أحمد بن صالح بن شافع أبو الفضل الجيلي (^١)؛ سمع الحديث من الأرموي وغيره، وتوفي في شعبان منها، ودفن على أبيه في دكة الإمام أحمد (﵀).
أحمد بن عمر بن محمد بن لبيدة أبو العباس الأزجي؛ سمع من ابن جيرون وغيره، وكان فيه خير، خرج إلى مكة، فتوفى فى الطريق، ودفن بزبالة (^٢).
هبة الله بن محمد بن أحمد بن أبي البركات بن البخارى؛ الفقيه الشافعى، تفقه ببغداد على أسعد الميهنى (^٣)، وسمع أباه، وولى القضاء بقونية (^٤) من بلد الروم، وابنه على ولى القضاء ببغداد، وكنيته أبو طالب، وناب في الوزارة، ومات ابنه على ببغداد في سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، وعقبه اليوم ببغداد قضاة يقال لهم بيت البخاري.
الملك طُغرل (^٥) بن قاورت صاحب كرمان (^٦)؛ توفي في هذه السنة، واختلف أولاده بهرام شاه، وأرسلان شاه -وهو الأكبر- فجرى بينهما قتال، انهزم منه بهرام شاه إلى خراسان (^٧)، فدخل على المؤيد (^٨) صاحب نيسابور (^٩)، واستنجده، فأنجده بعساكر سار
_________________
(١) انظر: الكامل، ج ١٠، ص ٢٧؛ ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب، ج ٤، ص ١٢.
(٢) زَبالة: منزل معروف بطريق مكة من الكوفة. وهي قرية عامرة لها أسواق. معجم البلدان، ج ٢، ص ٩١٢ - ٩١٣.
(٣) "المهني" في مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٧٥.
(٤) قونية: أعظم مدن الإسلام بالروم، وهي سكني ملوكهم. معجم البلدان، ج ٤، ص ٢٠٤ - ٢٠٥.
(٥) انظر: معجم الأنساب، ج ٢، ص ٣٣٥ حيث ذكر أنه محيي الدين طغرلشاه بن ملكشاه، من سلاجقة كرمان، تولى السلطنة سنة ٥٥٩ هـ/ ١١٦٤ م. وهو والد بهرام شاه وأرسلان شاه. وفي الكامل، ج ١، ص ٢٦ طغرل بن قاروت.
(٦) كرمان: هي ولاية مشهورة. وناحية كبيرة معمورة ذات بلاد وقرى ومدن واسعة بين فارس ومكران وسجستان وخراسان. معجم البلدان، ج ٤، ص ٣٦٣ - ٣٦٧.
(٧) خراسان: هي إقليم من أقاليم بلاد فارس. وتشتمل على أمهات من البلاد التي دون نهر جيحون. معجم البلدان، ج ٢، ص ٤٠٩.
(٨) المؤيد صاحب نيسابور: هو "أي أبه". كان مملوكًا للسلطان سنجر. ولما انهزم سنجر سنة ٥٤٨ هـ/ ١١٥٣ م، تقدم المؤيد وعلا شأنه فاستولى على نيسابور. واستقرت البلاد له ودانت له الرعية. وقتل المؤيد سنة ٥٦٨ هـ/ ١١٧٢ م. انظر: الكامل، ج ٩، ص ٨٩، ج ١٠، ص ٣٦.
(٩) نيسابور: هي أعظم مدن إقليم خراسان. انظر: الإصطخرى: المسالك والممالك، ص ١٤٥ - ١٤٧؛ معجم البلدان، ج ٤، ص ٨٥٧.
[ ١ / ٤٦ ]
بها إلى كرمان، فجرت بين الأخوين حرب، ظفر فيها بهرام شاه، وهرب أرسلان شاه، وقصد أصفهان (^١) مستجيرًا بأيلدكز (^٢)، فأنفذ معه عسكرًا، فاستنقذوا البلاد من بهرام شاه وسلموها إلى أرسلان شاه، فعاد بهرام شاه إلى نيسابور مستنجدًا بالمؤيد صاحبها، فأقام عنده. فاتفق أن أخاه أرسلان شاه مات، فسار إلى كرمان فملكها وأقام بها بغير منازع.
قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي بن آقسنقر؛ المعروف بالأعرج، صاحب الموصل، وهو أخو نور الدين محمود بن زنكي. وكان قطب الدين مودود تولى السلطنة بالموصل وتلك البلاد، عقيب موت أخيه سيف الدين غازي (^٣)، وكان حسن السيرة عادلًا في حكمه، محببًا إلى الرعية، محسنًا إليهم، حسن الشكل. وفي دولته عظم جمال الدين محمد الأصفهاني (^٤)، كما ذكرنا في ترجمته. وكان مدبر دولته، وصاحب رأيه الأمير زين الدين على كوجك (^٥)، والد مظفر الدين صاحب إربل (^٦). وكان نعم المدير، مع شجاعته وفروسيته. ولم يزل قطب الدين على سلطنته ونفاذ كلمته، إلى أن توفي في شوال من هذه السنة. وقيل في الثاني والعشرين من ذي الحجة من هذه السنة. وقيل توفي في ربيع الآخر من سنة ست وستين وخمسمائة.
وقال ابن خلكان (^٧): هذا ليس بصحيح، فإن أخاه [نور الدين] (^٨) كان بالموصل في شهر ربيع الآخر، وجاءت رسل الخليفة، وهو مخيم على وفاة أخيه قطب الدين. وكانت
_________________
(١) أصفهان: هي أصبهان، وهي مدينة بأرض فارس. معجم البلدان، ج ١، ص ٢٩٢.
(٢) هو: "أيلدكز" شمس الدين، توفي سنة ٥٧٠ هـ/ ١١٧٤ م. حكم بين سنوات ٥٣١ هـ - ٥٦٨ هـ/ ١١٣٧ - ١١٧٣ م ببلاد أذربيجان. وعن بني أيلدكز أتابكة أذربيجان. انظر: معجم الأنساب، ج ٢، ص ٣٤٩؛ الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٤٧٦؛ وفيات الأعيان، ج ٥، ص ٢٠٨.
(٣) هو سيف الدين غازي بن أتابك عماد الدين زنكي، توفي سنة ٥٤٤ هـ/ ١١٤٩ م. انظر: الباهر، ص ٨٤ - ٩٢.
(٤) "محمود" في نسخته المخطوطة أ، ب. والمثبت هو الصحيح. وهو جمال الدين محمد بن علي بن أبي منصور، الوزير، المعروف بالجواد، توفي سنة ٥٥٩ هـ/ ١١٦٤ م. انظر: وفيات الأعيان، ج ٥، ص ١٤٣؛ وقد ذكره ابن العماد الحنبلي في الشذرات في وفيات سنة ٥٥٨ هـ/ ١١٦٣ م.
(٥) زين الدين على كوجك بن بكتكين. نائب قطب الدين بالموصل. وكانت بيده إربل. توفي سنة ٥٦٣ هـ/ ١١٦٨ م. انظر: النوادر السلطانية، ص ٣٩؛ وفيات الأعيان، ج ٤، ص ١١٤؛ الكامل، ج ١٠، ص ٨.
(٦) إربل: قلعة حصينة ومدينة كبيرة من أعمال الموصل. وأكثر أهلها أكراد وقد استعربوا. انظر: معجم البلدان، ج ١، ص ١٨٩.
(٧) انظر: وفيات الأعيان، ج ٥، ص ٣٠٣ في ترجمة قطب الدين مودود.
(٨) ما بين الحاصرتين مثبت من وفيات الأعيان للتوضيح.
[ ١ / ٤٧ ]
وفاته بالموصل، ومدة عمره أكثر من أربعين سنة، وخلَّف عدة أولاد، أكثرهم ملوك، منهم: سيف الدين غازي تولى السلطنة بعده، وعز الدين مسعود، وعماد الدين زنكي صاحب سنجار.
وقال ابن كثير (^١): وتملك من بعد قطب الدين ولده سيف الدين غازي، ابن الست خاتون بنت تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق، أصحاب ماردين. وكان مدبر مملكته، والمتحكم فيهم، فخر الدين عبد المسيح (^٢)، وكان ظالمًا غاشمًا.
وفي تاريخ الدولتين (^٣): لما اشتد مرض قطب الدين، أوصى بالملك بعده لولده عماد الدين زنكي، وهو أكبر أولاده، وأعزهم [عليه] (^٤) وأحبهم إليه. وكان النائب عن قطب الدين حينئذ والقائم بأمر دولته فخر الدين عبد المسيح، وكان يكره عماد الدين زنكي؛ لأنه قد كان أكثر المقام عند عمه الملك العادل نور الدين وخدمه، وتزوج ابنته، وكان عزيزه وحبيبه. وكان نور الدين يبغض عبد المسيح لظلم كان فيه، ويذمه ويلوم أخاه قطب الدين على توليته الأمور. فخاف عبد المسيح أن يتصرف عماد الدين في أموره عن أمر عمه فيعزله ويبعده، فاتفق هو والخاتون ابنة حسام الدين تمرتاش، زوجة قطب الدين، فردُّوه عن هذا الرأي. فلما كان الغد أحضر الأمراء، واستحلفهم لولده سيف الدين غازي. وتوفي وقد جاوز عمره أربعين سنة.
