصوات بالدعاء من الخاص والعام (^١)، وكان يظن كل أحد من الناس أنه في السلطنة عارية إلى أن يحضر جانم نائب الشام. - ثم في أثناء ذلك اليوم بعث جماعة من الأمراء إلى الملك المؤيد وهو في البحرة فقيدوه هو وأخاه محمد.
أقول: وكان أصل الملك الظاهر خشقدم رومي الجنس، جلبه الخواجا ناصر الدين محمد وبه يعرف بالناصري، فاشتراه منه الملك المؤيد شيخ فأقام في الطبقة مدة ثم أعتقه وأخرج له خيلا وقماشا، وصار جمدارا، ثم بقى خاصكيا في دولة الملك المظفر أحمد بن المؤيد شيخ ودام على ذلك دهرا طويلا، فلما تسلطن الظاهر جقمق أنعم عليه بأمرة عشرة في أثناء سنة ست وأربعين وثمانمائة، وصار من جملة رؤوس النوب، واستمر على ذلك إلى سنة خمسين وثمانمائة فأنعم عليه السلطان بتقدمه ألف بدمشق فتوجه إليها، ودام بها إلى أن تغير خاطر الملك الظاهر جقمق على الأمير تانى بك البردبكي حاجب الحجاب بسبب عبد قاسم الكاشف الذي كان
_________________
(١) يقول أبو المحاسن في النجوم الزاهرة ص ٦٨٦ «وخلع على الخليفة المستنجد بالله يوسف فوقانيا حريرًا بوجهين أبيض وأخضر بطرز زركش وقدم له فرسًا بسرج ذهب وكنبوش زركش، ثم خلع على الأمير جرباش المحمدى أطلسين متمرًا وفوقانيا بوجهين بطرز زركش وأنعم عليه بفرس بقماش ذهب أيضًا، وهذه الخلعة لحمله القبة والطير على رأس السلطان وخلعة الأتابكية تكون بعد ذلك غير أن جرباش المذكور علم أنه قد صار أتابكا لحمله القبة والطير على رأس السلطان».
[ ٩٦ ]
قد اشتهر بالصلاح فنفى تانى بك إلى ثغر دمياط، فلما نفاه سعى أبو الخير النحاس وكيل بيت المال وتكلم مع السلطان فى إحضار خشقدم من دمشق ليلى حجوبية الحجاب فأحضره السلطان من دمشق وقرره في حجوبية الحجاب عوضا عن تانى بك البردبكى وأنعم عليه بإقطاعه أيضًا وذلك في سنة أربع وخمسين وثمانمائة، فأقام على ذلك إلى أن توفى الملك الظاهر جقمق وتسلطن الأشرف أينال فقرره فى أمرة السلاح وسافر فى أيامه باش العسكر في التجريدة التي خرجت إلى ابن قرمان، فلما توفى الأشرف أينال وتسلطن ابنه المؤيد أحمد فقرره في الأتابكية عوضا عن نفسه فأقام فى الأتابكية نحوا من أربعة أشهر، فلما وثب العسكر على الملك المؤيد أحمد في رمضان وانكسر وخلع من السلطنة كما تقدم فاتفق رأى الأمراء على سلطنة الأتابكى خشقدم إلى أن يحضر جانم نائب الشام فيسلطنوه، فلما تسلطن خشقدم ثبت في السلطنة حتى مات على فراشه وهو سلطان كما سيأتى ذكر ذلك في موضعه.
وفى اليوم الثانى من سلطنته توفى (^١) الأمير يونس الأقباى المعروف بالبواب، أمير دوادار كبير؛ صهر السلطان (^٢)، وكان مريضًا فمات في ذلك اليوم، وكان أميرًا رئيسًا حشمًا عاقلا سيوسًا جوادًا كريمًا سخيًا، ذا هيئة وشهامة زائدة، وله بر ومعروف قليل الأذى، وأصله من مماليك أقباى المؤيدى نائب الشام، وولى عدة وظائف سنية منها شادية الشراب خاناه، ثم بقى مقدم ألف، ثم بقى دوادارا كبيرًا وتزوج ببنت الأشرف أينال وكان لا بأس به في الأمراء.
