وهو الثاني والعشرون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، تسلطن في يوم الثلاثاء خامس عشر شعبان سنة أربع وستين وسبعمائة، وكانَ لَهُ مِنَ العمر لما تسلطن إحدى عشرة سنة (^٢).
وكان مليح الشكل، بديع الجمال، فلما لبس خلعة السلطنة، وجلسَ عَلى سرير الملك، وتلقب بالملك الأشرف، وَدُقتْ لهُ بالبشائرُ، ونُودي باسمه في القاهرة، فضجُّوا النَّاسُ لَهُ بِالدُّعَاءِ، وفيهِ يَقُولُ القيم خلف الغُباري (^٣)، من زجل لطيف:
حَبَّ قلبي شعبان موفق رشيد … وجمالو أشرف وَمَالو حُدُود
وأبوه الحسين وعمو الحسن … وارث الملك من جدود الجدود
سل لحظك صارم لقتل العدا … وأنت منصور طول المدا والسنين
زعق السعد بين يديك شاويش … فرَّحَ القلب بَعدَ مَا كان حزين
ونصب لك كرسى على المملكة … وظهر لك نصره بفتحو المبين
والعصايب من حولك اشتالت … خفقت في الركوب عليك - البنود
فاحكم احكم في مصرَ يَا سُلطان … فجميع الملاح لحسنك جنود
فلما تم أمر الأشرف شعبان في السلطنة، أقر الأتابكي يَلبُغَا العُمري على عادته أمير كبير، واستقر بالمقر السيفي منكلي بغا الشمسي في نيابة
_________________
(١) جاءت أخباره في: بدائع الزهور ١/ ٢/ ٣ - ١٨٧؛ جواهر السلوك ٢٠٦ - ٢٢٥.
(٢) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٣: "اثنتى عشرة سنة"؛ وفي البداية والنهاية تح: التركي ١٨/ ٦٧٧ والسلوك لمعرفة دول الملوك ٣/ ١/ ٨٣ والنجوم الزاهرة ١١/ ٢٤: "له من العمر عشر سنين". وفي البداية والنهاية تح: بشار ١٦/ ٤٤٣: "له من العمر عشرون سنة"؛ وفي جواهر السلوك ٢٠٦: "إحدى عشرة سنة" وفي ص ٢٢٢: "وتولى الملك وعمره عشرين سنة".
(٣) هو خلف بن محمد الغباري عاش في القرن الثامن الهجري، وكان فقيها وعالما وأديبا وشاعرا ينظم الشعر الفصيح ولكنه اشتهر بنظم الزجل. (د. شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي، د. شوقي ضيف ٧/ ٣٩٣).
[ ٢١٥ ]
دمشق؛ واستقر بالمقر السيفي قُطلُو بُغَا الأحمدي في نيابة حلب على عادته؛ واستقر بالمقر السيفي أزدَمُر العُمري الناصري الخازندار في نيابة طرابلس؛ واستقر بالأمير قشتمر المنصوري في نيابة صفد؛ واستقر بالأمير عُمر شاه في نيابة حماه؛ واستقر بالأمير عُمر بن أرغون (^١) النائب في نيابة غزّة.
ثم عمل الموكب بالقصر الكبير، وأخلع على من يُذكر من الأمراء أرباب الوظائف بالديار المصرية وهم: المقر السيفي طَيْبُغَا الطَّوِيلُ أمير سلاح، والمقر السيفي عشقتمر المارديني (^٢) أمير مجلس عَلى عادته، والمقر السيفي أرغون الأسعردي دوادار كبير، والمقر السيفي أرغون الأزقي رأس نوبة النوب، والمقر السيفي طيبغا العلائي حاجب الحجاب، واستقر بجماعة منهم بتقادم ألوف، وَعَلى جَماعةٍ منهم بطبلخانات وعشراوات، هذا مَا كَانَ من أَخبَارِهِ في مُبتدأ دولته.
ثم دخلت سنة خمس وستين وسبعمائة، فيها: استقر المقر السيفي عشقتمر المارديني نائب حلب، عوضًا عن قطلُو بُغَا الأحمدي (^٣)، ثم نُقل الأمير أزدمر العمري (^٤) إلى نيابة حلب عُوضًا عن عشقتمر المارديني.
وفيها جاءت الأخبار من البلاد الشامية بأن نائب الشام منكلي بغا الشمسي فتح باب كيسان (^٥) الذي بدمشق، بحضور القضاة الأربعة وأرباب الدولة، وكان هذا الباب مغلقًا من مدة تزيد على مائتي سنة، وقد سدَّ هذا الباب في أيام العادل نور الدين الشهيد، وقد اقتضى الرأي فتح هذا الباب ففيه مصلحة للمسلمين، ثم
_________________
(١) في السلوك ٣/ ١/ ٨٤ والنجوم الزاهرة ١١/ ٢٥ وبدائع الزهور ١/ ٢/ ٥: "أرنبغا … في نيابة غزة".
(٢) ورد اسمه في النجوم الزاهرة ١١/ ٢٥ والسلوك ٣/ ١/ ٨٤: "أَشَقْتَمُر المارديني".
(٣) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ١٠ والنجوم الزاهرة ١١/ ٢٥: "منكلي بغا الشمسي"؛ وفي السلوك ٣/ ١/ ٨٤: "قطلو بغا الأحمدي"، كما هنا.
(٤) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ١٦: "الأمير جرجي"، وكذلك "وفيه نقل أشقتمر … إلى نيابة طرابلس عوضا عن الأمير أزدمر العمري" وذكر ذلك ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة ١١/ ٢٧. والصحيح ما جاء في بدائع الزهور.
(٥) هو أحد أبواب سور دمشق في الزاوية الشرقية الجنوبية منه، ينسب إلى كيسان مولى معاوية، وقيل: مولى غيره، والنصارى يسمونه باب بولس، ويقولون أنه دلى نفسه من نافذته هربًا من الاضطهاد وهو على بعد خطوات من مدافن المسيحيين قريبا من مرقد بلال الحبشي مؤذن النبي المدفون في مقبرة باب الصغير. (انظر: دليل سوريا وفلسطين بدكر، ص ٣١١؛ وتاريخ ابن عساكر ١٠/ ٤٧٧؛ خطط الشام، كرد على ٦/ ١٥٧؛ فلسطين الإسلامية، استرانج، ص ٢٣١).
[ ٢١٦ ]
إن نائب دمشق عقد على النهر قنطرة كبيرة على الطريق السالكة بسبب المسافرين (^١).
ثم في هذه السنة: برز مرسوم السلطان للقضاة والحكام بإبطال جميع الوكلاء من أبواب الحكام بالديار المصرية والبلاد الشامية، وفي ذلك يقول الشيخ بدر الدين ابن حبيب (^٢):
يَقُولُ ذَا الحَقَّ الذي غَالَهُ … خَصْمٌ أَلد ولسان كليل
إنْ صَيَّروا أسر وكيلى سُدًى … فحسبى الله ونعم الوكيل (^٣)
ثم دخلت سنة ست وستين وسبعمائة، فيها: توفي الملك الصالح صالح بن الملك المنصور غازي صاحب ماردين، وكان ملكًا جليلا نبيلا يحب العدل في الرعية، فكانت مدة مملكته بماردين نحو أربعة وخمسين سنة، وعاش من العمر نحو سبعين سنة (^٤).
ثم دخلت سنة سبع وستين وسبعمائة، فيها: رسم السلطان لنائب حلب بأن يتوجه بالعساكر الحلبية لحصار قلعة خَرْتَبِرْتُ (^٥) من أعمال ديار بكر، فسار إليها نائب حلب وحاصرها نحو أربعة أشهر، فطلب صاحبها الأمان فأجيب إلى ذلك فنزل طائعًا، وحضر إلى الأبواب الشريفة وقابل السلطان فأخلع عليه خلعة واستقر على حاله (^٦).
_________________
(١) لم يرد هذا الخبر في بدائع الزهور. وجاء الخبر في البداية والنهاية ٦٨٩/ ١٨ والسلوك ٣/ ١/ ٩٢ والنجوم الزاهرة ١١/ ٢٦ وجواهر السلوك ٢٠٧.
(٢) هو: طَاهِرِ بن الْحُسَيْن بن عمر بن الحسن بن عمر بن حبيب بن شويخ الزين أَبُو الْعِزَّ ابْنِ الْبَدْرِ أَبِي مُحَمَّد الْحَلَبِي الْحَنَفِيّ ويعرف بابن حبيب. ولد بعد الأرْبَعين وَسَبْعمائة بقليل بحلب، ودخل الْقَاهِرَة ودمشق وأقام في كل مِنْهُمَا مُدَّة، وكتب في ديوان الْإِنْشَاء بِبَلَدِهِ وبالقاهرة. (الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، السخاوي، ٤/ ٣ - ٤).
(٣) بحر السريع.
(٤) ورد الخبر في بدائع الزهور ١/ ٢/ ١٥ والسلوك ٣/ ١/ ٩٥ والنجوم الزاهرة ١١/ ٨٥ - ٨٦: في أحداث سنة ٧٦٥ هـ. وصفة الملك الصالح لم ترد إلا هنا والنجوم الزاهرة ١١/ ٨٦.
(٥) هو اسم أرمني للحصن المعروف بحصن زياد في أقصى ديار بكر من بلاد الروم. (معجم البلدان، ياقوت الحموي، ٢/ ٣٥٥).
(٦) الخبر ورد في السلوك "وكتب إلى الأمير جرجي نايب حلب أن يسير لأخذ قلعة خرت برت من ديار بكر وأخذ صاحبها خليل بن قراجا بن دلغادر مقدم التركمان فنازل قلعتها نَحْو أَرْبَعَة أشهر وَعَاد بِغَيْر طائل. لمنعتها وحصانتها. ثم إن ابن دلغادر طلب الأمان فأمن وقدم إِلَى الْقَاهِرَةِ". السلوك ٣/ ١/ ١٢٠ وبدائع الزهور ١/ ٢/ ٢١.
[ ٢١٧ ]
وفي هذه السنة: جاءت الأخبار من ثغر الإسكندرية، بأن صاحب قبرص وصل إلى الثغر في يوم الجمعة ثالث عشرين صفر، وهو في سبعين مركبا من المراكب الحربية، وأن نائب الإسكندرية خرج إليه ومعه جماعة من عربان البحيرة إلى ظاهر باب البحر فاتقع مع الفرنج هناك وقعة عظيمة، فانكسر نائب الإسكندرية، وهرب بمن معه من العربان، فدخل الفرنج إلى المدينة ونهبوا أسواقها وقتلوا جماعة كثيرة من المسلمين وحرقوا باب رشيد (^١).
فلما جاءت الأخبار بذلك كان السلطان هو والمقر السيفي يلبغا العمري في سرياقوس على سبيل التنزه، فلما بلغ السلطان ذلك طلع إلى القلعة في باكر النهار ونادى للعسكر بأن الرحيل إلى السفر بعد الظهر.
فصلى السلطان الظهر وركب وعدى إلى بر الجيزة، وكان أيام النيل (^٢)، ثم سار إلى الطرانة فنزل بها، وأرسل الجاليش، وهم جماعة من الأمراء: الأمير طَيْبُغَا الطَّوِيلُ أمير السلاح؛ والأمير خليل بن قوصون أمير مجلس؛ والأمير قطلوبغا المنصوري؛ والأمير كوكنداي أخو طَيْبُغَا الطَّوِيلُ؛ وغيرهم من الأمراء.
فلما وصلوا إلى ثغر الإسكندرية فوجدوا الفرنج قد رحلوا عن الثغر، وتوجهوا إلى بلادهم بعدما جرى منهم ما جرى من القتل والنهب وغير ذلك.