وكان تام القامة، كبير الوجه، أسمر اللون، واسع الجبهة، جهوري الصوت. وكانت ولايته إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر ونصف شهر.
ولما توفي استقر سيف الدين في الملك، ورحل عماد الدين إلى عمه نور الدين شاكيًا ومستنصرًا. وكان عبد المسيح هو [متولي] (^٥) أمر سيف الدين وتحكم في مملكته، وليس لسيف الدين من الأمر إلا اسمه؛ لأنه في عنفوان شبابه وعزة حداثته.
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢١٠.
(٢) فخر الدين عبد المسيح: نائب قطب الدين مودود على الموصل. ثم مدير مملكته من بعده. كان نصرانيًا فأظهر الإسلام. كان سيئ السيرة خبيثًا في حق العلماء والمسلمين خاصة. أطلق عليه نور الدين: عبد الله، وأقطعه إقطاعًا حسنًا. انظر: البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٢٨٠.
(٣) انظر: الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٤٧٢. وانظر أيضًا الباهر، ص ١٤٦.
(٤) "فيه" في نسختى المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٤٧٢، حيث ينقل العينى عنه.
(٥) "يتولى" في نسختي المخطوطة أ، ب. والمثبت بين الحاصرتين من الروضتين، ج ١ ق ٢، ص ٤٧٣.
[ ١ / ٤٨ ]
وقال ابن الأثير (^١): وكان حسن الاتفاق مع أخيه الملك العادل نور الدين، كثير المساعدة له والإنجاد بنفسه وعسكره وأمواله؛ حضر معه المصاف بحارم وفتحها وفتح بانياس (^٢). وكان يخطب له في بلاده باختياره من غير خوف. وكان إحسانه إلى أصحابه متتابعًا، من غير طلب منهم ولا تعريض. وكان يبغض الظلم وأهله، ويعاقب من يفعله.
مجد الدين أبو بكر بن الداية؛ رضيع نور الدين محمود، مات في هذه السنة. وكانت حلب، وقلعة جعبر (^٣)، وحارم إقطاعه، فأقر نور الدين أخاه علىَّ بن [الداية] (^٤) على إقطاعه، وكان موته بحلب في شهر رمضان. وكان نور الدين حينئذ محاصرًا الكرك، وبلغه قصد الفرنج من الساحل، فرحل عنها، وقصد لقاءهم، فلم يقفوا له. ثم بلغه وفاة مجد الدين بن الداية، فاشتغل قلبه به؛ لأنه كان صاحب أمره. ودفن مجد الدين بحلب، وكان من أكابر أمراء نور الدين، وكان شجاعًا دينًا، بني بحلب خانكاه (^٥)، وهي باقية إلى هلم جرا. ولما مات مجد الدين، قدم نور الدين على العساكر سابق الدين عثمان بن الداية أخا مجد الدين، وأعطى أولاده بعلبك.
أمير حاجب (^٦) العمادي؛ مات في هذه السنة، وكان إقطاعه تدمر (^٧) وبعلبك.
_________________
(١) نقل العينى هذا النص بتصرف من الباهر، ص ١٤٩.
(٢) بانياس: اسم لبلدة صغيرة من أعمال دمشق، وهي على مرحلة ونصف من دمشق من جهة الغرب بميلة إلى الجنوب. انظر: تقويم البلدان، ص ٣٤٩؛ وصبح الأعشي، ج ٤، ص ١٠٤.
(٣) قلعة جعبر: على الفرات بين بالس والرقة، قرب صفين. انظر: معجم البلدان، ج ٢، ص ٨٤.
(٤) "على بن مجد الدين" في نسختى المخطوطة أ، ب وهو خطأ. وأولاد الداية خمسة هم: سابق الدين عثمان، شمس الدين على، بدر الدين حسن، بهاء الدين عمر، أبو بكر وهو أكبرهم واسمه محمد. انظر: الروضتين ج ١ ق ٢، ص ٣٨٧ - ٣٨٩ حيث أورد أبو شامة شعرًا في أولاد ابن الداية عن العماد الكاتب؛ وانظر أيضًا: النعيمي: الدارس، ج ٢، ص ٢٩٥.
