وهو السابع والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وهو الثالث عشر من ملوك الجراكسة وأولادهم في العدد، بويع بالسلطنة في حياة والده، وتسلطن ووالده فى قيد الحياة وأقام بعد سلطنة ولده أياما حتى مات. وكانت صفة مبايعته بالسلطنة أن أباه لما أشرف على الموت طلع الأمير برد بك صهر السلطان واجتمع بخوند زوجة السلطان وذكر لها أن الأحوال فاسدة والأمور فى اضطراب ومن الرأى أن السلطان يعهد إلى ولده بالسلطنة، فدخلت خوند على السلطان وهو في النزع وذكرت له ذلك، فأمر بإحضار الخليفة والقضاة الأربع فحضر الخليفة الجمالى يوسف والقضاة الأربع وهم علم الدين صالح البلقيني الشافعي وسعد الدين الديرى الحنفى وحسام الدين بن حريز المالكي وعز الدين الحنبلى، وحضر أرباب الدولة من أصحاب الحل والعقد، فلما تكامل المجلس دخل بعض الشهود على السلطان وشهد عليه بخلع نفسه من السلطنة وتولية ولده فأجاب إلى ذلك (^١).
ثم أن الخليفة بايع الأتابكى أحمد بن السلطان عوضا عن أبيه الأشرف، وتلقب بالملك المؤيد، فلما تمت له البيعة أحضر إليه شعار الملك وهي العمامة السوداء والحبة والسيف البداوى فأفيض عليه الشعار وقدمت إليه فرس النوبة وركب من باب الدهيشة، وحمل الأمير خشقدم أمير سلاح على رأسه القبة والطير وقد ترشح أمره بأن يلى الأتابكية، فلما ركب الدهيشة مشت قدامه الأمراء قاطبة والخليفة عن يمينه حتى دخل القصر الكبير فنزل
_________________
(١) انظر تفاصيل أخرى فى النجوم الزاهرة ص ٦٤٣ - ٦٤٤.
[ ٨٦ ]
عن فرسه وجلس على سرير الملك وباس له الأمراء الأرض من كبير وصغير ودقت له البشائر بالقلعة، ثم نزل الوالى ونادى فى القاهرة بالدعاء إلى الملك المؤيد فارتفعت له الأصوات بالدعاء، وكان محببا للناس قليل الأذى، ثم أخلع على الخليفة والأمير خشقدم ونزلا إلى دورهما، وكان له من العمر لما ولى السلطنة نحوا من ثمانية وثلاثين سنة أو يزيد عن ذلك، وكانت أمه خوند زينب بنت خاص بك، وكان كامل الهيئة، حسن الشكل، أبيض اللون مستدير اللحية، أسود الشعر، طويل القامة، غليظ الجسد، وكان كفوًا للسلطنة وزيادة (^١)، وكان عليه مهابة ووقار، ولكن لم يساعده الزمان وجنى عليه وخان، فكان كما قيل:
إذا طُبع الزمان على اعوجاج … فلا تطمع لنفسك في اعتدال
فلما تم أمره في السلطنة عمل الموكب وجلس على سرير الملك، وفيه يقول القائل في المعنى:
بمهجتي أفدى مليكا غدا … مؤيدا بالنصر كالشمس
فلو تراه فوق كرسيه … لقلت هذا آية الكرسى
ثم أخذ في تدبير ملكه وأخلع على من يذكر من الأمراء (^٢) وهم المقر السيفى خشقدم أمير سلاح فقرره في الأتابكية عوضا عن نفسه وخرج له مكتوب (^٣) بإقطاعه الذى كان بيده، وأخلع على جرباش المحمدى المعروف بكرت وقرره في أمرة السلاح عوضا عن خشقدم، وأخلع على قرقماس الجلب وقرره في أمرة مجلس عوضا عن جرباش كرت، وأخلع على قانم التاجر وقرر رأس نوبة النوب عوضا عن قرقماس الجلب، وقرر في تقدمة جرباش كرت بيبرس خال الملك العزيز ثم شغرت عنده تقدمة فأراد ينعم بها على صهره الأمير برد بك الدوادار الثانى، فوقف إليه جاني بك الظريف
_________________
(١) قارن هذا بما جاء فى النجوم الزاهرة ص ٦٤٥ - ٦٤٦.