فلما بلغ السلطان رجوع الفرنج إلى بلادهم فرجع إلى القاهرة، ورسم بعمارة ما فسد من ثغر الإسكندرية، وأرسل للأمراء الذين تقدموا بأن يقيموا هناك لتطمين أهل البلد وعودهم إليها.
ثم إن السلطان أخلع على الأمير بكتمر الشريف (^٣) وجعله نائب ثغر الإسكندرية، بتقدمة ألف، وهو أول من وليها من الأمراء المقدمين، وكانت قبل ذلك ولاية منحطة الرتبة، وفي ذلك يقول بعض الشعراء:
_________________
(١) كان من أبواب مدينة الإسكندرية في سورها الشرقي، وسمي بذلك لأنه كان على رأس الطريق التي توصل من الإسكندرية إلى مدينة رشيد، وقد اندثر هذا الباب، ومكانه اليوم في الحدائق الواقعة شرقي مدخل شارع فؤاد الأول عند اتصاله بشارع أبو قير بمدينة الإسكندرية. (النجوم الزاهرة ١١/ ١٨٤ هامش ١).
(٢) يقصد أن النيل في قوة الزيادة. (انظر: بدائع الزهور ١/ ٢/ ٢٢، وجواهر السلوك ٢٠٧).
(٣) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٢٤: "بكتمر الشرفي"، وفي السلوك ٣/ ١/ ١١٤: "بكتمر الشريف" وهو موافق لما ورد هنا.
[ ٢١٨ ]
إسكندرية قالت … يا نائبي صن (^١) دماكا
لقد تغير ثغري … واحتجت فيه سواكا (^٢)
وفي هذه الواقعة يقول الشيخ شهاب الدين ابن أبي حجلة:
ألا في سبيل الله ما حل بالثغر … على فرقة الإسلام من عُصْبة الكفر
أتاها من الإفرنج سبعون مركبا … وضَاقت بها الغِربان في البر والبحر
وصُيَّر منها أزرق البحر أسودا … بنو الأصفر البَاغُون بالبيض والسمر
أتُوا أهلها هجمًا على حين غفلة … وَبَاعَهُمُ في الحرب يُقصر عن فتر
فكم من فقير عاش فيها مِنَ الغِنَي … وكم من غني مات فيها من الفقر
نثرت دموعى يوم فرط نظامهم … فيا ليت شعري من يُبلغهُمُ نَثري (^٣)
وفيها: خرج الأمير طَيْبُغا الطويل أمير سلاح إلى نحو وادي العباسة (^٤) ليتصيد هناك، فأرسل إليه الأتابكي يلبغا العُمري جماعة من الأمراء المقدمين، وهم: الأمير أرغون الأسعردي الدوادار، وأروس المحمودي أستادار العالية، والأمير أرغون الأزقي رأس نوبة النوب، والأمير طيبغا العلائي حاجب الحجاب، وأرسل صحبتهم تشريف إلى الأمير طَيْبُغا الطويل أمير سلاح وهو بالعباسة، بأن يستقر نائب الشام، وأن يتوجه من هناك.
فلما وصلوا إليه هؤلاء الأمراء، فأبى طَيْبُغا الطويل بأن يلبس ذلك التشريف، وأظهر العصيان، فوافقه على ذلك الأمير أرغون الأسعردي، والأمير أروس (^٥) المحمودي، وهرب الأمير طيبغا العلائي حاجب الحجاب، والأمير أرغون الأزرق، وتوجها إلى نحو القاهرة وأخبرا الأتابكي يلبغا بما قد جرى من هذه الواقعة.
فعند ذلك ركب السلطان الملك الأشرف شعبان هو والأتابكي يلبغا العمري وسائر الأمراء، وذلك في يوم السبت سابع ربيع الأول من السنة المذكورة،
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٢٥: "صن يا خليل".
(٢) بحر المجتث.
(٣) بحر الطويل.
(٤) وهي بليدة أول ما يلقى القاصد لمصر من الشام من الديار المصرية، ذات نخل طوال، وقد عمرت في أيامنا لكون الملك الكامل بن العادل بن أيوب جعلها من متنزهاته ويكثر الخروج إليها للصيد لأن إلى جانبها مما يلي البرية مستنقع ماء يأوي إليه طير كثير فهو يخرج إليها للصيد، سميت بعباسة بنت أحمد بن طولون؛ وهي لا تزال معروفة باسمها إلى الآن وهي بمركز أبو حماد بالشرقية. (معجم البلدان ٤/ ٧٥؛ القاموس الجغرافي ١/ ٢/ ٦٩ - ٧٠).
(٥) في الأصل "وأروس"، والصحيح ما أثبتناه من السلوك ٣/ ١/ ١١٥.
[ ٢١٩ ]
فتوجه السلطان إلى نحو قبة النصر فوقف هناك، هذا ما كان من أمر السلطان والأمراء.
وأما ما كان من أمر طَيْبُغَا الطَّوِيلُ، فأنه ساق هو ومن معه من الأمراء من وادي العباسة الليل كله حتى أصبح الصباح، فتلاقى هو والأتابكي يَلبُغَا على قبة النصر، فأتقعُوا هناك وقعة عظيمة فأشرف فيها يَلبُغَا على الكسرة، وكان يَلبُغَا قد أكمن كمينًا في فمّ وَادِي السدرة على طيبعًا ومن معه من الأمراء من ورائهم، فانكسر طَيْبُغَا الطَّوِيلُ ومن معه ومسك هو والأمير أرغون الأسعردي الدوادار، والأمير وأروس المحمودي الأستادار، والأمير كوكنداي أخو طَيْبُغَا الطويل، وأمسكوا غير ذلك جماعة كثيرة من الأمراء الطَّبْلَخَانَاهُ (^١) والْعَشْرَاوَاتِ، ثم قيدوا منهم جماعة وأرسلهم إلى السجن بثغر الإسكندرية، وانتصر عليهم يَلبُغَا هذه النصرة العظيمة.
وفي هذه السنة: حضر إلى الأبواب الشريفة الأمير حيار بن مهنا أمير آل فضل، وكان له مدة طويلة عاص (^٢)، فأحضره نائب حماة، فأخلع عليه واستقر على عادته.
وفيها: أنعم السلطان على جماعة كثيرة من الأمراء بأمريات طبلخانات وعشراوات.
وفيها: مات الملك المجاهد سيف الدين علي صاحب بلاد اليمن، واستقر بعده ولده الملك الأفضل عباس (^٣).
ثم دخلت سنة ثمان وستين وسبعمائة، فيها: طُلب المقر السيفي منكلي بُغَا نائب الشام، فلما حضر إلى الأبواب الشريفة أكرمه السلطان، وأخلع عليه واستقر به نائب حلب وجعل حلب أكبر من دمشق على القاعدة القديمة، وأضاف له أربعة آلاف فارس من عسكر دمشق، وتوجه إلى حلب، واستقر بالأمير أقتمر عبد الغنى في نيابة دمشق.
وفيها: اهتم الأتابكي يلبغا بعمارة مائة غُراب، بسبب الجهاد في سبيل الله، وكان الشاد على عمارة هذه الأغربة الأمير طيبغا العلائي حاجب الحجاب.
_________________
(١) ومعناه بيت الطبل، ويشتمل على الطبول والأبواق وتوابعها من الآلات؛ ويحكم على ذلك أمير من أمراء العشرات يعرف بأمير علم. (صبح الأعشى، القلقشندي، ٤/ ١٣).
(٢) في بدائع الزهور ١/ ٢٩/ ٢: "عاص على السلطان".
(٣) الخبر في بدائع الزهور ١/ ٤٢/ ٢ بدون ذكر من تولى بعد الملك سيف الدين علي.
[ ٢٢٠ ]
وفيها في مستهل ربيع الآخر عدى السلطان الملك الأشرف شعبان إلى بر الجيزة، ثم فضل التوجه إلى البحيرة ليتصيد هناك، وصحبته الأتابكي يَلْبُغَا العُمري وبقية الأمراء، فلما عدى السلطان، كان يومًا مشهودًا في القصف والفرجة، وذلك أن الأغربة الذي عمرهم الأتابكي يلبغا أعرضهم على السلطان في ذلك اليوم وهم قد اشحنوا بالسلاح وآلة الحرب والنفط والطبول والزمور ولعبوا بها في البحر قدام السلطان الملك الأشرف شعبان ذهابًا وإيابًا وكان يومًا لم يُر مثله.
ثم إن السلطان عدى إلى بر الجيزة وتوجه إلى الطرانة فأقام بها، فوقع هناك بين الأتابكي يَلْبُغَا العُمري وبين مماليك فأنه قد صار يضرب بعضهم بالمقارع وقطع أنف بعضهم ويوسط بعضهم فعند ذلك نفرت منه قلوب مماليكه واختاروا قتله (^١).
فلما كان ليلة الأربعاء سادس ربيع الآخر ركبوا مماليك يلبغا وكبسوا على أستاذهم وهو في الخيام، فلما أحس (^٢) بهم ركب فرس النوبة وهرب تحت الليل، وتوجه إلى انبابه، وعدى من هناك، وتوجه إلى بيته الذي في الكبش.
وطلب الأمراء الذين كانوا بالقاهرة، وأرسل منع المراكب أن لا يعدوا بأحد من العسكر إلى بر مصر، واجتمع عنده من الأمراء المقدمين الأمير طيبغا العلائي حاجب الحجاب وكان أستاداره، والأمير أينبك البدري وكان أمير آخوره، وأقبغا جركس أمير سلاحه، وغير هؤلاء جماعة من الأمراء هذا ما كَانَ مِنْ أَمْرٍ يَلْبُغَا.
وأَمَّا مَا كَانَ مِنْ أمر مماليكه فأنهم لما علموا بهروبه اجتمعوا كلهم، وجاءوا إلى السلطان الملك الأشرف شعبان، وقالوا له: "إن لم تركب معنا، وإلا قتلناك"، فركب صحبتهم إلى أن وصلوا إلى ساحل انبابه، فأقام السلطان هناك من يوم الأربعاء إلى يوم الخميس.
ثم إِنْ يَلْبُغَا طلع إلى القلعة وأخرج سيدي أنوك أخو الملك الأشرف شعبان من دور الحرم، وسلطنه، ولقبه بالملك المنصور، وذلك في يوم الجمعة، فركب وصحبته سيّدي انوك، وَجَماعة من الأمراء، وتوجهوا إلى نحو الجزيرة الوسطى.
_________________
(١) الخبر هنا جاء مضطربًا من ابن إياس وللتوضيح. انظر: بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٥.
(٢) في الأصل "أحسن".
[ ٢٢١ ]
فصار الملك الأشرف شعبان في بر إنبابة، ويَلْبُغَا في الجزيرة الوسطى، وهما يتراموا بالنشاب، ومكاحل النفط، فعند ذلك حضر إلى عند السلطان الملك الأشرف شعبان شخص من النواتية، يُسمى محمد بن لبطة، كان ريسًا على المراكب في أيام الملك الناصر محمد بن قلاون، فقالَ للسلطان: "أنا أعدى بك"، فأخذ نحو ثلاثين غُرابًا من الذي كان عمرهم يَلْبُغَا، كما تقدم، فكسر بروقهم وعمرهم بالمقاديق، وعدى بالسلطان والعسكر أولا بأول، وَهُمْ رَاكِبُون الخيول، وذلك في يوم السبت بعد العصر، فطلع السلطان من جزيرة الفيل إلى أن طلع إلى القلعة.
