المتصل بنسبه الشريف إلى العباس عم رسول الله ﷺ ورضي الله تعالى عنهم أجمعين
تسلطن بدمشق، بعد خلع الناصر فرج بن برقوق، في يوم الإثنين سابع عشرين المحرم، سنة خمسة عشر وثمانمائة؛ فمن المؤرخين من عده من جملة السلاطين بالديار المصرية، ومنهم من عده من جملة خلفاء بني العباس؛ وهذا لم يتفق لخليفة من بني العباس قبله أنه تسلطن بالديار المصرية وحكم بها على هذا الوجه، وفيه يقول بعض الشعراء:
خليفتنا حاز الفخار باسره … وبأسره مجموع كل الناس
ولقد روي الضحاك عن ثغر له … والجفن في الأغضا (^٢) عن العباس (^٣)
وكان سبب سلطنة الخليفة العباس أنه لما جرد الملك الناصر فرج إلى نحو دمشق، بسبب عصيان شيخ ونوروز، كما تقدم، فكان الخليفة العباس بصحبة الملك الناصر مع القضاة الأربعة، فلما انكسر الملك الناصر فرج اجتمع الأمراء، وضربوا مشورة فيمن يولوه السلطنة.
فقال نوروز لشيخ " لا أنا ولا أنت نتسلطن، وأحق ما يتسلطن الخليفة، وأكون أنا نائب الشام، وأنت أمير كبير بالديار المصرية ومدبر أمر المملكة". فأتفقا وتحالفا على ذلك.
_________________
(١) أخباره في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٨٢٣ - ٨٢٨؛ جواهر السلوك ٣١٠ - ٣١٢.
(٢) في جواهر السلوك ٣١٠: "الأعضاء".
(٣) بحر الكامل؛ والبيتان لم يرد ذكرهما في بدائع الزهور.
[ ٤١٠ ]
وكان القائم في سلطنة الخليفة المقر السيفي نوروز الحافظي، فطلبوا الخليفة ليسلطنوه، فأمتنع من ذلك غاية الامتناع، فلا زالوا عليه حتى سلطنوه على كره منه؛ بعد أن أشْرَطَ عليهم شروطًا كثيرة، منها: أنه إذا خُلع من السلطنة يكون خليفة كما كان في الأول، فأجابوه إلى ذلك.
وأحضروا له خلعة السلطنة فلبسها، وَبَاسُوا لَهُ الأمراء الأرض، واستقر بالأمير نوروز نائب الشام، وبالأمير شيخ المحمودى أتابك العساكر [٣\ ١٨] بالديار المصريّة، واتفقوا على أنَ نوروز يضع يده على البلاد الشامية والحلبية من الفرات إلى غزة، ومن غزة إلى مصر وأعمالها يكون تحت حكم الخليفة، فتراضوا على ذلك.
ثم إن الخليفة والأتابكي شيخ والعسكر قصدوا التوجه إلى نحو الديار المصرية، فخرجوا من الشام، والخليفة في غاية العظمة والعزّ، وأطاعوه سائر الأمراء والعسكر، فلما دخل إلى القاهرة هُوَ وَالأتابكي شيخ فطلع الخليفة إلى القلعة، وسكن بها كعادة السلاطين، وسكن الأتابكي شيخ في باب السلسلة.
فكان الأمراء إذا فرغوا من خدمة الخليفة بالقصر، نزلوا إلى خدمة الأتابكي شيخ، ويقع بين يديه الابرام والنقض والحل والعقد، وكان الأتابكي شيخ لا يُمكن الخليفة العباس من كتب العلامة على المراسيم، والمربعات (^١)، والمناشير، إلا بعد أن تُعرض عليه، واستمر الأمر على ذلك مُدّة يسيرة.
ثم إن الأتابكي شيخ بدا له أن يتسلطن، ويخلع الخليفة العباس من السلطنة، فجمع القُضَاةِ الأربعة وكتب محضرًا: بأن الفساد قد كثر في البر والبحر، وَزَادَ شر العُربان في البلاد، وخرجوا عن الطاعة وَفَسَدَتْ الأحوال؛ وَأَنَ الوقت محتاج لإقامة سُلطان تُركي، ليدفع بسطوته الفساد وتنصلح الأحوال على يديه".
فعند ذلك حملوا القضاة بخلع الخليفة من السلطنة، فخلعوه من غير اختياره من السلطنة، وتولى الأتابكي شيخ سُلطَانٍ، ثم لما خُلِعَ الخليفة من السلطنة استمر في القلعة مُحتفظًا به مُدّة يسيرة، وهو في الخلافة دون السلطنة، ثم خلعه
_________________
(١) وهي إقطاعات ضمن ديوان الجيش، تكتب على ورقة مربعة وبترتيب معين. (راجع: صبح الأعشى ج ١٣ ص ١٥٥. والتعريف بمصطلحات الصبح (٣٠٧).
[ ٤١١ ]
شيخ من الخلافة أيضًا، وولى أخاه داوود، وتلقب بالمعتضد بالله، وذلك في سنة ستة عشر وثمانمائة في سادس ذي الحجة (^١).
وكان الخليفة العباس لما خُلِعَ من الخلافة عهد إلى ولده يحيى فلم [١/ ١٨٤] يمضي له شيخ ذلك، وولى أخاه داوود، وأرسل الخليفة العباس إلى السجن بثغر الإسكندرية، فأقام بالسجن إلى أن مات في أثناء دولة الملك الأشرف برسباي.
وكانت وفاته في يوم الأربعاء حادي عشرين جمادى الآخر سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة، وذلك في الوباء الذي جاء في تلك السنة، وكان الأشرف برسباي لما أن تسلطن أخرج الخليفة العباس من السجن، وأسكنه في بعض دُورٍ الإسكندرية إلى أن مات.
وكانت مُدّة سلطنة الخليفة العباس بالديار المصريّة ستة أشهر إلا أيامًا، ثم كانت مُدّته في الخلافة دون السلطنة ثمان سنين وشئ.
ولما تسلطن كان مع الأتابكي شيخ مثل اللولب يدوره كيف شاء ليس له في السلطنة إلا مُجرّد الاسم فقط، والأمر كله للأتابكي شيخ.
ومن الحوادث في أيامه: نقل الشيخ شهاب الدين ابن حجر في تاريخه (^٢) أن في سنة ستة عشر وثمانمائة، تولى قاضي القضاة صدر الدين ابن الآدمي الحنفي قاضي قضاة الحنفية ومُحتسب القاهرة، وهو أول من جمع بين القضاء والحسبة في وقتٍ معًا، وَلمْ يُسمع بمثل ذلك فيما تقدم من الدول الماضيّة (^٣).
_________________
(١) في بدائع الزهور أن البيعة بالخلافة كانت "يوم الخميس ثاني عشر ذي الحجة". والصحيح هو ما ذكره ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة، ١٤/ ١٦: "يوم الخميس سادس عشر ذي الحجة".
(٢) الخبر في إنباء الغمر بأبناء العمر ٣/ ١١.
(٣) ورد الخبر في بدائع الزهور: ١/ ٢/ ٨٢٧: في أحداث سنة ٨١٥ هـ.
[ ٤١٢ ]