(٢) في يوم الخميس ١٥ جمادى الأولى - النجوم الزاهرة ص ٦٤٧ - ٦٤٨.
(٣) في الأصل: يكتب.
[ ٨٧ ]
وباس الأرض وطلب التقدمة التي شغرت، فأبى السلطان من ذلك، وحصل بين جاني بك الظريف وبين الأمير يونس الدوادار في ذلك اليوم تشاجر بسبب ذلك، ونزل جانى بك الظريف من القلعة على غير رضا، وكان ذلك سببا لسرعة زوال الملك المؤيد عن قريب. - ثم إن السلطان نادى في الحوش للعسكر بأن نفقة البيعة فى يوم الثلاثاء عشرين هذا الشهر لكل مملوك مائة دينار فسر الجند بذلك وارتفعت له الأصوات بالدعاء هذا كله جرى ووالده الأشرف فى قيد الحياة إلى أن مات في يوم الخميس بعد العصر وذلك في خامس عشر جمادى الأولى من تلك السنة، فلما مات شرعوا في تجهيزه وأخرجوه عند باب الستارة، وصلى عليه الخليفة يوسف وولده الملك المؤيد أحمد، ثم نزلت جنازته من سلم المدرج وتوجهوا به إلى تربته التي أنشأها في الصحراء كما تقدم. - ثم إن السلطان بعث نفقات الأمراء (^١) فحمل للأتابكى خشقدم أربعة آلاف دينار (^٢)، ولأرباب الوظائف من المقدمين الألوف لكل واحد ألفين وخمسمائة دينار، ولبقية المقدمين لكل واحد منهم ألفين دينار، وحمل للأمراء الطبلخانات لكل واحد منهم خمسمائة دينار، وحمل إلى الأمراء العشرات لكل واحد منهم مائتي دينار، ثم نفق على الجند على العادة القديمة من مائة دينار إلى ما دون ذلك إلى عشرة دنانير ثم أن السلطان أنعم على يشبك البجاسي الأشرفي بتقدمه ألف (^٣)، ويشبك هذا كان من مماليك الأشرف أينال، وكان في أيام استاذه مقدم ألف بحلب، ثم حضر إلى القاهرة فبقى مقدم ألف بمصر.
وفي جمادى الآخرة عين السلطان جماعة من خواصه من الأمراء والخاصكية بالتوجه إلى البلاد الشامية وغيرها ببشارة سلطنته إلى النواب وغيرهم (^٤).
_________________
(١) في ١٨ جمادى الأولى - النجوم الزاهرة ض ٦٤٨ - ٦٤٩.
(٢) «ألف دينار بسبب حمله القبة والطير على رأس السلطان يوم سلطنته والبقية نفقة السلطنة» النجوم الزاهرة ص ٦٤٨.
(٣) في ١٩ جمادى الأولى - المرجع السابق ص ٦٤٩.
(٤) انظر بعض التفاصيل الأخرى فى النجوم الزاهرة ص ٦٥٠.