فَلَمَا تسامع الأمراء والعسكر الذين كانوا عندَ يَلْبُغَا بأن السلطان الملك الأشرف شعبان طلع إلى القلعة، فصاروا يتسحبون من عند الأتابكي يَلْبُغَا، ويطلعون إلى القلعة فلم يبق مع يَلْبُغَا الا القليل من الأمراء والعسكر.
فرجع يَلْبُغَا من الجزيرة الوسطى، وطلع إلى الرملة، ووقف بسوق الخيل ساعة، فلم يطلع إليه أحد من العسكر فلما رأى أمره في إدبار، نزل عن فرسه وصلى ركعتين قدام باب الميدان، ثم حلَّ سيفه وأعطاه للأمير طيبغا حاجب الحجاب، وركب فرسه وقصد التوجه الى بيته الذي في الكبش، فرجموه العوام وسبوه لأنهم كانوا يبغضونه بغضا شديدا ثم وصل إلى بيته بعد جهد كبير.
فلما أقام في بيته أرسل السلطان إليه بعض الأمراء ليحضروه إلى القلعة، فركبَ يَلْبُغَا من بيته وطلع إلى القلعة، ومعه طيبغا العلائي حاجب الحجاب، وكان طلوعه إلى القلعة يوم السبت وقت المغرب، فلما طلع إلى القلعة فسجن بها هو وطيبغا العلائي فأقام في السجن إلى بعد العشاء، فهجموا مماليكه عليه، وأخرجُوهُ مِنَ السحن، وأخذوه، وتوجهوا به إلى باب القلعة، فلما وصلوا به إلى سلم المدرج أراد أن يركب فمنعوه مماليكه من الركوب، ومشوا به إلى رأس الصوة، فتقدم إليه مملوك من مماليكه، يُسمى قراتمُر، فضربه بالسيف، فأرمى رأسه، فأخذوا رأسه بقية المماليك، ووضعوها في مشعل، وتوجهوا بها إلى بيته الذي في الكبش.
وكان يَلْبُغَا له سلعة خلف أذنه، فلما رأوا رأسه لم يشك أحدًا في قتله، وصار جسده مرمي في الصوّة، فلما أصبح الصباح جاء الأمير طشتمر الدوادار فأخذ جثته، وحصل رأسهُ وَخيَّطهَا عَلى جُثتهُ، وَدَفنه في تربة خارج الباب المحروق، وفي هذه الواقعة يقول بعض شعراء العصر في المعنى:
[ ٢٢٢ ]
أتاك على يدك (^١) الموت لما … ظهرت بما نهاك الشرع عنه
فلا تعتب سواك على الذي قد … بليت به فدود الخل منه (^٢)
وقال آخر:
بدا شقاء يلبغا وعدت … عداه في سفنه إليه
والكبش لم يفده وأضحت … تنوح غربانه عليه (^٣)
وقال آخر:
حواشى يلبغا كانوا زناة … فلا تعجب إذا رجموا جهارا
ولا عجب إذا سكروا بحرب … فأهل الكبش ما برحوا سكارى (^٤)
وكانت قتلة الأتابكي يلبغا في ليلة الأحد تاسع ربيع الآخر من سنة ثمان وستين وسبعمائة.
وكان أميرا جليلا مليا، عالي الهمة، نفاذ الكلمة، صاحب الحل والعقد بالديار المصرية ليس على يده فيما يأمر به، وكان الملك الأشرف شعبان في يد يلبغا مثل اللولب يدوره كيف شاء. وكان يلبغا سيئ الخلق، جري اليد سفاحا للدماء قتل جماعة كثيرة من مماليكه ومن الأمراء ولا سيما قتله للسلطان حسن وهو أستاذه، وقد رقاه في أيامه، كما تقدم.
وقيل: أنه غضب يوما على سابق الدين مثقال مقدم المماليك فضربه في وسط القصر الكبير ستمائة عصاه (^٥)، وكان قرب موته زاد في الأذى والظلم في حق الناس لكنه كان أميرا زائد الشهامة والعظمة.
قيل: بلغت عدة مماليكه نحو ألفين وخمسمائة مملوك (^٦)، وكان منهم أربعة أمراء مقدمين ألوف غير العشراوات، وإليه ينتسب الطرز الذهب العريض الطويل، فيقال: طرز" يلبغاوي"، وإليه تنتسب الصحون الكبار، فيقال: "صحون يلبغاوية".
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٥٠: "يديك".
(٢) بحر الوافر؛ في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٥٠: البيتان لابن العطار.
(٣) بحر مخلع البسيط؛ البيتان في الدرر الكامنة ٦/ ٢٠٩. النجوم الزاهرة ١١/ ٤٠. حسن المحاضرة ٢/ ١١٩.
(٤) بحر الوافر.
(٥) لم يرد ذكر هذا الخبر في بدائع الزهور.
(٦) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٥١: "ثلاثة ألاف مملوك".
[ ٢٢٣ ]
قيل: كان ضريبة كلّ صحن عشرة أرطال لحم، وإليه تنتسب أشياء كثيرة غير ذلك، وَكَانَ مَاشِيَا عَلى نِظامٍ مَا لَا مَشاعليه أحد من الأمراء قبلهُ وَلا بَعدَهُ، وَعَاشَ في أرغدِ عيش وفي سعة من المال، وعظم الجَاهِ، كَمَا يُقالُ في المعنى:
خُذْ مِنْ زَمَانِكَ مَا أَعْطَاكَ مُعْتَنِما … وَأَنْتَ نَاه لهذا الدهر أمره
فالعمر كالكأس تُستَخلى أَوائِلُهُ … لكنّهُ رُبَّمَا مُجَّتْ أَواخِرُهُ (^١)
فلما قُتلَ يَلبُغَا أَصبح الأمراء وطلعوا إلى القلعة، وقبضوا على جماعةٍ منَ الأمراء، وَهُمْ: قرَابُغَا البدري، ويعقوب شاه، وطيبغا العلائي حاجب الحجاب، وقبضوا على جماعة من الأمراء الطبلخانات، فقيدوا الجميع وأرسلوهم إلى السجن بثغر الإسكندرية، وَصَارَ المُتحدّث في أمور المملكة الأمير طغيتمر النظامي، والأمير اقبعا الأحمدي الجلب.
ثم عمل السلطان الموكب وأخلع على من يُذكر من الأمراء، وَهُمْ: الأمير قشتمر المنصوري واستقر حاجب الحجاب عوضا عن طيبغا العلائي، وأخلع على الأمير أيدمر الشامي واستقر دوادار كبير، وأضيف إليه نظر الأحباس، وَهوَ أُولُ من تكلم في الأحباس من الدوادارية.
وَفِيهَا: مُسك الصاحب فخر الدين بن قروبنة وتسلَّمَهُ الأمير قرَابُغَا الصرغتمشي، فصَارَ يُعاقبهُ وَأحرق أصابعه بالنار ولا زَالَ يُعَاقِبَهُ حَتى مَاتَ تحت الضرب.
وَفِيهَا: في يوم الخميس سادس عشر رجب أثار بعض الأمراء فتنة، وركب وطلع إلى الرملة، فنزل إليهم جماعة من المماليك السلطانية، فكسرُوهُمْ وَمُسك الأمير قرَابُغَا الصرغتمشي، والأمير [تغري] (^٢) برمش العلائي، والأمير أينبك البدري، والأمير إسحق (^٣) الرجبي، والأمير قرابغا العزي، والأمير مقبل الرُومِي، فَقُيدُّوا وَأُرْسَلُوا إلى السجن بثغر الإسكندرية.
_________________
(١) بحر الطويل؛ البيتان لابن النبيه. (انظر: فوات الوفيات ٣/ ٧٠. خزانة الأدب ١/ ٣٤٢. زهر الأكم في الأمثال والحكم ٣/ ٢٢).
(٢) لا توجد في الأصل، وكذلك لا توجد في أصل بدائع الزهور، وتم إضافتها من المحقق. (انظر: بدائع الزهور ١/ ٢/ ٥٦ هامش ٣)، وتوجد في السلوك ٣/ ١/ ١٤١؛ وهذا الاسم سيرد في الصفحات القادمة.
(٣) في الأصل "أيسحاق"، والتصحيح من بدائع الزهور ١/ ٢/ ٥٦ والسلوك ٣/ ١/ ١٤١.
[ ٢٢٤ ]
فلما جرى ذلك ركب جميع الأمراء على السلطان فنزل إلى الحُراقةِ، وَدُقتَ الكوسات حربى، ووقف الأمراء بسوق الخيل، فأرسل السلطان يَقُولُ للأمراء: "إيش قصد كم"، فقالوا: "مسك" الأمير أسندمر الناصري وجماعة مِنْ مماليك يَلْبُغَا".
وكان الأمير أسندمر لما قُتلَ يَلبُغَا استقر أتابك العساكر عُوضًا عن يَلبُغَا العُمري، وسكن في بيته الذي في الكبش، والتفَّ عَليه جماعة مِنْ مماليك يَلبُغَا وأراد ان يمشي على طريقة يَلبُغَا.
فلما ركب الأمراء وَوَقفُوا بسوق الخيل، فلم يشعروا إلا والأمير أسندمر قدْ أقبل من نحو قُبة الهوى، وَوَصَلَ إلى تحت الطبلخانَاة السلطانية، ومعه مماليك يَلْبُغَا وَجَماعة من الزعر بأيدهم المقالع، فلما رأوه الأمراء الذي (^١) في سوق الخيل هربُوا مِنْ وَجهه بأجمعهمْ، وَلمْ يثبت في الوَقُوفِ مِنَ الأمراء سوى الأمير الجاي اليوسفي (^٢)، والأمير أرغون شاه [ططر] (^٣)، فصَارُوا يتَّقعُوا مَعَ الأمير أسندمُر، وممالك يَلبُغَا إلى بعد الظهر، فلم يُساعدهما أحد من الأمراء، وَلمْ يَطلع إلى الرملة منهم واحد، فعند ذلك هرب الأمير الجاي اليوسفي، والأمير أرغون شاه تتر، وانكسرا وانتصر عليهما الأمير أسندمر ومماليك يَلبُغَا.
ثُم إن الأمير أسندمُر قَبضَ عَلى جَماعةٍ من الأمراء، وَهُمْ: الأمير أيدمر الشامي الدوادار، والجاي اليوسفي، وَقُطلُوبُغَا جركس أمير سلاح، وَأَرغُون شاه ططر (^٤)، وطغيتمر (^٥) النظامي، وقجماس الطازي، وأقطاي اليلبُغَاوي، وَأَقْبُغَا الأحمدي (^٦)، وجماعة كثيرة من الأمراء الطبلخانات والعشراوات، فقُيدوا وَأُرسلوا إلى السجن بثغر الإسكندرية.
_________________
(١) كذا في الأصل، الصواب "الذين".
(٢) في السلوك ١٤٢/ ١/ ٣: "الحسامي اليوسفي"، وقد ورد في الصفحة التالية "أجاي اليوسفي".
(٣) في الأصل "تتر". وفي بدائع الزهور ٥٧/ ٢/ ١ والسلوك ١٤٢/ ١/ ٣.
(٤) في الأصل "تتر".
(٥) في السلوك ١٤٣/ ١/ ٣ وبدائع الزهور ٥٧/ ٢/ ١: "طغاي تمر".
(٦) في السلوك ١٤٣/ ١/ ٣: "الطنبغا الأحمدي".
[ ٢٢٥ ]
فكان عدة من مُسك في هذه الحركة من الأمراء المُقدَّمين ثمانية (^١)، وَمِنَ الأمراء الطبلخانات والعشراوات تسعة (^٢)، ولما انتصر أسندمُر الناصري هَذهِ النصرة العظيمة لم يخلع الملك الأشرف شعبان من السلطنة بل أبقاه على حاله.