ثم إن السلطان رسم بإخراج الملك المؤيد أحمد إلى ثغر الإسكندرية (^٣)، فنزل من القلعة وقت الظهر وهو مقيد، هو وأخوه الناصري محمد وقراجا الطويل، فنزلوا من باب السلسلة وشقوا من الصليبة، وهم على أكاديش
_________________
(١) في ٢٢ رمضان النجوم الزاهرة ص ٧٦٦ - ٧٦٧، وحوادث الدهور ص ٥٦٣ - ٥٦٤، والضوء اللامع ج ١٠ ص ٣٤٥ رقم ١٣٢٠.
(٢) صهر السلطان الأشرف أينال.
(٣) في يوم الثلاثاء ٢١ رمضان - النجوم الزاهرة ص ٦٨٠ - ٦٨٣ و٦٨٧.
[ ٩٧ ]
والملك المؤيد على فرس، وهم في قيود وخلفهم الأوجا قية (^١) بالخناجر يردفونهم، فكثر عليهم الأسف والحزن والبكاء وشق ذلك على الناس وكان يومًا مهولا، ثم ساروا على تلك الهيئة حتى وصلوا بهم إلى ساحل بولاق فنزلوا بهم في الحراقة وساروا بهم إلى السجن بثغر الإسكندرية، وكان المتسفر عليهم خاير بك الأشقر المصارع فسجنهم بثغر الإسكندرية ورجع إلى مصر، واستمر الملك المؤيد أحمد فى السجن بالإسكندرية إلى أن كان من أمره ما سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى، وبه زالت دولة الملك الأشرف أينال كأنها لم تكن فسبحان من لا يزول ملكه ولا يفنى.
فلما تم أمر الظاهر خشقدم في السلطنة عمل بالقصر عدة مواكب (^٢) وأخلع فيها على جماعة من الأمراء وهم المقر السيفى جرباش كرت فقرره في الأتابكية عوضًا عن نفسه، وأخلع على قرقماش الجلب وقرره في أمرة السلاح عوضًا عن جرباش كرت، وأخلع على قائم التاجر وقرره في أمرة مجلس، وأخلع على جانى بك نائب جدة وقرره في الدوادارية الكبرى عوضًا عن يونس البواب صهر السلطان، وأنعم على جانى بك الظريف بتقدمة ألف وقرره في الدوادارية الثانية (^٣) عوضًا عن برد بك صهر السلطان (^٤)، وقد قبض على برد بك وصودر وقرر عليه مال، وكان جانى بك الظريف رأس الفتنة في وخلع الملك المؤيد والوثوب عليه، وأخلع على يلباى المؤيدى وقرر في حجوبية الحجاب. - وأنعم بتقادم ألوف على جماعة من الأشرفية والظاهرية منهم أزبك من ططخ صهر الظاهر جقمق وقرر من المقدمين الألوف وهذا
_________________
(١) الأوجاقى هو أحد الخاصكية، ووظيفته حراسة الأسير بأن يركب خلفه وفي يده خنجر مسلول، انظر. Mostafa، Beitraege، p ٢١٤ وقد قال أبو المحاسن في النجوم الزاهرة ص ٦٨١ أنه لم يركب أوجاقى خلف الملك المؤيد إجلالا لمقامه، وإنما ركب الأوجاقى خلف الأمير قراجا الطويل.
(٢) في أيام ٢٢ و٢٣ و٢٥ و٢٧ رمضان - انظر النجوم الزاهرة ص ٦٨٧ و٦٨٩ و٦٩٠ و٦٩٢.
(٣) «وولى الدوادارية الثانية على تقدمة ألف ولم يقع ذلك لغيره» - النجوم الزاهرة ص ٦٨٩/ ٦٩٠.
(٤) صهر السلطان الأشرف أينال.
[ ٩٨ ]
أول تقدمة أزبك من ططخ، وقرر برد بك البجمقدار من المقدمين أيضًا، وقرر جانى بك المشد الأشرفى أيضًا من المقدمين الألوف، وأنعم على جانى بك قلق سيز بتقدمة ألف وهى تقدمة يشبك البجاسى، وقرر يشبك البجاسي حاجب الحجاب بحلب، ثم بعد ذلك أخلع على بيبرس خال العزيز وقرر رأس نوبة النوب وكان حاجب الحجاب، فقرر في الحجوبية يلباى الأينالى المؤيدى عوضًا عنه، ثم أخلع على قايتباى المحمودي وقرر شاد الشراب خاناه أمير أربعين عوضًا عن جانى بك المشد بحكم انتقاله إلى التقدمة، وصار ينعم بأمريات عشرة على جماعة من الخاصكية (^١) من طائفة الأشرفية والظاهرية وأرضاهم إلى الغاية (^٢)، ثم نادى للجند بالنفقة أول الشهر.