[ ٨٨ ]
وفيه جاءت الأخبار من قُبْرُس بأن جانى بك الأبلق الذى كان مُقِيمًا بقُبْرُس مع جماعة من المماليك السلطانية أرسل يُخبر بأن أخت جاكم صاحب قبرس فَرَّت إلى رودس لتستنجد بصاحبها ليُمدّها بعسكر حتى تُحارب أخاها جاكم وتأخذ منه مدينة شِيرينة (^١)، وأرسل جانى بك الأبلق يستحث السلطان فى إرسال تجريدة تُنجده سريعًا، وكان يظن أن الأشرف أينال فى قيد الحياة. - وفيه (^٢) أخلع السلطان على مجد الدين بن البقرى وقرره فى الأستادارية عوضا عن منصور بن الصفى بحكم صرفه عنها، وهذه أول ولاية مجد الدين للوظائف السنية … وفيه توفى الطواشي مرجان العادلى (^٣) مُقدم المماليك، وكان حبشى الجنس وعنده شدة بأس وعسوفة زائدة، فلما مات قرر فى تقدمة المماليك جوهر النوروزى (^٤) على عادته وفيه توفى جميل بن أحمد بن عميرة (^٥) شيخ عرب الكفور بالغربية، وكان ظالما عسوفا وكان فى سعة من المال وهو بخيل جدا. - وفيه توفى الصاحب سعد الدين فرج بن ماجد النحال (^٦)، وكان أصله من الأقباط، وولى عدة وظائف سنية منها الوزارة والأستادارية غير ما مرة، وولى أيضًا كتابة المماليك وغير ذلك من الوظائف، وكان رئيسا حشما دينا خيرا مشكورا فى مباشراته، وكان عنده حدة مزاج فى ذاته، ومولده سنة إحدى وثمانمائة. - وفيه (^٧) كان قراءة تقليد السلطان بالقصر الكبير وحضر الخليفة والقضاة الأربع وأرباب
_________________
(١) انظر النجوم الزاهرة ص ٦٥٠ - ٦٥١ حيث يقول أن المماليك استولوا على شيرينة وقلعتها في عاشر شهر ربيع الأول «وأن الملكة (Charlotte) صاحبة شيرينة أخت جاكم صاحب قبرس قد توجهت إلى رودس تستنجد بهم وأنه (أى الأمير جاني بك الأبلق) قد أخذ بالحصار عدة أبراج من قلعة باف (Paphos)».
(٢) فى أول جمادى الآخرة - النجوم الزاهرة ص ٦٥٢ - ٦٥٣.
(٣) فى ثانيه - النجوم الزاهرة ص ٧٦٥، والضوء اللامع ج ١٠ ص ١٥٣ رقم ٦١٠.
(٤) فى سادسه - النجوم الزاهرة ص ٦٥٣.
(٥) فى جمادى الأولى - المرجع السابق ص ٧٦٥.
(٦) فى ١١ جمادى الآخرة النجوم الزاهرة ص ٧٦٥، والضوء اللامع ج ٦ ص ١٦٩ رقم ٥٧٠.
(٧) فى ١٣ جمادى الآخرة - النجوم الزاهرة ص ٦٥٣.
[ ٨٩ ]
الدولة، وجلس القاضى كاتب السر محب الدين بن الشحنة على كرسى وقرأ التقليد على العادة، ثم أن السلطان أخلع على الخليفة والقضاة الأربع وكاتب السر ونزلوا من القلعة في موكب حافل. - وفيه توفى كزل السودونى (^١) معلم الرمح أحد الأمراء العشرات، وكان ماهرًا في لعب الرمح دينا خيرا متفقها حسن الهيئة فصيحًا في عبارته. - وفيه ثارت عربان لبيذ ووصلوا إلى البحيرة وشنوا بها الغارات ونهبوا الغلال، فلما بلغ السلطان ذلك بادر وأرسل لهم تجريدة (^٢)، ولم يرسل من المماليك الجلبان أحد فعز ذلك على الماليك القرانصة وأضمروا له السوء.