تم عمل السلطان الموكب وأخلع على منْ يُذكر من الأمراء، وَهُمْ: المقر السيفي أسندمر الناصري واستقر أتابك العساكر عَلى عَادَتِهِ، وَأَخلَعَ عَلى المقر السيفي أَزْدَمُر العُمري الناصر الشهير بالخازندار واستقر أمير سلاح وَقَدْ تَقَدَّمَ أنه تولى نائب حلب، ثُمَ رُسم بإحضاره، فلما حضر أخلع عليه واستقر أمير سلاح بالديار المصريّة عُوضًا عن قُطلُوبُغَا جركس.
وَأَرْدمُرِ العُمرِي هَذَا هُوَ جَد والد مُؤلف هَذَا التاريخ، وَكَانَ جَدَّ والده لأمة، وكان الأمير أزدمر أميرًا دينًا، خيرًا، له برّ ومعروفٌ، وَأَثارٌ فمن ذلك أنه أنشأ حوضا وسبيلا في قرية جلمة بني سعد مِنَ أعمالِ قَاقُون، وأنشأ خَانًا بالقُربِ من حلب يُسمى خان سراقب، وَجَعله للسبيل، وله أوقَافٌ على الحرمين الشريفين، وكان كثير البرّ والصدقات ناظرًا إلى فعل الخير وَحُبّ الثواب تغمده الله تعالى برحمته ورضوانه.
وَأَخلع علي الأمير جَرْكَتَمُر المنجكي واستقر أمير مجلس، وأخلع على الأمير الطنبغا اليلبغاوي واستقر رأس نوبة النوب، وأخلع على الأمير بيرم العزّي طقطاي واستقر دوادار كبير عُوضًا عن أيدمر الشامي، وَأَخلَعَ عَلى قطلقتمر العلائي واستقر أمير جاندار، وأخلع على سلطان شاه بن قرا واستقر حاجب ثاني (^٣)، وأنعم السلطان على جماعة كثيرة من المماليك بأمريَاتِ طبلخاناه وعشراوات عوضا عمن مسك في هذه الحركة، ونفى إلى السجن بثغر الإسكندرية، كما تقدم.
وفي أثناء هذه السنة كانت وفاة الشيخ جمال الدين محمد بن نباته المصري، وَهوَ صَاحب الأشعار اللطيفة، الذي فَاقَ بهَا عَلى مَنْ تَقدَمهُ مِنَ الشُّعرَاءِ، وَكَانَ
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٥٧: "تسعة"، والتاسع الذي لم يأت ذكره في عقود الجمان، هو: "آقبغا الجلب"، وكذلك العدد نفسه في السلوك.
(٢) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٥٧: عدة من قبض عليه نحو خمسة وعشرين أميرًا، تسعة مقدم ألوف والباقي من أمراء الطلبخانات وعشرات أي ستة عشر أميرًا، وكذلك العدد في السلوك ٣/ ١/ ١٤٣.
(٣) خبر الخلعة على سلطان شاه، لم يرد في بدائع الزهور وكذلك جواهر السلوك؛ وورد في السلوك ٣/ ١/ ١٤٤.
[ ٢٢٦ ]
مولده في سنة ست وثمانين وستمائة، وَوَفَاتَهُ في سنة ثمان وستين وسبعمائة، فكانت مدة حياته اثنتين وثمانين سنة، ومن شعره لنفسه، وهو قوله:
أصغ لما قَالَ أَخُو وَقتكم … وخل عنك اليومَ مَا قِيلا
واسمع مُقَاطِيعًا له أطرَبتْ … وَلا تَقُلْ إلا مَوَاصِيلًا (^١)
ثُم دخلت سنة تسع وستين وسبعمائة، فيها: جاء الفرنج إلى مدينة إياس، وَحَاصِرُوا قلعتها، وكان الفرنج في مائة (^٢) قطعة من المراكب الحربية، فخرج إليهم الأمير منكلى بُغَا الشمسي نائب حلب، وصحبته العساكر الحلبية، فلما سمعوا الفرنج بقدوم نائب حلب رحلوا من قلعة إياس، وتوجهوا إلى طرابلس، وكانوا ثلاثة ملوك من مُلُوكِ الفرنج: صاحب قبرس، وَصاحب رودس، وصاحب الأسيتار (^٣).
وَكَانَ نَائب طرابلس غَائِبًا عن المدينة فأغتنموا الفرنج هذه الغفلة، ونزلوا إلى ساحل طرابلس، فخرج إليهم بعض عسكر، فاتقعوا معهم فانكسروا عسكر طرابلس، ودخل الفرنج إلى البلد، ونهبوا أسواقها، وقتلوا بها جماعة من المسلمين نحو أربعين رجلا، ثُم تسامعُوا بذلك أهل البلاد فتحَابُوا وَجَاءوا إلى طرابلس، واتقعوا مع الفرنج وقعة عظيمة فقُتل من الفرنج نحو ألف فارس، وانكسرُوا وَرجِعُوا إلى بلادهم خائبين.
وفي أواخر هذه السنة: هجم الوباء على الديار المصرية، وأقام نحو أربعة أشهر، فكان يخرج من أبواب القاهرة في كلِّ يومٍ "عشرة آلاف" (^٤) جنازة، فكان الأمر كما قَالَ القائل:
_________________
(١) بحر السريع؛ البيتان في: مطالع البدور ومنازل السرور، ص ٢٣٥. خزانة الأدب ٢/ ١٣٥. ولم يرد ذكرهما في بدائع الزهور.
(٢) في بدائع الزهور لم يأت ذكر عدد القطع التي اتجهت نحو قلعة إياس، وفي السلوك ٣/ ١٥٠/ ١ "مائة قطعة".
(٣) الخبر في بدائع الزهور ١/ ٦٥/ ٢: أن الفرنج دخلوا مدينة طرابلس ثم توجه إلى قلعة إياس بعكس ما ورد هنا.
(٤) "اثنتي عشرة ألف" في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٦٦؛ وفي السلوك ٣/ ١/ ١٦٢: "فمات في كل يوم ما ينيف على مائة ألف نفس"؛ وهذا الرقم مبالغ فيه. وفي النجوم الزاهرة ١١/ ٥٢: "بلغت عدة الموتى في اليوم أكثر من ألف نفس وأقام نحو الأربعة أشهر وارتفع".
[ ٢٢٧ ]
تروّعنا الجنائز مقبلاتٍ … وتلهو حين تتعرض (^١) مُدبراتِ
كروعة ظبيةٍ صُدِفتْ لذنب (^٢) … فلما غاب عادت راتعات (^٣)
ثم دخلت سنة سبعين وسبعمائة، فيها في يوم الجمعة سادس شهر صفر بعد صلاة الجمعة ركب مماليك يلبغا ومعهم جماعة من الأمراء، ثم دخلوا إلى بيت الأتابكي أسندمر الناصري، فقال لهم: "إيش قصدكم"، فقالوا: "أمسكوا خمسة من الأمراء، وأنفواهُم، وإلا نقتلهم"، فقال لهم أسندمر: "ومن هؤلاء الأمراء الذين تمسكونهم"، فقالوا: "أزدمر العُمري أمير سلاح، وبيرم العِزّي أمير دوادار، وجر كتمر المنجكي أمير مجلس، وبيبُغا القُوصُوني أمير أخور كبير، وكبك الصرغتمشي الجوكندار"، فمسكهم أسندمر الناصري، وقيّدهم وأرسلهم الى السجن بثغر الإسكندرية (^٤).
وأما الأمير أزدمر العُمري الخازندار، فقيدوه وأرسلوه إلى السجن بقلعة الصبيبة، فأقام في السجن إلى سنة إحدى وسبعين وسبعمائة، فرسم له بالإفراج، فلما قصد التوجه إلى نحو القاهرة فمرض في أثناء الطريق، فدخل إلى القاهرة وهو مريض، فأقام مدة يسيرة، ومات في أوائل سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة، ودفن في القرافة الصغرى بالقرب من زاوية الشيخ أبي العباس البصير، رحمة الله عليه (^٥).
ثم إن مماليك يلبغا استمروا على ما هم عليه في لبسهم آلة الحرب، وعظم الفساد، فلما أصبحوا يوم السبت قالوا للأتابكي أسندمر الناصري: "اخلع السلطان الملك الأشرف شعبان، وولي غيره".
فلما بلغ السلطان ذلك نزل إلى الأسطبل السلطاني، وجلس بالمقعد المطل على الرملة، وعلق الصجنق (^٦)، ودقت الكوسات حربي، وركبوا المماليك السلطانيه
_________________
(١) في ديوان جرير ٢/ ١٠٢٤: "تذهب".
(٢) في ديوان جرير ٢/ ١٠٢٤: "كروعة هجمة لمغار سبع".
(٣) بحر الوافر؛ البيتان لجرير (انظر: ديوان جرير ٢/ ١٠٢٤)؛ والبيتان لم يرد ذكرهما في بدائع الزهور.
(٤) الخبر في السلوك ٣/ ١٥٠/ ١ وبدائع الزهور ١/ ٦٦/ ٢ وجواهر السلوك ٢١٢: في أحداث سنة ٧٦٩ هـ.
(٥) الخبر في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٧٣: في أحداث سنة ٧٦٩ هـ.
(٦) السُّنْجَقُ أو الصَّنْجَقُ، بالسين والصاد: هي الراية الخاصة بالسلطان عليها ألقاب السلطان واسمه، وهي من شعارات الملك. والسَّنْجَقُ: اسم تركي يعني الرمح، والراية تكون في أعلاه. (راجع: صبح الأعشى ٥/ ٤٣٠، والمعجم الجامع (١٢٠).
[ ٢٢٨ ]
وجماعة من الأمراء المقدمين والطبلخانات والعشراوات، واجتمع معهم السواد الأعظم من العوام والزعر.
وكان مماليك يلبغا قد طغوا وتنمردوا، وصاروا يأخذون نساء الناس من الحمامات، وينهبون أموال التجار من الدكاكين، فبغضوهم الناس قاطبة.
فلما ركبوا على السلطان تعصب عليه الناس أجمعين، فتوجه مماليك يلبغا إلى بيت الأتابكي أسندمر، وركبوه بالغصب وتوجهوا به من وراء القلعة ومعه جماعة من الأمراء، ثم زحفوا تحت الطبلخاناه السلطانية، فلاقتهم الزعر والعوام بالحجارة والمقاليع، فألقى الله تعالى في قلوب مماليك يلبغا الرعب فولوا مدبرين، وانكسروا كسرة قويّة، وهرب أسندمر الناصري، وكان يظن أنه ينتصر كما وقع له قبل ذلك، فلم يكن بعد ساعة إلا وقد مُسك الأتابكي أسندمر وجماعة كثيرة من مماليك يلبغا، وصار العوام كلّ من مسكوه من مماليك يلبغا يقتلوه.
ثم احضروا أسندمر إلى بين يدي السلطان الملك الأشرف شعبان، فأراد ان يُقيدَهُ ويُرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية، فشفع فيه الأمراء، وَعَرَّفُوا السلطان أنه مقهور مع مماليك يلبغا، ولا يقدر على ردهم، فأطلقه السلطان، ورسم له بان يكون أتَابكًا على عادته، وَرَسمَ لَهُ بِأنْ ينزل إلى بيته، وأرسل معه الأمير خليل بن قوصُون أمير مجلس، وكان الأمير خليل ابن عمة السلطان الملك الأشرف شعبان.