فلما كان سابع عشرين رمضان جاءت الأخبار بأن جانم المكحل نائب الشام (^٣) قد وصل إلى بلبيس بمن معه من العساكر، فلما تحقق السلطان ذلك اضطربت أحواله وكذلك جماعة الظاهرية، وكانت الأشرفية أرسلت كاتبت جانم بالحضور إلى مصر ليلى السلطنة عوضًا عن الملك المؤيد أحمد فسبقه خشقدم وتسلطن، ولم يقسم الجانم شيء من السلطنة. - ثم إن السلطان طلب جاني بك نائب جدة بعد صلاة الجمعة وضرب هو وإياه مشورة في أمر جانم نائب الشام، وصار جانى بك نائب جدة مقيما عند السلطان بالقلعة ليلا ونهارا يشتورون فى أمر جانم فيما يكون، ثم إن السلطان عين الصاحب علاء الدين بن الأهناسى بأن يخرج إلى ملاقاة جانم ويمد له أسمطة بالخانكاه، ثم إن جانى بك نائب جدة أشار على السلطان بأن يرضى جانم بكل ما يمكن ولا يدعه يدخل إلى القاهرة، فبعث إليه عشرة آلاف دينار وأنعم عليه بجميع برك الأمير يونس الدوادار من صامت وناطق وبعث
_________________
(١) «باستحقاق وغير استحقاق كما هى عوائد أوائل الدول» النجوم الزاهرة ص ٦٩١.
(٢) يقول أبو المحاسن فى النجوم الزاهرة ص ٦٩١ «وأما ما جدده الملك الظاهر خشقدم من الوظائف مثل الدوادارية والسقاة والسلحدارية فكثير جدا»، وفى حوادث الدهور ص ٣٩٩ «حتى تجاوزت عدة الدوادارية على العشرين بعد عشرة وكذا السقاة بعد ستة والبجمقدارية بعد أربعة وكذا البوابين كانوا أربعة فيما أظن كل هؤلاء خاصكية ليس فيهم أمير كما هى العادة القديمة».
(٣) انظر النجوم الزاهرة ص ٦٩٠ - ٦٩٢، وحوادث الدهور ص ٣٩٩ - ٤٠٤.
[ ٩٩ ]
ويعتذر إليه بأن يعود إلى دمشق ويستمر في نيابة الشام على عادته وأن يولى بالبلاد الشامية من يشاء ويعزل من يشاء من غير مشورة السلطان، وكل ذلك ضحك عليله حتى يعود إلى الشام، ثم إن السلطان عين دولات باى النجمي بأن يكون متسفرا لجانم بإعادته إلى دمشق، وكان تمراز الأشرفي حضر صحبة جانم نائب الشام فأرسل إليه السلطان خلعة بأن يكون نائب صفد عوضًا عن ٦ خاير بك القصر وى وبعث إلى تمراز بمبلغ له صورة وأرضاه بكل ما يمكن وفيه جاءت الأخبار بوفاة خشكلدى الكجكى نائب حمص (^١) وكان دينا خيرا لا بأس به وجاءت الأخبار بوفاة سودون الأبو بكرى المؤيدى نائب حماه (^٢) وكان لا بأس به.