وفي رجب ظهر بالقاهرة وضواحيها الأمن والأمان والعدل والرخاء وأحبوا الرعية السلطان حبا شديدا ومالت إليه النفوس قاطبة، فكان كما قيل:
دولته للأنام عيد … باق وأيامه مواسم
قد أظهر العدل في الرعايا … وأبطل الجور والمظالم
وصير الشاة في حماه … تمشى مع الذئب والضياغم
لو نطقت مصرنا لقالت … يا ملك العصر والأقالم
ملأت قلب الملوك رعبا … أغنى عن السمر والصوارم
وفيه هجم المنسر (^٣) على المتفرجين بجزيرة بولاق، وكان في الظلمة نصف الليل فهبوا من الناس شيئًا كثيرا، وكان الناس خرجوا عن الحد في الفتك والقصف بسبب الفرجة، ونصبوا هناك الخيام حتى سدوا رؤية البحر، وصاروا يقيمون في الرمل ليلا ونهارا من نساء ورجال وهم في غاية التزخرف، فهجم عليهم المنسر على حين غفلة ونهب ما قدر عليه ومضى ولم تنتطح في ذاك شاتان. - وفيه قدم تمراز الأشرفي الذي كان دوادارا ثانيا بمصر
_________________
(١) فى ٢٢ جمادى الآخرة - النجوم الزاهرة ص ٧٦٥ - ٧٦٦،. Wiet، Manha Sàfi، p ٢٨٤، no. ١٩٠٦
(٢) انظر النجوم الزاهرة ص ٦٥٤.
(٣) المنسر = اللصوص.
[ ٩٠ ]
ونفى في دولة الأشرف أينال، فلما مات أينال قدم إلى القاهرة من غير إذن، فلما حضر نزل عند الأتابكى خشقدم، فلما بلغ السلطان ذلك شق عليه وأمر بإخراجه حيث جاء فخرج من يومه، وأمر بسجنه فشفع فيه بعض الأمراء فأنعم عليه السلطان بتقدمة ألف بدمشق وألبسه كاملية بصمور وخرج من مصر سريعًا (^١)، فشق ذلك على جماعة الأشرفية وكثر القيل والقال بين الناس والحجوا بوقوع فتنة عن قريب. - وفيه وصل الطواشي شاهين غزالى الذى توجه إلى دمشق بسبب ضبط تركة زوجة قانى باى الحمزاوى نائب الشام (^٢)، فاشتملت تركتها على أشياء غريبة من تحف ومعادن نفيسة وأقمشة مثمنة وأوانى فضة وبلور ما لا يسمع بمثلها، فكان هذا الموجود أعظم من موجود الخوندات، فأمر السلطان ببيعه في كل يوم سبت وثلاثاء، فأقاموا نحوا من شهر وهم يبيعون في ذلك الموجود. - وفيه (^٣) نزل السلطان من القلعة وتوجه إلى نحو القرافة وعاد سريعًا، وهذا أول ركوبه في السلطنة، وكان آخر ركوبه ونزوله من القلعة - وفيه (^٤) أمطرت السماء بردا كبارا كل حصوة منها قدر بيضة الحمامة، وكان غالبها ببلاد الشرقية وتلف منها أكثر الزرع وربما هلك بها بعض بهائم، وكانت نادرة غريبة - وفيه قدم سنطباى قرا من غير إذن كما فعل تمراز، فلما بلغ السلطان ذلك رسم بنفيه (^٥) فاختفى خوفا على نفسه، وكان من مماليك الظاهر جقمق، فكثرت الإشاعة بوقوع فتنة عن قريب.
وفى شعبان قرر شاد بك الصارمى أتابك العسكر بحلب (^٦) - وفيه
_________________
(١) جاء إلى القاهرة فى ٤ رجب وغادرها في ١٠ منه - النجوم الزاهرة ص ٦٥٤ - ٦٥٥.
(٢) انظر النجوم الزاهرة ص ٦٥٦.
(٣) في ٢٠ رجب نزل «من قلعة الجبل إلى جهة العارض خلف القلعة» - النجوم الزاهرة ص ٦٥٦.
(٤) في ٢٠ رجب - النجوم الزاهرة ص ٦٥٦.
(٥) رسم بنفيه في ٢٥ رجب - المرجع السابق ص ٦٥٦ - ٦٥٧.
(٦) في ٧ شعبان «على مال بذله فى ذلك نحو العشرة آلاف دينار» النجوم الزاهرة ص ٦٥٧.