فلما نزل مع الأتابكي أسندمر إلى بيته في صورة أنهُ مُرسم عليه حتى تخمد هذه الفتنة، فتحالفًا وتعاهدا على المُخامرة على السلطان، واجتمع عند الأتابكي أسندمر في تلك الليلة جماعة من الأمراء ومن مماليك يلبغا.
فلما كان يوم الإثنين ثامن عشر صفر من السنة المذكورة ركب الأتابكي أسندمر والأمير خليل بن قُوصُون وجماعة من الأمراء، وطلعوا إلى الرملة ووقفوا بسوق الخيل، فنزل السلطان إلى المقعد المطل على الرملة، وعلق الصنجق، ودقت الكوسات حربي، فحصل في ذلك اليوم وقعة عظيمة بين السلطان وبين الأتابكي أسندمر، فانكسر أسندمر والأمير خليل بن قُوصُون، وهربا فنهب العوام بيوت من انكسر من الأمراء، وَصَارُوا يمسكون مماليك يَلبُغَا أولًا بأول، وَيُودعوهم في الحبوس، ثُم مسكوا الأتابكي أسندمر، والأمير
[ ٢٢٩ ]
خليل بن قُوصُون، والأمير الطنبُغَا اليلبُغَاوي، وجماعة كثيرة من الأمراء ممن كانَ مِنْ عُصبهِ أَسندمُر.
ثُم إن السلطان قيّدَهُم أجمعين، وأرسلهم إلى السجن بثغر الإسكندرية، وأما مماليك يلبغا فأكثرهم قتل، وعرَّقُوا منهم جماعة، وهرب إلى بلاد الشرق منهم جماعة، وانتصر عليهم الملك الأشرف شعبان هذه النصرة العظيمة، وفي ذلك يَقُولُ إبراهيم المعمار:
سلطاننا دامت له عزةٌ … ونُصرَةٌ مِنْ أجل هاتين
دَمَّرَ كبشين ومن سعده … ما انتطحت في ذاك شاتين (^١)
وَقَالَ الشيخ شهاب الدين بن العطار (^٢):
هِلَالُ شَعْبَانَ جَهْرًا لَاحَ فِي صَفَر … بالنّصْرِ حَتَّى أَرَى عِيدًا بِشَعْبَانِ
وأَهْلُ كَيْشِ كَأَهْلِ الفِيلِ قَدْ أَخِذُوا … رَجْمًا ومَا انْتَطَحَتْ فِي الكَبْشِ عنزانِ (^٣)
ثُم إن السلطان رسم بالإفراج عن مِنْ يُذكر من الإمراء، وهم: ألجاي اليوسفي، وأيدمر الخطاي، وجماعة من الأمراء ممن كان مسجونا.
ثم عمل السلطان الموكب وأخلعَ عَلى منْ يُذكر من الأمراء، وَهُمْ: المقر السيفي يَلبُغَا آص المنصوري واستقر أتابك العساكر عوضًا عن أسندمر الناصري، وأخلع على المقر السيفي الجاي اليوسفي واستقر أمير سلاح عُوضًا عن الأمير أزدمر العمري، وأنعم على الأمير أيدمر الخطاي بتقدمة ألف.
ثم بعد أيام بَلغَ السلطان أن الأتابكي يَلبُغَا اَص اتفق معه جماعة من المماليك السلطانية بأن يركبوا على السلطان، فلما تحقق السلطان ذلك قبض على الأتابكي يَلبُغَا آص وعلى الأمير تلكتمر المحمدي، وقِيدَّهُمَا وَأَرسلهما إلى السجن بثغر الإسكندرية، وفي ذلك يَقُولُ الشَّهَاب بن العطار:
_________________
(١) بحر السريع؛ البيتان في مخطوط ديوان ابن المعمار لوحة ٢٦/ ب.
(٢) هو أحمد بن محمد بن علي شهاب الدين ابن العطار الدنيسري أديب، أصله من "نيسر" قرب ماردين بالجزيرة، ولد سنة ٧٤٦ هـ بالقاهرة. له نظم كثير وكان يمدح الأكابر وينظم في الوقائع، وله كتب منها: "نزهة الناظر في المثل السائر" و"المستانس في هجو بني مكانس" وغيرهم. (انظر: الدرر الكامنة ١/ ٣٤٠ - ٣٤٢).
(٣) بحر البسيط؛ البيتان في: مورد اللطافة ٢/ ١٠٠. النجوم الزاهرة ١١/ ٤٨. المنهل الصافي ٦/ ٢٣٦. حسن المحاضرة ١١٩/ ٢.
[ ٢٣٠ ]
يلبغا آص تولى جمعة … فبغى واختار حربًا وادَّعى
وَيحَ مَنْ جَاء لحكم زائرًا … ثَمَ مَا سَلّم حتى وَدَّعَا (^١)
ثم إن السلطان أرسل خلف المقر السيفي منكلي بغا الشمسي نائب حلب فلما حضر إلى الأبواب الشريفة، أخلع عليه واستقر أتابك العساكر عُوضًا عن يلبغا، آص، وأرسل خلف الأمير عليّ المارديني نائب دمشق، فلما حضر أخلع عليه واستقر نائب السلطنة بالديار المصرية، وأنعم على جماعة كثيرة من الأمراء بتقادم ألوف، وعلى جماعة بطبلخانات وعشراوات.
وفي هذه السنة: توفي الملك المنصور غازي صاحب ماردين، وتولى بعده ولده الملك الصالح محمود.
وفي هذه السنة وهي سنة سبعين وسبعمائة، فيها: ظهر بالشام جرادٌ عظيم لم يُسمع بمثله، وكان قد أتى من مكة، فكثر حتى أكل الاشجار وأخشاب السقوف والأبواب، وما وصل إليه من الأمتعة، وسدّت الناس أعين الماء خوفًا من الجراد أن يفسدها، وكان مُعظم أمره في حوران وعجلون من قرى الشام، حتى قيل: حضر الناس إلى صلاةِ الجُمعة فملاء الجراد صحن الجامع، وترمي على الخطيب وهو فوق المنبر حتى شغله عن الخطبة، ثُم كثر حتى جافت منه القرى والبلدان، فصار الناس يَشْمُونَ القطران من تلك الرائحة الكرهة، ثم تناقص وارتفع.
ثم دخلت سنة إحدى وسبعين وسبعمائة، فيها: أخلع على الأمير قشتمر المنصوري واستقر نائب حلب (^٢).
وفيها: استقر الأمير منحك اليوسفي نايب الشام، وحضر بعد مدة إلى الأبواب الشريفة، وصحبته التقادم والهدايا (^٣).
وفيها: أخلع على الأمير آل كُز الكشلاوي واستقر وزيرًا واستادارًا (^٤).
_________________
(١) بحر الرمل.
(٢) الخبر في: السلوك ٣/ ١/ ١٦٩ وبدائع الزهور ١/ ٢/ ٨١: في أحداث سنة ٧٧٠ هـ.
(٣) الخبر في: السلوك ٣/ ١/ ١٦٩ وبدائع الزهور ١/ ٢/ ٨١: في أحداث سنة ٧٧٠ هـ.
(٤) الخبر في: السلوك ٣/ ١/ ١٦٩ وبدائع الزهور ١/ ٢/ ٨١: في أحداث سنة ٧٧٠ هـ.
[ ٢٣١ ]
وَفِيهَا: عَدي السُلطان الملك الأشرف شَعبان إلى برّ الجيزة على سَبيل التنّرة، ونزل عند الأهرام، وأقام هُناك سبعة أيام، ثُم رحلَ مِنْ هُناكَ وتوجّه إلى البحيرة ثُم رحل منها وتوجه إلى ثغر الإسكندرية، وكان أيام النيل فحصُلت للنّاسِ مُشقة عظيمة من المخائض، فلما دخل إلى ثغر الإسكندرية دخل من بَابِ رشيد، والأمراء بين يديه من بَابِ رشيد إلى بَابِ البحر، وفُرِشت له الشقق الحرير تحت حافر فرسة، وكان له يوم مشهود فأقام هُناك ثلاثة أيام وتوجه إلى نحو الديار المصريّة (^١).
وَفِيهَا: في يوم الأربعاء وقف العوام تحت القلعة، ومنعوا من يطلع إليها، ثُم أُرسلوا يقُولُون للسلطان: "سلّمنا بكتمر الشريف والي القاهرة وعلائي الدين ابن كلبك شاد الدواوين"، فوقفوا تحت القلعة إلى بعد العصر، وكلما ينزل إليهم الأوجاقيّة يقُولُون لهم: "أرجعُوا فيأبوا من الرجوع"، فَرَسم السلطان للمماليك بأن ينزلوا إليهم فنزلوا إليهم وأرمُوا عليهم بالنشاب، ومسكوا منهم جماعة ووَضعُوهُم في الحبوس، وقُتل منهم جماعة، وفر الباقون، ثُم في ثاني يوم نادي السلطان للعوام بالأمان والاطمان (^٢).
وعزل عنهم بكتمر الشريف والي القاهرة وولي الأمير حسين بن الكوراني واستمر والي القاهرة (^٣).
وفيها جاءت الأخبار بأن نائب حلب قشتمر المنصوري قد قتل، هُوَ وَوَلدَهُ محمد، وسبب ذلك أن حيار أمير آل فضل وولده نُعير حصل بينهما وبين نائب حلب وقعة عظيمة، وقتل فيها جماعة من عسكر حلب، فقتل نائب حلب وولده في تلك المعركة، ثم إن السلطان أخلع على الأمير عشقتمر المارديني واستقر به نائب حلب عوضا عن قشتمر المنصوري، وأرسل خلعة إلى الأمير زامل بأن يكُون عُوضًا عن حيار بن مهنا وَرَحل آل فضل. (^٤)
_________________
(١) الخبر في السلوك ٣/ ١/ ١٧٠ وبدائع الزهور ١/ ٢/ ٨٢ وجواهر السلوك ٢١٤: في أحداث سنة ٧٧٠ هـ؛ ولم يرد فيهما أي ذكر لوجود مشاقة للناس بسبب النيل.
(٢) الخبر في السلوك ٣/ ١/ ١٧٣ وبدائع الزهور ١/ ٢/ ٨٥ وجواهر السلوك ٢١٥: في أحداث سنة ٧٧٠ هـ.
(٣) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٨٥: أن الأمير حسين تولى عوضا عن علاء الدين ابن كلبك، وهذا خطأ والصحيح ما ورد هنا وذلك لأن علاء الدين كان شاد الدواوين وليس والي القاهرة.
(٤) الخبر في السلوك ٣/ ١/ ١٧٥ وبدائع الزهور ١/ ٢/ ٨٦: في أحداث سنة ٧٧٠ هـ.
[ ٢٣٢ ]
وفي أواخر هذه السنة: أنعم السلطان على الأمير بشتاك العُمري الناصري بتقدمة ألف، وكذلك الأمير بهادر الجمالي، وجماعة من الأمراء غير ذلك، وأنعم على جَماعةٍ منَ الأَمْرَاءِ بطبلخانَاتِ وَعَشرَاوَات (^١).