وفى شوال صلى السلطان صلاة عيد الفطر، فلما فرغ من الصلاة رسم للأمراء بأن يقيموا بالقلعة ولا ينزلوا إلى دورهم، وكذلك القضاة الأربع، وأرسل خلف الخليفة، وأقاموا الجميع بالقلعة وذلك خوفًا من جانم نائب الشام إلى أن يرحل من الخانكاه، ومنع العسكر من التوجه إليه. ثم بعد يومين من شوال (^٣) رحل جانم من الخانكاه على رغم أنفه وقد رأى جماعة الظاهرية والمؤيدية مائلين إلى الظاهر خشقدم، وكان هذا كله بتدبير جاني بك نائب جدة وقد عظم أمره في تلك الأيام جدًا وصار مدبر المملكة والظاهر خشقدم في قبضة يده. ثم إن السلطان أخذ في أسباب تفرقة الإقطاعات على المماليك السلطانية فاشتغلوا بذلك إلى أن رحل جانم من بلبيس، وكل ذلك توطية (^٤) للأشرفية كما سياتى الكلام على ذلك في موضعه. ورحل جانم ولم يجتمع به أحد من أعيان خشداشينه ترضيًا للظاهر خشقدم، وقد عمل على رضاهم وفرق عليهم إقطاعات ثقيلة التي كانت بالذخيرة حتى
_________________
(١) كان نائب حمص ثم توفى فى أواخر رمضان وهو أمير في طرابلس - النجوم الزاهرة ص ٧٦٧، والضوء اللامع ج ٣ ص ١٧٧ رقم ٦٨٨.
(٢) كان نائب حماه وتوفى فى أواخر رمضان وهو فى وظيفة أتابك حلب - النجوم الزاهرة ص ٧٦٧، والضوء اللامع ج ٣ ص ٢٧٦ رقم ١٠٠٥، Wet، Manhal Safi، p. ١٦٤، No. ١١٤٦.
(٣) في يوم الجمعة ثانيه - النجوم الزاهرة ص ٦٩٢.
(٤) بمعنى الخفض والحط من مقامهم.
[ ١٠٠ ]
أخرج البلاد من الديوان المفرد وفرقها أمريات عشرات على الخاصكية، وصار لا يرد من سأل في شيء من الإقطاعات الثقال (^١). ثم إن السلطان ابتدأ بتفرقة نفقة البيعة على الجند وصار يفرق فى كل جمعة طبقة (^٢)، وسلسل الأمر في التفرقة حتى يطول الشرح فى ذلك وهو يعتذر عن تحصيل المال، وقد صادر خوند أم الملك المؤيد وبرد بك صهر السلطان وجماعة من حاشية الأشرف أينال. ولما رحل جانم من بلبيس أذن السلطان للأمراء الذين كانوا بالقلعة أن ينزلوا إلى دورهم، وكذلك القضاة الأربع، واستمر الخليفة من يومئذ مقيمًا بالقلعة لم ينزل إلى المدينة، وصارت هذه عادة من بعده على الخلفاء (^٣)، ثم إن السلطان رتب للخليفة في كل يوم من السماط خمسة أطيار دجاج ورأس غنم ومن السكر رطلين ومن البطيخ حبة، واستمر ذلك في مدة الظاهر خشقدم كلها إلى أن مات. وفيه قرر خاير بك القصر وى وفيه رسم في نيابة غزة (^٤) عوضًا عن برد بك بحكم صرفه عنها. السلطان بالإفراج (^٥) عن الملك العزيز يوسف بن الأشرف برسباي، وكذلك الملك المنصور عثمان بن الظاهر جقمق، ورسم بالإفراج عن قانى باى الجركسى، ورسم للملك العزيز والملك المنصور أن يسكنا في أي دار شاءا من الإسكندرية، وأن يركبا إلى صلاة الجمعة والعيدين، وبعث إليهما بالخلع والمراكيب، ورسم لقانى بأى الجركسى بأن يتوجه إلى ثغر دمياط ويقيم به من غير سجن ويركب إلى الجامع وإلى حيث يشاء، ثم إن المؤيد أحمد سعى بمال حتى فك القيد من رجله واستمر في السجن بالإسكندرية إلى أن يأتى الكلام على ذلك. وفيه قرر السلطان على الأمير برد بك الدوادار الثانى صهر الأشرف أينال مائة ألف دنيار يردها إلى الخزائن الشريفة فأظهر
_________________
(١) قارن فى ذلك حوادث الدهور ص ٤٠٤ - ٤٠٥.
(٢) في النجوم الزاهرة ص ٦٩٢ «فى كل يوم طبقة لقلة متحصل الخزانة الشريفة لكل واحد مائة دينار ولمن يستحقون به خمسين دينارًا …».