[ ٩١ ]
قدم الشرفى يحيى بن جانم نائب الشام (^١)، فطلع إلى القلعة، وكان معه كتاب من عند والده إلى السلطان فكان من مضمونه أنه بعث يهنئ السلطان بالسلطنة وأرسل يشفع فى قاني باى الجركسى وتنم من عبد الرزاق بأن يخرجا من السجن بثغر الإسكندرية إلى حيث يشاء السلطان من البلاد الشامية فلما سمع السلطان ذلك شق عليه وعلم أن جانم نائب الشام قصده التحريش به فأخذ حذره منه وقصد القبض على يحيى بن جانم فمنعه من ذلك بعض الأمراء، ثم أن السلطان صار يأخذ في إبعاد الأشرفية وتقريب المؤيدية ومماليك أبيه، وكان ذلك عين الغلط وسببا لزوال ملكه. وفيه قدم من دمشق الغرسى خليل بن شاهين الصفوى والد الشيخ عبد الباسط الحنفى، فطلع إلى القلعة وأخلع عليه السلطان كاملية ونزل إلى داره. وفيه (^٢) توفى الأمير فيروز الزمام وخازندار كبير، وكان أصله من خدام نوروز الحافظى، وكان رئيسا حشما وولى عدة وظائف سنية منها الزمامية والخازندارية الكبرى وغير ذلك من الوظائف، وكان سيء الأخلاق حاد المزاج، وكان في سعة من المال، ووجد له من المال والأصناف ما يزيد على مائة ألف دينار، حتى قيل ابتاع له حواصل فيها فحم بألف دينار، ومات وله من العمر ما يزيد على الثمانين سنة، وكان من أعيان الطواشية ولم يجئ بعده مثله من الخدام. - وفيه توفى ولى الدين قاضى عجلون (^٣) الدمشقي الشافعي، وكان من أعيان الشافعية دينا خيرا وناب فى القضاء بمصر وولى عدة وظائف سنية، وهو والد الشيخ تقي الدين شيخ دمشق كان.
وفى رمضان (^٤) قرر الشرفى يحيى بن البقرى في نظر الإسطبل عوضا
_________________
(١) جاء إلى القاهره فى ١٧ شعبان وغادرها فى ٢٥ منه - النجوم الزاهرة ص ٦٥٧ - ٦٦٠ حيث يذكر تفاصيل أخرى.
(٢) فى ٢٤ شعبان - النجوم الزاهرة ص ٧٦٦، وحوادث الدهور ص ٥٦٢ - ٥٦٣، Wiet، Manhal Safi، p. ٢٦٧، no. ١٨٠٢
(٣) ولي الدين عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن قاضي عجلون - الضوء اللامع ج ٥ ص ٢٤ - ٢٥ رقم ٨٤، ونظم العقيان ص ١٢١ رقم ٩٣.
(٤) في تاسعه النجوم الزاهرة ص ٦٦٠.
[ ٩٢ ]
عن محمود بن الديري وفيه (^١) خسف جرم القمر وأظلم الجو واسودت الدنيا جدا وكان من معظم الخسوفات وفيه أشيع بين الناس أن السلطان قد عوّل على مسك جماعة من الأمراء الأشرفية، ثم إنه أمر نقيب الجيش بأن يدور على الأمراء عن لسان السلطان ويأمرهم بالصعود إلى القلعة وما عرف السبب في ذلك، فأخذ الأمراء حذرهم من ذلك وباتوا على وجل فلما كان ليلة السبت سابع عشر شهر رمضان وثب جماعة من المماليك الأشرفية والظاهرية واستمالوا معهم جماعة من المماليك الأينالية فلبسوا لامة الحرب وطلعوا إلى الرملة (^٢)، فلما عظم الأمر نزل السلطان إلى باب السلسلة وجلس في المقعد المطل على الرملة فاشتد الحرب في ذلك اليوم وفطر فيه غالب العسكر وجرح جماعة من الجند، واستمروا على ذلك حتى حال بينهم الليل ولم يطلع إلى السلطان أحد من الإمراء، وتقلب عليه غالب مماليك أبيه وركبوا مع المماليك الأشرفية وقد لعبوا بهم وأفسدوا عقولهم وضحكوا عليهم فلما أصبح يوم الأحد ثامن عشر رمضان نزل السلطان إلى المقعد المطل على الرملة وثبت للقتال، فلما رأى مماليك أبيه قد وثبوا عليه تحقق أنه مكسور لا محالة، فكان كما قيل:
كنت من كربتى أفر إليهم … فهموا كربتى فأين المفر
ثم كانت الكسرة على المؤيد أحمد فطلع من باب السلسلة وتوجه إلى قاعة البحرة وأمرهم بأن يغلقوا عليه الباب، ثم طلب أخاه الناصرى محمد وأغلق عليهما باب البحرة فلما بلغ العسكر بأن الملك قد اختفى توجهوا إلى بيت الأتابكى خشقدم فأركبوه غصبا وهو يتمنع من ذلك غاية الامتناع
_________________
(١) في ليلة الثلاثاء ١٤ منه - النجوم الزاهرة ص ٦٦٠.