(٥) خانكاه حلب: ذكر كرد على في خطط الشام أن مجد الدين أنشأ خانقاتين إحداهما بعرصة الفراتي، والثانية بمقام إبراهيم. انظر: خطط الشام، ج ٦، ص ١٤٥.
(٦) لم ترد: وظيفة أمير حاجب في المصادر المتخصصة كصبح الأعشي، ونهاية الأرب في فنون الأدب، وإنما وردت وظيفة حاجب الحجاب على وزن أمير جاندار وأمير سلاح. انظر: صبح الأعشي، ج ٤، ص ١٩، ج ٥، ص ٤٤٩.
(٧) تدمر: مدينة قديمة مشهورة في برية الشام. انظر: معجم البلدان، ج ١، ص ٨٢٨.
[ ١ / ٤٩ ]
وفي المرآة (^١): ودفن العمادي بقاسيون (^٢)، في تربة قريبة من تربة شركس (^٣)، شماليها، وهي أول تربة بنيت في الجبل، واسمه مكتوب على بابها.
قال السبط: (^٤) ووقفت على باب التربة، وعليها مكتوب: "هذه تربة العمادي محمد عامل قومسان" (^٥).
الحسين بن محمد أبو المظفر بن الشيبي؛ حبس مديدة، ثم قطعت يده ورجله، وحمل إلى المارستان، فتوفي في محرم هذه السنة. وكان أديبًا لطيفًا، له شعر حسن.
ومما قال من الشعر يتشوق أهله:
سَلامٌ على أَهْلِي وَصَحْبِي وَجُلَّاسِي … وَمَنْ فِي فُؤادِي ذِكْرُهُم رَاسِبٌ رَاسِي
أَحِبَة قَلْبِي قَلَّ صَبْرِى عَنْكُمُ … وَزَادَ بِكُم وَجْدِي وَحُزْنِي وَوَسْواسي
أُعَالِجُ فِيكُم كُلَّ هَمٍّ وَلا أَرَى … لِدَاءِ هُمُومِي غَيْرَ رُؤْيَتِكُم آسِي
خُذُوا الْوَاكِفَ الْمِدْرَارَ مِنْ فَيْضِ أَدْمُعِي … وَحَرَّ لَهِيبِ النَّارِ مِنْ كَرْبِ أَنْفَاسِي
لَقَدْ أَبْدَتْ الأَيَّامُ لِي كُلَّ شِدَّةٍ … تَشِيبُ لَهَا الأكْبَادُ فَضْلًا عَنِ الرَّاسِ
أَقُولُ لِقَلْبِي وَالْهُمُوم تَنُوشُهُ … وَقَدْ حَدَّثَتْهُ النَّفْسُ بِالصَّبْرِ والْيَاسِ
وَكَيْفَ اصْطَبَارِي عَنْكُمُ وَتَجَلُّدِي … علَى فَقْدِكُمُ، وَيْلِي عَلَى قَلْبِي الْقَاسِي
وَمِنْ لِي بِطَيْف منْكُم أَنْ يَزُورَنِي … عَلَى الليْلَة الليلاءِ فِي جُنْحِ دَيْمَاسِ (^٦)
طاوس أم المستنجد بالله؛ توفيت يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان من هذه السنة، وحملت إلى الترب بالرصافة (^٧).
_________________
(١) انظر: مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٧٥ - ١٧٦.
(٢) قاسيون: هو الجبل المشرف على مدينة دمشق. انظر: معجم البلدان. ج ٤، ص ١٣.
(٣) تربة شركس: هي تربة جهاركس بن عبد الله الأنصاري الأمير فخر الدين من أكابر الأمراء الصلاحية. وهي بقاسيون، انظر: الدارس، ج ١، ص ٤٩٧.
(٤) مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٧٥ - ١٧٦.
(٥) قومسان: قرية من قرى اعْلم، واعلم ناحية بين همذان وزنجان. انظر: معجم البلدان، ج ٤، ص ٢٠٢.
(٦) "وتماس" كذا في الأصل، والمثبت من ب.
(٧) الرصافة: بالجانب الشرقي من بغداد. بناها المهدي وعمل له جامعًا. وبها مقابر الخلفاء من بني العباس. انظر: معجم البلدان، ج ٢، ص ٧٨٣.
[ ١ / ٥٠ ]