وفي هذه السنة: حجّت خوند بركة والدة السلطان الملك الأشرف شعبان، فخرجت من القاهرة في تجمل زائد، وصحبتها منَ الكُوسَات والعصائب السُلطانية، وحجَّ صُحبتها من الأمراء: الأمير بشتاك العُمري رأس نوبة النوب، والأمير بهادر الجمالي، وَمَائة مملوك من المماليك السلطانية، وسافرت في أجمل هيئة. (^٢)
ثُم دخلت سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة، فيها: في سادس عشر المحرم حضرت خوند والدة السلطان مِنَ الحجاز الشريف فخرج السلطان إليها وتلقَاهَا من البويب (^٣)، وَكَانَ لَهَا يَوم مشهود. (^٤)
وفيها: توفي الأمير علي المارديني الناصري نائب السلطنة بمصر، وكان أميرًا دينا خيرًا، مُنقَادًا إلى الشرع، قريبًا مِنَ الناسِ، بَاشر نيابة دمشق، ونيابة حلب، ونيابة السلطنة بمصر، وَمَاتَ وَالنَاس رَاضيّة عنهُ، وَلَمَا مَاتَ أخلع السلطان على الأمير طشتمر العلائي واستقر نائب السلطنة بمصر. (^٥)
ثُم دخلت سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، فيها: رسم السلطان الملك الأشرف شعبان للسادة الأشراف بالديار المصريّة والبلاد الشامية بأن يجعلوا في
_________________
(١) الخبر في: السلوك ٣/ ١/ ١٧٦ - ١٧٧ وبدائع الزهور ١/ ٢/ ٨٦: في أحداث سنة ٧٧٠ هـ. وكما ورد في بدائع الزهور خبر وفاة بشتاك العمري في رمضان وقد ذكره المقريزي أنه حج هذه السنة خوند بركة أم السلطان، كما سيرد ذلك في الخبر التالي.
(٢) الخبر في: السلوك ١٧٧/ ١/ ٣ وبدائع الزهور ٨٨/ ٢/ ١ وجواهر السلوك ٢١٥: في أحداث سنة ٧٧٠ هـ. وورد في الخبر في بدائع الزهور أن عدد المماليك السلطانية "مائتي مملوك"، في السلوك وعقود الجمان والنجوم الزاهرة ٥٥/ ١١: "مائة مملوك".
(٣) تصغير الباب، نقب بين جبلين؛ وهي مدخل أهل الحجاز إلى مصر. (معجم البلدان ١/ ٥١٢. القاموس الجغرافي ١/ ٣٤).
(٤) الخبر في: السلوك ٣/ ١/ ١٨١ وبدائع الزهور ١/ ٢/ ٩٣ وجواهر السلوك ٢١٥: في أحداث سنة ٧٧١ هـ.
(٥) الخبر في: بدائع الزهور ١/ ٢/ ٩٤ وجواهر السلوك ٢١٥: في أحداث سنة ٧٧١ هـ.
[ ٢٣٣ ]
عمائمهم شُطْفَاتٌ خُضرٌ لِيَتَمَيَّزُوا عن غيرهم وتعظيمًا لقدرهم (^١)، وفي ذلك يَقُولُ الشيخ شهاب الدين بن جابر الأندلسي (^٢):
جَعَلُوا لِأَبْنَاءِ الرَّسُولِ عَلَامَةً … إِنَّ الْعَلَامَةَ شَأْنُ مَنْ لَمْ يُشْهَرِ
نُورُ النُّبُوَّةِ فِي كريم وُجُوهِهِمْ … يُغْنِي الشَّرِيفَ عَنِ الطِّرَازِ الْأَخْضَرِ (^٣)
وَقَالَ الشيخ بدر الدين حسن بن حبيب:
عمائم الأشراف قد تميزت … بخُضرةٍ رَقَّت وراقت منظرا
وهذه إشارة أنَّ لهُمْ … فى جَنَّةِ الخُلدِ لِبَاسًا أخضرا (^٤)
وقال الشيخ شمس الدين بن المزين الدمشقي
أَطْرَافُ تِيجَانٍ أَتَتْ مِنْ سُنْدُسٍ … خُضْرٍ كأَعْلَامِ عَلَى الْأَشْرَافِ
وَالْأَشْرَفُ السُّلْطَانُ خَصَّصَهُمْ (^٥) بِهَا … شَرَفًا لِيَعْرِفَهُمْ مِنَ الْأَطْرَافِ (^٦)
وَقَالَ الشيخ شهاب الدين ابن أبي حجلة التلمساني:
لآلِ رَسُولِ اللهِ جَاهٌ وَرَفعَة … بهَا رُفِعَتْ عَنَّا جميع النوائب
وقد أصبحوا مثل الملوك برنكهِمْ … إِذَا مَا بَدُوا لِلنَّاسِ تحت العصائب (^٧)
وَفِيهَا: عزل السلطان قاضي القضاة بهائي الدين السبكي الشافعي، وأخلع على الخطيب برهان الدين ابن جماعة خطيب القدس واستقر بِهِ قَاضِي الْقُضَاةِ
_________________
(١) الخبر في السلوك ٣/ ١/ ١٩٩ والنجوم الزاهرة ١١/ ٥٦ وبدائع الزهور ١/ ٢ / ١٠٧: في أحداث سنة ٧٧٣ هـ، وبهذا لم يرد هنا ذكر أي أحداث تخص سنة ٧٧٢ هـ. وفي جواهر السلوك ٢١٦: ورد الخبر في أحداث ٧٧٢ هـ.
(٢) هو محمد بن أحمد بن علي بن جابر الأندلسي، شاعر عالم بالعربية أعمى من أهل المرية، صحبه إلى الديار المصرية أحمد بن يوسف الغرناطي الرعيني، فكان ابن جابر يؤلف وينظم، والرعيني يكتب واشتهر بالأعمى والبصير، ومات في البيرة سنة ٨٧٠ هـ، وكان مولده سنة ٦٩٠ هـ، وله عدة مصنفات ومؤلفات منها: "شرح ألفية ابن مالك" وغيرها. (انظر: مفتاح السعادة ١/ ١٥٦. بغية الوعاة ٤. نفح الطيب ٢/ ٦٦٨ و٤/ ٧٦٨. نكت الهميان ٢٤٤ - ٢٤٦).
(٣) بحر الكامل.
(٤) بحر الرجز.
(٥) في بدائع الزهور ١/ ١٠٨/ ٢: "شرفهم".
(٦) بحر الكامل.
(٧) بحر الطويل.
[ ٢٣٤ ]
الشافعية بالديار المصريّة، وبُرهان الدين هذا هو ابن أخي قاضي القضاة عزّ الدين ابن جماعة. (^١)
ثُم دخلت سنة أربع وسبعين وسبعمائة، فيها: توفي الأتابكي منكلي بغا الشمسي، فأخلع السلطان على المقر السيفي الجاي اليوسفي، واستقر أتابك العساكر بمصر عوضًا عن منكلي بغا الشمسي.
وفيها: أنعم السلطان على ولده الأمير علي بتقدمة ألف.
وفيها: توفيت خوند والدة السلطان الملك الأشرف شعبان، وكانت متزوّجة بالمقرالأتابكي الجاي اليوسفي.
وكانت ديّنة خيّرة، وَلهَا برِّ وَمعرُوفٌ، كثيرة البرّ وَالصدقات، وَمِنْ أَفعَالُهَا الحسنة أنها أنشأت مدرسة بالتبانة (^٢)، وَرَتبتْ بهَا دَرُوس للمذاهب الأربعة، ومكتبا للأيتام، وَحَوضًا للسبيل، وَجَعِلْت لِذلك أَوْقَافًا كثيرة.
وَلَمَا مَاتَتْ دُفنت بهذه المدرسة، فحزن عليها السلطان الملك الأشرف حُزنًا شديدًا؛ لأنهُ كانَ يُحبها ولا يُخالفها فيما تُريد مِنْ أُمور المملكة من الشفاعات وغيرها، ولما ماتت رَتَاهَا الأديب شهاب الدين ابن الأعرج السعدي (^٣)، وهو قوله:
_________________
(١) الخبر في: السلوك ٣/ ١/ ١٩٩ وبدائع الزهور ١/ ٢/ ١٠٨ - ١٠٩: أنه أخلع على الشيخ سراج الدين عمر البلقيني عوضا عن بهاء الدين السبكي بسبب وفاة السبكي، وليس كما هو مذكور هنا أن الخلعة كنت بسبب العزل وأن من تولي بعده هو برهان الدين ابن جماعة.
(٢) هذه المدرسة خارج باب زويلة بالقرب من قلعة الجبل، يعرف خطها بالتبانة وموضعها كان قديمًا مقبرة لأهل مصر، وهذه المدرسة لا تزال قائمة إلى اليوم باسم جامع أم السلطان بشارع باب الوزير الذي أصله من خط التبانة، والتبانة قديما المنطقة التي تمتد من باب الوزير إلى الدرب الأحمر بالقاهرة، وهذه المنطقة يتوسطها اليوم شارع باب الوزير وشارع التبانة بقسم الدرب الأحمر، وعرف بخط التبانة لأنه كان فيه الأسواق التي يباع فيها التبن اللازم لمؤونة دواب القاهرة، ومن محاسن المصادفات أنه يحتفظ بهذا الأسم من عهد المقريزي إلى اليوم. (راجع: النجوم الزاهرة ١٨٠/ ١٠ هامش ١ و١١/ ١٥٩).
(٣) هو الحسن بن محمد بن الحسين الخراساني نظام الدين المعروف بالأعرج، فاضل مفسر من أهل نيسابور سكن بقم، من كتبه ثلاثة تفاسير للقرآن الكريم و"تعبير التحرير" و"توضيح التذكرة النصيرية" في الهيئة. (انظر: هداية العارفين ١/ ٣٨٢؛ الذريعة ٤/ ٢٠٦، ٤٩٢).
[ ٢٣٥ ]
في ثاني العشرين من ذي القعدة (^١) … كانت صبيحة موت أم الأشرف
فالله يرحمها وَيُعظم أَجْرَهُ … وَيَكُون فِي عَاشُورِ مَوت اليوسفي (^٢)
فكان القال بالمنطق.
ثم دخلت سنة خمس وسبعين وسبعمائة، فيها: في يوم الثلاثاء سادس المحرم وثب الأتابكي الجاي اليوسفي على السلطان، ولبس آلة الحرب، وطلع هُوَ وَمَماليكه إلى الرملة، وسبب ذلك أنه قد حصل بينه وبين الملك الأشرف شعبان تشاجر؛ بسبب ميراث والدةَ السُلطان، فحنق منه ألجاي، وَرَكبَ وَأظهر المخامرة على السلطان.
فلما تحقق السلطان مخامرته، نادى للعسكر والأمراء بأن يركبوا علي الجاي، فركب العسكر جميعه وطلعوا إلى الرملة، واتقعوا مع الجاي إحدى عشر وجها؛ فانكسر الجاي وهرب إلى نحو بركة الحبش (^٣)، ثم طلع مِنْ وَرَاء الجبل الأحمر، ومضى إلى قبة النصر وَأَقَامَ هُناك، فأرسل السلطان خلفهُ فَأَبَا أَنْ يَحضر، فأرسل إليه خلعة هناك بأن يستقر نائب حماه، فَقَالَ: " أنا أروح بشرط أنْ يَكُون بَرْكي، وَقُماشي، ومماليكي معي "، فَمَا أجابه السلطان إلى ذلك، وبات العسكر ليلة الخميس لابسين آلة الحرب، فهرب من مماليك الجاي في تلك الليلة جماعة وأتُوا إلى عند السلطان.
فلما أصبح الصباح رسم السلطان للأمراء والمماليك السلطانية بأن يتوجهوا إلى قبة النصر وَيُحاربوا ألجاي، فلما أقبل عليه العسكر هرب من وجههم، فَسَاقُوا خلفه إلى نحو قليوب، فأرمى نفسه بفرسه في البحر، فغرق الجاي وطلع الفرس من البر الغربي، ثم إن العسكر مسكوا جماعة من مماليك الجاي، وأحضرُوهُم إلى القاهرة.