(٢) انظر تفاصيل أخرى عن هذه الحوادث التي أدت إلى خلع الملك المؤيد أحمد وتولى السلطان خشقدم ملك مصر فى النجوم الزاهرة ص ٦٦٠ - ٦٨٤، وحوادث الدهور ص ٣٩٥ - ٣٩٨، وانظر أيضًا: أخبار الأول ص ١٩٦، وتحفة الناظرين ص ٢٠٠، ونظم العقيان ص ٤٠ رقم ٢٣، وحسن المحاضرة ج ٢ ص ٨٠، وابن إياس (طبعة كالا ومصطفى) ج ٣ ص ٢٤٢،. Weil، Gesch.d.Abbas.Chalifats in Egypten، II، p. ٢٨٠ - ٢٨٩
[ ٩٣ ]
حتى طلع إلى باب السلسلة، وحضر الخليفة والقضاة الأربع، فخلع الملك المؤيد أحمد بن الأشرف أينال من السلطنة وبايعوا الأتابكي خشقدم بالسلطنة كما سيأتى ذكر ذلك فى موضعه عند ترجمته لما تولى السلطنة، فكانت مدة الملك المؤيد في السلطنة أربعة أشهر وثلاثة أيام، وكان سبب الوثوب على الملك المؤيد أن الأمراء الأشرفية لما رأوا أن السلطان قد قرب ٦ المؤيدية والظاهرية وأخذ فى إبعاد الأشرفية كاتبوا جانم نائب الشام بأن يحضر إلى مصر ليلى السلطنة وأرسلوا إليه صورة حلف وكتبوا فيه خطوط أيديهم وهم سائر الأمراء الأشرفية بأنهم ارتضوا بجانم نائب الشام بأن يكون هو سلطان عليهم وأرسلوا يستحثونه في الحضور فأبطأ عليهم، فما صبروا إلى أن يحضر فوثبوا على المؤيد في رمضان وحاربوه ثلاثة أيام وفطروا في رمضان، فلما انكسر المؤيد التف الأمراء والعسكر على الأتابكى خشقدم وولوه السلطنة عارية إلى أن يحضر جانم نائب الشام، فصار الهزل جدا، فكان كما قيل في المعنى:
وإن صبابتي كانت مزاحا … فصيرها الهوى حقا يقينا
وكان الملك المؤيد كفؤًا للسلطنة، ذا عقل ورأى، كامل الهيئة، وساس الناس في أيام سلطنته أحسن سياسة، وقمع مماليك أبيه عما كانوا يفعلونه من تلك الأفعال الشنيعة، وكان ناظرا لمصالح الرعية ولو أنه أقام في السلطنة لحصل للناس به غاية النفع والخير، ولكن خانه الزمان وأخذ من حيث كان يرجو الأمان، فكان كما قيل:
وإذا جفاك الدهر وهو أبو الورى … طرًا فلا تعتب على أولاده
انتهى ما أوردناه من أخبار دولة الملك المؤيد أحمد بن الأشرف أينال وذلك على سبيل الاختصار.
[ ٩٤ ]