(٣) راجع أيضًا النجوم الزاهرة ص ٦٩٤.
(٤) انظر المرجع السابق ص ٦٩٤.
(٥) راجع النجوم الزاهرة ص ٦٩٤.
[ ١٠١ ]
العجز فى ذلك وأنه فقير بالنسبة إلى بقية الأمراء، ثم في أثناء ذلك ظهر له وديعة عند شخص يقال له الشيخ عيسى المغربى ثلاثين ألف دينار (^١)، فلما ظهر ذلك حنق السلطان من برد بك وطلبه وسجنه بالقلعة حتى يرد ما قرر عليه وهو المائة ألف دينار وفيه أعيد زين الدين إلى الاستادارية (^٢) وصرف عنها مجد الدين بن البقرى. - وفيه (^٣) قدم الأمير تمر بغا الظاهري من مكة وكان منفيا بها، فلما قدم أكرمه السلطان وأخلع عليه وفيه قرئ تقليد السلطان بالقصر على العادة، وحضر الخليفة والقضاة الأربعة والأمراء على جارى العادة (^٤). وفيه أخلع السلطان على القاضي شرف الدين موسى الأنصارى وقرر في نظر الخاص عوضًا عن عبد الرحمن بن الكويز بحكم اختفائ (^٥) -وفيه (^٦) أعيد إلى قضاء الشافعية القاضي شرف الدين يحيى المناوى، وصرف عنها علم الدين صالح البلقيني. -وفيه شفع جانى بك نائب جدة في برد بك (^٧) صهر السلطان وأورد الثلاثين ألف دينار التي كانت له عند الشيخ عيسى المغربى وحلف أنه لا يملك غيرها فأفرج عنه من الترسيم ونزل إلى داره. -وفيه (^٨) أوردت خوند زينب أم الملك
_________________
(١) في حوادث الدهور ص ٤٠٥ أنه وجد له عند الشيخ عيسى «زيادة على ثلاثة عشر ألف دينار».
(٢) انظر حوادث الدهور ص ٤٠٦.
(٣) في يوم الأحد ١١ منه - النجوم الزاهرة ص ٦٩٥ حيث يقول «ونزل إلى داره التي بناها وجددها المعروفة قديمًا بدار منجك».
(٤) انظر حوادث الدهور ص ٤٠٦.
(٥) يقول في النجوم الزاهرة ٦٩٥ - ٦٩٦ أن ناظر الخاص ابن الكويز تسحب في يوم الأربعاء ١٤ من شوال «بعد أن قام بالكلف السلطانية أتم قيام، أعنى بذلك عن الخلع التي خلعها السلطان فى أول سلطنته وكانت خارجة عن الحد كثرة ثم عقيب ذلك خلع عيد الفطر … إلى أن طلب منه السلطان من ثمن البهار مائة ألف دينار لأجل النفقة السلطانية فعجز حينئذ وهرب …»، ويقول في حوادث الدهور ص ٤٠٦ أن هذه المائة ألف دينار «يزنها هو الآن ثم يرمى البهار على التجار وغيرهم ويأخذ ذلك بتمامه ومهما فضل من ثمن البهار يكون للسلطان …».
(٦) في يوم الخميس ٢٢ منه - حوادث الدهور ص ٤٠٧.
(٧) راجع المرجع السابق ص ٤٠٧
(٨) في ٢٢ منه - المرجع السابق ص ٤٠٧.
[ ١٠٢ ]
المؤيد أحمد مما قرر عليها من المال خمسين ألف دينار وكانت في التوكيل بها -. وفيه (^١) جاءت الأخبار بوصول جانم نائب الشام إليها ونزل بدار السعادة وقد بدا منه إظهار العصيان.