_________________
(١) في بدائع الزهور "في مستهل الشهر من ذي الحجة". انظر: السلوك ٣/ ١/ ٢١١ وبدائع الزهور ١/ ٢/ ١١٥. ونيل الأمل في ذيل الدول ٢/ ٥٢. وبلفظ ابن إياس في عقود الجمان في مآثر الإنافة في معالم الخلافة ٢/ ١٧٢. المواعظ والاعتبار ٤/ ٢٥٨.
(٢) بحر الكامل.
(٣) كانت في ظاهر مدينة الفسطاط من قبليها فيما بين النيل والجبل. وسميت بركة الحبش نسبة إلى قتادة بن قيس بن حبشي الصدفي، ممن شهد فتح مصر، وكانت له حدائق بجوار هذه البركة تعرف بالحبش فنسبت البركة إليها. وهذه البركة موقعها اليوم منطقة الأراضي الزراعية التابعة لزمام قرية دير الطين، وجزء عظيم من الأراضي الزراعية التابعة لقرية البساتين. (انظر: معجم البلدان ١/ ٤٠١. الخطط ٣/ ٢٦٩. النجوم الزاهرة ٥/ ١٤ هامش ٢).
[ ٢٣٦ ]
ثُم إن السلطان أرسل الغطاسين غاصوا عليه إلى أن طلعُوا بِهِ، فَأَحْضَرُوا لَهُ تابوت وأتُوا به إلى القاهرة وذلك في يوم الجمعة تاسع المحرم سنة خمس وسبعين وسبعمائة، فلما حضر إلى القاهرة غسَّلُوهُ، وكفنوه، وصلوا عليه، وَدفنُوهُ في جامعه الذي أنشأه في سويقة العزي (^١).
وَكَانَ الجاي أميرًا جَلِيلًا مَليًا مُهَابًا، كثير البر والصدقات، وكان زوج أم السلطان الملك الأشرف شعبان، ولو مسكة السلطان ما حصل له منه إلا كل خير.
ثُمَّ إِنَّ السلطان أرسل أحضر الأمير أيدمر نائب طرابلس، فَلَمَا حضر إلى الأبواب الشريفة أخلع عليه السلطان واستقر به أتابك العساكر عُوضًا عن الجاي، فَأَقَامَ مُدَّه يسيرة وَمَاتَ بالقاهرة، فأرسل السلطان خلف المقر السيفي منجك اليوسفي نائب الشام، فلما حضر إلى الأبواب الشريفة أخلع عليه السلطان واستقر به نائب السلطنة وأتابك العساكر، وفوّض إليه أمور المملكة جميعها، وَرَسمَ له بأن يخرج الأمريَات بالشامِ، وَأنْ يُولي الولاة والكشاف بالديار المصريّة (^٢)، وَرَسم له بأن يخرج الإقطاعات من أربعمائة دينار إلى ستمائة، وكانت عادة النواب بمصر لا يخرجوا من الإقطاعات أكثر من أربعمائة دينار، وفيه يَقُولُ شهاب الدين ابن أبي حجلة من أبياتِ:
أمنجك سُلَّ في الأَعدَاءِ بُتْرَكْ … ولا تترك من الإفرنج بترك
تداركت المعالي بالعوالي … ولكن فضل جودك ليس مُدرك
فجودك حول شاطي البحر بحري … فيا الله فيهِ مَاء أبوك (^٣)
وقد أنست مصرًا حين قالت (^٤) … تولى الله حيث حللت نصرك (^٥)
وَفِيهَا: أخلع السلطان على مملوكه المقر السيفي أرغون شاه الأشرفي واستقر به رأس نوبة النوب.
_________________
(١) سويقة العزي: هذه السويقة خارج باب زويلة قريبا من قلعة الجبل بالقاهرة، عرفت هذه السويقة بالأمير عز الدين أيبك العزي نقيب الجيوش، واستشهد على عكا عندما فتحها الأشرف خليل بن قلاوون في يوم الجمعة سابع عشر جمادي الآخرة سنة تسعين وستمائة، وهذه السويقة عامرة بعمارة ما حولها. (انظر: الخطط المقريزي ٣/ ١٩٣، ٤/ ٢٥٧. النجوم الزاهرة، ابن تغري بردي، ٨/ ٢٠٤ هامش (٣).
(٢) الكشاف: قبل استحداث النيابة بالوجهين القبلي والبحري كان بهما كاشفان يعبر عن كل منهما بوالي الولاة. (راجع: صبح الأعشى، القلقشندي، ٤/ ٦٦).
(٣) هذا البيت لم يرد في بدائع الزهور.
(٤) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ١٤٩: "وفيك تقول مصر حين تشدو".
(٥) بحر الوافر.
[ ٢٣٧ ]
وَفِيهَا: كان الغلاء بالديار المصريّة، وسبب ذلك توقف النيل عند الوفاء، ونقص أصبعين، فخرج الناس قاطبة إلى الصحراء يستسقون، وذلك في يوم الخميس ثالث ربيع الآخر من السنة المذكورة، فخرج الناس إلى نحو قبة النصر، وأحضروا هناك منبرًا، واجتمع القُضاة، والفقراء، والمشايخ، وَأَعيَان الناس من الأمراء وغيرهم، والخليفة، ولم ينزل السلطان، وكان الذي خطب خطبة الاستسقاء الشيخ شمس الدين بن القسطلاني خطيب جامع عمرو، فَلمَا خطب ودعى كشف رأسهُ وَحَوَّلَ رداءه، فكشفوا النَّاسُ رُؤوسهُم، وَاسْتَغَاثُوا إِلَى الله تعالى بالدعاءِ، وَكَانَ يَومًا مشهُودًا تُسكب فيه العبرات، فلم يزد النيل بعد ذلك شيئًا (^١)، وتزايد سعر القمح وجميع الغلات، وقد انتهى السعر من سبعين درهما كل أردب إلى مائة وعشرين (^٢) درهما، وأشتد الأمر على الناس، وشرقت البلاد في تلك السنة، وقلت الأقوات.
فرسم السلطان للأتابكي منجك بأن يجمع الحرافيش ويفرقهم على الأمراء المقدمين لكلِّ أمير مُقدّم ألف مائة حرفوش، وعلى أعيان التجار ومساتير الناس لكلّ واحدٍ بحسب مقامهِ وَقدرته على ذلك، ثم إن السلطان نادى بأن كل من شحت مِنَ الحرافيش من بعد ذلك صلب من غير مُعَاوده، وَرَسم السلطان بأنْ يَعطُوهُم في كلِّ يومٍ رَطلين منَ الخُبز وَمَا يُشاكل ذلك مِنَ الطِعَامِ.
ثُم دخلت سنة ست وسبعين وسبعمائة، فيها تناهي سعر الغلة إلى مائة وأربعين درهما كلّ أردب والشعير بثمانين درهما كل أردب، والخُبز كل رطلين إِلَّا رُبع بدرهم، وصار أكثر الناسِ يَأْكلون خُبز الفول والنخال، وَأُبيع اللحم الضان كل رطل بدرهمين ونصف، واللحم البقري كلّ رطل بدرهم ونصف، والراوية الماء بخمسة دراهم، وَمَاتَ في تلك السنة أكثر الدواب من قلة العلف، وغلاء سائر البضائع في تلك السنة، حتى أتباع كلّ بطيخة صيفي بمائة درهم، وكلّ دجاجة بعشرة دراهم، وكلّ رُمانة بستة عشر درهمًا، وَجَاء عقيب ذلك فناء عظيم وَأَوْخَام زائدة، وكان ذلك في شهر رمضان من السنة المذكورة (^٣).
_________________
(١) الخبر في السلوك ٣/ ١/ ٢١٩. ولم يرد هذا الخبر في بدائع الزهور.
(٢) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ١٣٨: "مائة وعشرة".
(٣) جاء خبر الغلاء في بدائع الزهور مقطعًا ومقسمًا على أحداث سنة ٧٧٥ هـ وسنة ٧٧٦ هـ وداخل كل سنة مقسم على الشهور: ١/ ٢/ ١٢٧، ١٣٣، ١٣٨، ١٤٠، ١٤١، ١٤٣. وكذلك في السلوك ٣/ ١/ ٢١٨ - ٢١٩، ٢٢١، ٢٢٣، ٢٢٩، ٢٣٢، ٢٣٤ - ٢٣٣، ٢٣٥، ٢٣٦، ٢٣٧. وقارن الأسعار في السلوك وبدائع الزهور.
[ ٢٣٨ ]
وَفِيهَا: جاءت الأخبار بفتح مدينة سيس، وكانت في أيدي الأَرمَن مُدَّة طويلة، ففرح السلطان بذلك، وأمر بدق الكوسات ثلاثة أيام، وَأُحضر التكفُور (^١) صاحب سيس أسيرًا إلى الأبواب الشريفة، فَرَسم السلطان باعتقالهِ وَرَتبَ لَهُ ما يكفيه، وفي فتح سيس يَقُولُ بَعض الشعراء منْ أبِيَاتِ:
الملك الأشرف إقباله … تهدى له كل عزيز نفيس
ساق إلى سوق العدى أدهما … وساعد الجيش على أخذ سيسن (^٢)
وفيها: جاءت الأخبار بأن القان أويس صاحب بغداد قد توفى إلى رحمة الله تعالى، وتولى بعده ابنه الأكبر شيخ حسين، وكانتْ مُدّة مملكة ألقان أُويس على بغداد وتوريز (^٣) تسع عشرة سنة.
وَفِيهَا تُوفى المقر السيفي منجك اليوسفي نائب السلطنه بالديار المصرية وأتابك العساكر، وذلك في يوم الخميس تاسع عشرين ذي الحجة من السنة المذكورة، وَمَاتَ وَلهُ منَ العُمر نحو سبعين سنة، وَدُفن في خَانِقَاتِهِ التي أنشأها تحت القلعة بالقرب من الصُّوَّةِ، وَكَانَ أميرًا دَينًا خيرًا، كثير البر والصدقات، وَلهُ آثارٌ كثيرة بمصر والشام.
ثُم دخلت سنة سبع وسبعين وسبعمائة أقولُ وهذه السنة عزيزة الوقوع جدا، لم يتفق مثلها من مبتدأ الإسلام من سنين الهجرة النبوية، ولم يتفق أن يأتي مثلها من السنين القابلة، وذلك قد اجتمع فيها ثلاث سباع فهي سنة سبع وسبعين وسبعمائة، وهذا غير ممكن أن يتفق مثلها مما يأتي من الأعوام القابلة وللعاقل في هذا نظر.
ففيها: ختّنَ السلطان الملك الأشرف شعبان أوْلَادِه، وأَقَامَ المُهم عمال في القلعة سبعة أيام، وكان ذلك في تاسع المحرم.
_________________
(١) في الأصل "التكنور"، والصحيح التكفور في السلوك ٣/ ١/ ٢٣٧ وبدائع الزهور ١/ ٢/ ١٣٩. والتكفور هو لقب على ملوك أرمينيا الصغرى، متملكي سيس. (انظر: السلوك ٣/ ١/ ٢٧ هامش والتعريف بالمصطلح الشريف ص ٨٠)
(٢) بحر السريع؛ ذكر ابن إياس في بدائع الزهور ١/ ٢/ ١٣٩ - ١٤٠: الأبيات لبدر الدين ابن حبيب.
(٣) هو الاسم الذي كان جاريا على ألسنة العامة للدلالة على مدينة تبريز أشهر مدن أذربيجان. انظر: صبح الأعشى ٤/ ٣٥٨).
[ ٢٣٩ ]
وفيها: ابتداء السلطان بعمارة مدرسته (^١) التي أنشأها في رأس الصوّة (^٢) تجاه الطبلخَانَاة السلطانيّة، وَكانَ غَالِبَ النّاس يتطيرون من حوادث هذه السنة، فلم يحصل فيها إلا كل خير.