وفي ذي القعدة (^٢) خرجت تجريدة إلى البحيرة وكان باش العسكر برسباي البجاسي أمير آخور كبير وبيبرس خال العزيز رأس نوبة النوب وجماعة من المماليك السلطانية. -وفيه (^٣) أخلع السلطان على الشرفي يحيى بن حجى وقرر في نظر الجيش، وصرف عنها الزيني بن مزهر، وكان الشرفى يحيى بن حجى من خيار الناس في العلم والدين والخير والكرم، وفيه يقول الشهاب المنصورى:
تود ركاب آمالى رحيلا … إلى بحر من الكرماء لجي
فقلت لها عليك ببيت يحيى … فزوريه وبيت أبيه حجي
وفيه يقول أيضًا:
أبرمت يا دنيا أمورًا بعضها … بخل الورى والبخل شر مسلك
فعظمى يحيى الفتى فإنما … يحيى جواد حيث حل برمكي
وفيه (^٤) انتهت تفرقة نفقة البيعة (^٥) وقد بلغ قدرها ما يزيد على ستمائة ألف دينار. -وفيه (^٦) كان وفاء النيل المبارك، فلما أوفى نزل الأتابكي جرباش كرت وفتح السد على العادة وكان يومًا مشهودًا. -وفيه (^٧) قرر في
_________________
(١) في يوم الأحد ٢٥ منه - المرجع السابق ص ٤٠٧.
(٢) في يوم الأحد ثانيه - المرجع السابق ص ٤٠٨.
(٣) في يوم الإثنين ثالثه - النجوم الزاهرة ص ٦٩٦.
(٤) في يوم السبت ثامنه - حوادث الدهور ص ٤٠٨ - ٤٠٩.
(٥) انظر النجوم الزاهرة ص ٦٩٤، وحوادث الدهور ص ٤٠٥ حيث يقول عن نفقة البيعة للأمراء أن السلطان حمل «للأتابك جرباش أربعة آلاف دينار منها ألف برسم حمله القبة والطير على رأس السلطان يوم سلطنته وباقيها برسم النفقة، وحمل إلى قرقماس أمير سلاح ثلاثة آلاف وإلى قائم التاجر مثله، ثم إلى كل أمير مائة ومقدم ألف ألفين وإلى كل أمير طبلخاناة أعنى عن أمراء الأربعين خمسمائة وإلى كل أمير عشرة مائتين».
(٦) في يوم الأربعاء خامسه الموافق لتاسع عشر مسرى - حوادث الدهور ص ٤٠٨.
(٧) في يوم الخميس ٢٧ منه - النجوم الزاهرة ص ٦٩٦.
[ ١٠٣ ]
الزمامية والخازندارية الطواشى جوهر التركماني عوضًا عن لؤلؤ الأشرفي بحكم صرفه عنها -. وفيه توفى الشيخ جمال الدين بن جماعة (^١) خطيب بيت المقدس، وكان من أهل العلم والفضل من أعيان الشافعية بالقدس -. وتوفى (^٢) تاج الدين عبد الوهاب بن نصر الله الخطير القبطى الأسلمى، وكان من أعيان الكتبة عارفًا بصنعة المباشرة ولى مباشرة الذخيرة غير ما مرة، وكان محمود السيرة -. وفيه توفى الشيخ ولى الدين أحمد بن محمد بن محمد بن عمر بن سلمان البلقيني (^٣) الكناني الشافعي، وكان عالمًا فاضلا واعظًا خطيبًا ولى عدة تداريس وناب في الحكم وولى القضاء بدمشق ومولده سنة أربع عشرة وثمانمائة.
وفى ذى الحجة قبض السلطان على ناظر الخاص عبد الرحمن بن الكويز وسلمه إلى قائم التاجر (^٤) ليستخلص منه مال، وقد قرر عليه نحوا من ثلاثين ألف دينار … وفيه جاءت الأخبار بأن إياس الطويل نائب طرابلس قد توجه نجدة إلى صاحب قبرس وأن الفرنج قد تحركت عليه فاهتم السلطان بخروج تجريدة من مصر إلى قبرس (^٥). وفيه (^٦) توفى الشيح الصالح المعتقد المجذوب سيدى أحمد خروف رحمة الله عليه، وهو أحمد بن خضر بن سليمان السطوحى، وكان من بيت صلاح أصله، وظهر له كرامات خارقة -.
_________________
(١) عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن جماعة - الضوء اللامع ج ٥ ص ٥١ - ٥٢ رقم ١٩٢.
(٢) في خامس ذي القعدة - النجوم الزاهرة ص ٧٦٧، وحوادث الدهور ص ٥٦٤، والضوء اللامع ج ٥ ص ١١٤ - ١١٥ رقم ٤٠٨.
(٣) انظر النجوم الزاهرة ص ٧٦٧ - ٧٦٨، وحوادث الدهور ص ٥٦٤ - ٥٦٥، ونظم العقيان ص ٩٠ رقم ٤٤.
(٤) انظر حوادث الدهور ص ٤٠٩.
(٥) يقول في حوادث الدهور ص ٤٠٩ «وفيه هذه الأيام وصل سنقر قرق شبق الأشرفي الزردكاش من ثغر دمياط بعد أن أصلح ما كان بها من مراكب الغزاة، لكنه لم يقدم حتى فتر عزم السلطان عن الإرسال بالعساكر المعينة قبل تاريخه إلى قبرس لكونه بلغه أن إياسا المحمدى نائب طرابلس توجه منها إلى الجزيرة المذكورة بمماليكه وبغيرهم من عشير البلاد الشامية»، وانظر أيضًا النجوم الزاهرة ص ٦٩٦.
(٦) في سابعه - النجوم الزاهرة ص ٧٦٨، وحوادث الدهور ص ٥٦٥، والضوء اللامع ج ١ ص ٢٩٢، ونظم العقيان ص ٤١ رقم ٢٧.
[ ١٠٤ ]
وفيه فى يوم عيد النحر صلى السلطان صلاة العيد، وخرج من الجامع وتوجه إلى الإيوان ونحر الضحايا هناك على العادة القديمة (^١)، وكان الأشرف أينال أبطل ذلك وصار ينحر الضحايا بالحوش خوفا من شر المماليك كما تقدم. -وفيه توفيت الست خديجة بنت الأتابكى جرباش كرت (^٢) من خوند شقرا ابنة الناصر فرج، وقد ماتت نفساء، وكان موتها يوم عرس أختها على خاير بك المصارع فانقلب ذلك الفرح بالعزاء فتوجه الأتابكي … جرباش إلى التربة بسبب مأتم ابنته. - فبينما هم على ذلك وإذا بالمماليك الأشرفية والأينالية قد وثبوا على السلطان (^٣)، فلما ركبوا توجهوا إلى تربة الظاهر برقوق بسبب الأتابكي جرباش وكان مقيما هناك لأجل مأتم ابنته التي ماتت، فلما أحس بهم اختفى فى فسقية الموتى فقبضوا المماليك على ولده سيدى محمد وهددوه بالقتل فدلهم عليه، فأتوا إليه وأخرجوه من الفسقية وأركبوه غصبًا على كره منه من تربة الظاهر برقوق وتوجهوا به إلى باب النصر ورفعوا على رأسه صنجق ولقبوه بالملك الناصر، وكثر الدعاء له بالنصر من العوام وغيرهم، واستمر على ذلك وشق من القاهرة ودخل من باب زويلة حتى أتى إلى دار قوصون التي عند حدرة البقر، فعند ذلك اشتدت الفتنة وكثر الاضطراب فجلس بالمقعد الذي بدار قوصون وصاروا الأشرفية والأينالية يقاتلون قتالا هينًا وقد بنوا على غير أساس وصاروا لا رأى ولا تدبير، فلما رأى الأتابكي جرباش هذه الأحوال الفاسدة أخذ فى الهروب، ثم إن الظاهرية والمؤيدية طلعوا إلى القلعة أفواجًا وقويت شوكة الظاهر خشقدم ونزل إلى باب السلسلة وجلس في المقعد المطل على سوق الخيل وقد ظهرت الكسرة على الأشرفية، ثم إن السلطان بعث خلف الأتابكى جرباش مع بعض الخاصكية فطلع إلى القلعة وقت الظهر، فلما قابل السلطان باس له الأرض وشرع يعتذر إليه
_________________
(١) انظر حوادث الدهور ص ٤٠٩.
(٢) راجع النجوم الزاهرة ص ٦٩٧، والضوء اللامع ج ١٢ ص ٢٧ رقم ١٥٠.
(٣) انظر تفاصيل أخرى فى النجوم الزاهرة ص ٦٩٦ - ٦٩٩، وحوادث الدهور ص ٤١٠ - ٤١١؛ مع ملاحظة أن النصوص بهما غير مرتبة.
[ ١٠٥ ]
مما جرى له مع المماليك فقال له السلطان لا بأس عليك، وقيل لما طلع الأتابكي جرباش إلى القلعة عبث عليه الأمير جانى بك نائب جدة فقال له: خُشُّ كلدن ملك ناصر، فلم يرد عليه الجواب، فلما طلع الأتابكي جرباش إلى القلعة نزلوا المماليك الظاهرية واتفقوا مع المماليك الأشرفية في الرملة وزحفوا عليهم إلى الصليبة، فلم تكن إلا ساعة يسيرة وقد ولوا المماليك الأشرفية منهزمين وتشتتوا أجمعين، فعند ذلك توجهوا جماعة من المماليك الظاهرية إلى بيت سنقر قرق شبق الزرد كاش فهبوا كلما فيه وأحرقوه، ثم خمدت هذه الفتنة وتوجه كل منهم إلى داره، ونزل الأتابكي جرباش إلى داره، وقلع المماليك لامة الحرب، وتغافل السلطان عن هذه الواقعة حتى كان من أمر الأشرفية ما سنذكره فى موضعه، ثم قبض على جماعة من أعيانهم وسجنهم بثغر الإسكندرية. - ثم بعد أيام (^١) عمل السلطان الموكب بالقصر وبات به، فلما طلعت الأمراء إلى القلعة للخدمة وباتوا بها، فلما صلى السلطان العشاء وتحول، دخل جماعة من المماليك الظاهرية على الأمراء وهم بالقصر فقبضوا على جماعة من الأمراء الأشرفية وهم جانى بك الظريف وجانى بك المشد وبيبرس خال العزيز وغير ذلك من الأمراء الأشرفية نحوا من اثنى عشرة أميرًا من مقدمين ألوف وعشرات، وكانوا المماليك الظاهرية لما دخلوا على الأمراء بالقصر لبسوا خوذا وزرديات وبأيديهم قسى ونشاب وسيوف مسلولة، قيل لما أرادوا أن يقبضوا على جاني بك الظريف هاش عليهم بالسيف فتكاثروا عليه ومسكوه ولم يفد من شجاعته شيئًا، فلما قبضوا على الأمراء قيدوهم تحت الليل، فلما طلع النهار نزلوا بهم من القلعة وهم في قيود فتوجهوا بهم إلى ساحل بولاق وانحدروا بهم إلى ثغر الإسكندرية فسجنوا بها. فلما خمدت هذه الفتنة وسكن الاضطراب عمل السلطان الموكب (^٢) وأخلع على من يذكر من الأمراء وهم تمر بغا مملوك الظاهر جقمق وقرر رأس نوبة
_________________
(١) فى يوم الخميس ٢٦ منه - النجوم الزاهرة ص ٦٩٦ - ٦٩٧، وحوادث الدهور ص ٤١٠.
(٢) في يوم الإثنين سلخ ذى الحجة - النجوم الزاهرة ص ٦٩٩.
[ ١٠٦ ]
النوب عوضًا عن بيبرس خال العزيز، وقرر في الدوادارية الثانية جاني بك كوهيه الإسماعيلى المؤيدى عوضًا عن جانى بك الظريف، وأنعم على قنبك المحمودي المؤيدى بتقدمة ألف وكان قد حضر من دمشق. -وفيه جاءت الأخبار بوفاة المعتصم أحمد صاحب تلمسان، وكان محمود السيرة تولى على تلمسان مدة طويلة ثم ثار عليه محمد بن أبي ثابت وحاربه فملك منه تلمسان، ففر أحمد المعتصم إلى الأندلس ثم عاد إلى تلمسان وقد أنجده صاحب غرناطة فانتصر على محمد بن أبي ثابت، وآخر الأمر مات فجأة وقيل انه مات مسمومًا. -وفيه جاءت الأخبار بوقوع فتنة كبيرة بين محمد بن عثمان ملك الروم وبين حسن بك الطويل صاحب ديار بكر (^١). -وفيه توفى العلامة أبو الفضل محمد المغربي المالكى وكان من أعيان المالكية. -وتوفى خاير بك النوروز (^٢) نائب صفد وكان لا بأس به. وخرجت هذه السنة وقد وقع فيها أمور شتى من ولاية وعزل وتغيير سلاطين وأمراء ووقوع فتن بين الأتراك وغير ذلك.