ثُم دخلت سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، فيها: أبطل السلطان ضمان المغاني من سائر مملكته واستمر ذلك إلى الآن، وهوَ جَائِزٌ في صحيفتهِ، وَأَبطَلَ ضمان القراريط، وكان ذلك أن الشخص إذَا أبَاع ملكا يُوخذ منه لبيت المال عن كل ألف درهم عشرين درهما نقرة، فأبطل ذلك جميعه.
وفيها: توعك جسد السلطان، وَأَقَامَ أَيَامًا ثُمَّ شُفي.
وفيها: قوي عزم السلطان إلى السفر إلى الحجاز الشريف، فأَشَارَ عليه بعض الصلحاء بترك الحج في هذه السنة، فلم يسمع مِنْ أَحدٍ.
فلما كَانَ يَوم السبت ثاني عشر شوال، خرجَ طَلبَ السُلطَانِ، وَأَطلاب الأمراء المُسافرين صحبته وَمَما اشتمل عليه طلب السلطان من الهجن عشرين قطار بقماش ذهب، وخمسة عشر قطار هجن بقماش حرير، وقطار هجن مُلبسه خليفتي، وقطار هجن بقماش أبيض برسم الإحرام، ومائتين فرس ملبسه بركستوانات حرير ملون، وكجاوتين زركش، وتسع محفات بأعشية زركش، وستة وأربعين زوج محائر مخمل ملون، وقطارين جمال محملة أشجار مزهرة في طينهم في صناديق خشب، وغير ذلك من جمالٍ مُحملة سكر، وحلوى، وفاكهة، وما أشبه ذلك (^٣).
ثم خرج السلطان في يوم الإثنين رابع عشر شوال، فلما نزل من القلعة توجه إلى سرياقوس، وَأَقَامَ بهَا إلى يوم الثلاثاء ثاني عشرين شوال، ولما أقام السلطان بسرياقوس أخلع الشيخ ضياء الدين القنوي (^٤) واستقر به شيخ مدرسته التي
_________________
(١) كانت هذه المدرسة برأس الرميلة تجاه القلعة، أنشأها الملك الأشرف شعبان وجعلها من محاسن الدنيا (الخطط التوفيقية، على مبارك، ٢/ ٣).
(٢) في الأصل (السوة). وردت قبل قليل بالصاد.
(٣) قارن الأعداد في السلوك ٣/ ١/ ٢٧٢ - ٢٧٣ والنجوم الزاهرة ١١/ ٦٩ - ٧٠ وبدائع الزهور ١/ ٢/ ١٧٢ وجواهر السلوك ٢١٩، لاختلاف الأعداد بين عقود الجمان وبدائع الزهور، وتشابهها مع السلوك.
(٤) في السلوك ٣/ ١/ ٢٧٣ والنجوم الزاهرة ١١/ ٧٠: "الشيخ ضياء الدين القرمي"؛ وهكذا ورد الاسم في المصادر.
[ ٢٤٠ ]
أنشأها برأس الصُّوَّة، وَقَرَّرَ فيها حُضُورًا من بعد العصر، وكانت هذه المدرسة من محاسن الدنيا في الزخرف والبناء، وقدْ هُدِمتْ هذهِ المدرسة في دولة الملك الناصر فرج بن برقوق.
ثُمَّ إِنَّ السلطان رَحلَ مِنْ سِريَاقُوس وتوجّه إلى بركة الحاج ونزلَ بهَا، وَكَانَ صحبتهُ مِنَ الأمْرَاءِ المُقدّمين تسعة، وَهُمْ المقر السيفي أرغون شاه الأشرفي أتابك العساكر، والمقر السيفي صرغتمش الأشرفي أمير سلاح، والمقر السيفي بيبغا السابقي أمير مجلس، والمقر السيفي بهادر الجمالي أمير خُور كبير، والمقر السيفي صُرَاي تمر المحمدي رأس نوبة النوب، والمقر السيفي طشتمر العلائي الدوادار، والأمير مُبارك شاه الطازي، والأمير طلقتمر العلائي الطويل، والأمير بشتاك الكريمي، ومن الأمراء الطبلخاناة خمسة وعشرين أميرًا، ومن الأمراء العشراوات خمسة عشر أميرًا.
ثُمَ إن السلطان جَعَلَ المقر السيفي أقتمر عبد الغني نائب السلطنة مُقيمًا بالقاهرة، وجعل الأمير أيدمر الشمسي نائب الغيبة، وَرَسم لنائب السلطنة، وَسَائر الأمراء المقيمين بالقاهرة بأن يطلعوا إلى القلعة في كلّ يوم أثنين وخميس وَيَعطُوا الخدمة للأسياد أولاد السلطان، فصار الأمراء يجلسون على باب الستارة ويخرج إليهم ابن السلطان وهو الأمير عليّ، وكان أكبر أولاده، فيجلس الأمراء ساعة لطيفة عَلى بَاب الستارة، ثُم يقوم الأمير عليّ ولد السلطان وَيَقُولُ بيده: "بسم الله"، فيقوم الأمراء وينصرفوا بعد أن يشربوا السكر.
ثم إن السلطان رحل من بركة الحاج وقصد التوجّه إلى الحجاز الشريف، وَكَانَ السلطان قد ضبط أمور المملكة قبل أن يخرج إلى الحجاز، وأخذ معه من الأمراء من كان يخشى أمره، وترك بالقاهرة من كان يركن إليه من الأمراء، وظن أن الوقت قد صفا له والأقدار تجرى بخلاف الاختيار، كما يقالُ في المعنى:
إِذَا لَمْ يَكُنْ عَوْنَ مِنَ الله لِلْفَتَى … فَأَوَّلُ مَا يَجْنِي عَلَيْهِ اجْتِهَادُهُ (^١)
فَلَمَا رَحلَ السلطان من بركة الحاج رجع الأمراء المُودَّعُون لهُ إلى بيوتهم، واستقر الأمر على ذلك.
_________________
(١) بحر الطويل؛ البيت للتنوخي في كتابه الفرج بعد الشدة (١/ ١٧٧). والراغب الأصفهاني في محاضرات الأدباء (١/ ٥٣٢) ذكر أن البيت لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁. وذكره اللبيب في (الدرة الصقيلة ص ١٦٦) في شرح البيت نفسه من الرائية ونسبه إلى النميري.
[ ٢٤١ ]
فلما كان يوم السبت ثالث القعدة أتفق الأمير طشتمر المحمدي اللفاف أحد الأمراء العشراوات، والأمير قرطاي الطازي أحد رؤوس النوب، والأمير أسندمر الصرغتمشي، والأمير أينبك البدري أحد الأمراء الطبلخانَاة، وَجَماعة من المماليك السلطانيّة، وجماعة مماليك الأسياد، وجماعة من مماليك الأمراء المُسافرين صحبة السلطان، فلبسوا آلة الحرب في يوم السبت المذكور، وطلعوا إلى الرملة، وَوَقفُوا سَاعة، ثُمَّ طَلَعُوا إلى القلعة، واجتمعوا بالمماليك الذي (^١) في الطباق، فألبسوهم آلة الحرب أيضًا، ثم اجتمعُوا كُلَّهُم وَأْتُوا إِلَى بَابِ الستارة، ودقوا الباب، فخرج إليهم الأمير الزمام وهو مثقال الجمالي، والأمير جُلبان العلائي اللالا، والأمير قُطلوبغا جركس اللالا، فَقَالُوا لَهُمْ: "إيش الخبر"، فقَالُوا: "أعطُونَا الأمير علي ابن السلطان حتى نُسلطنهُ فَإِنْ قَدْ بَلعْنَا أَنَ وَالدَهُ الملك الأشرف شعبان قدْ مَاتَ بالعقبة".
فتوقف الأمير الزمام ساعة، فعيّنُوا له القتل، فدخل إلى الحريم وأخرج لهم الأمير عليّ، فأجلسهُ عَلَى بَابِ السّتارة، ثُم إنهم أحضروا نائب الغيبة الأمير أيدمر الشمسي، وَبَاسُوا للأمير على الأرض، ثُم توجهوا به إلى الإيوان السلطاني، فأجلَسُوهُ عَلى التخت، وأرسلوا طلبوا الأمراء الذين بالمدينة، فطلعوا إلى سوق الخيل، فطلبوهم أن يطلعوا إلى القلعة، فأبوا من ذلك، فأنزلوا لهم بالأمير عليّ إلى بَابِ السلسلة، وجلس بالحراقة التي في الأسطبل السلطاني، فطلعوا إليه سائر الأمراء الذين بالمدينة، وَبَاسُوا له الأرض وحلفوا له، ثم إن المماليك مسكوا في ذلك اليوم جماعة من الأمراء العشراوات، وَهُمْ طشتمر الصالحي، وَبَلاط السيفي الجاي، وخطط اليلبُغَاوي أحد رؤوس النوب، وسجنُوهُم بالقصر، ثُم قَالُوا لوالي القاهرة أنزل نادي في المدينة بالأمان والاطمان، وَالدُّعَاء للسُلطان الملك المنصور عليّ، فنزل الوالي ونادى في المدينة بذلك.
وَأَقَامُوا إلى يوم الأحد وَهُمْ لابسون آلة الحرب، فلما كان وقت الظهر اشتاع الخبر بأن شخصا من المماليك السلطانية قبض على شخص من المماليك يُسمى قازان اليرقشي أمير أخور، وكان قد توجّه صحبة السلطان الملك الأشرف شعبان إلى الحجاز الشريف، فوجدوه في المدينة متنكرا فمسكوه، وجاءوا به إلى الأمير أيدمر الشمسي نائب الغيبة، فسألُوهُ عن سبب مجيئه،
_________________
(١) كذا في الأصل، الصواب "الذين".
[ ٢٤٢ ]
فِصَارَ يُمغمغ في الكلام، فعرَّوهُ وَأَرَادُوا توسيطه، فقال لهم: "أمهلوا حتى أخبركم القصة".
ثُم حكى لهم أن السلطان لما وصل إلى العقبة في يوم الثلاثاء فَأَقَامَ بِهَا ذلك اليوم، فلما أصبح نهار الأربعاء طلبوا منه المماليك السلطانية العليق (^١)، فقَالَ لهم: "أصبروا إلى الأزنم (^٢) "، فلما مَدَّ لهم السماط فلم يحضر من المماليك السلطانية أحد، وأبوا أن يأكلوا السماط، واتفقوا بأن يركبوا على السلطان هناك.
وَكَانَ الذي وافق المماليك على الركوب من الأمراء: الأمير طشتمر العلائي الدوادار الكبير، والأمير مُبارك الطازي، والأمير صراي تمر المحمدي، والأمير قطلقتمر العلائي الطويل، فركبوا على السلطان في يوم الخميس، وركب معهم جماعة كثيرة من مماليكِ الأسياد فتحاربوا مع السلطان، فأنكسر السلطان وهربَ هُوَ وَجَماعة من الأمرَاءِ، وَهُمْ: الأتابكي أرغون شاه الأشرفي، والأمير ضرغتمش الأشرفي أمير سلاح، والأمير بيبغا السابقي، والأمير بشتاك الكريمي، والأمير أرغون كتك، والأمير يَلبُغَا الناصري، وجماعة من المماليك السلطانية، وقد فارقت السلطان والأمراء بعجُرود (^٣) وَهُمْ عَلَى مُجِيء في هذهِ الليلة، فعند ذلك ركب الأمير أسندمر الصرغتمشي، والأمير طُولُو، وجماعة كثيرة من المماليك السلطانيّة، وتوجهوا إلى بركة الحاج فَوَجَدُوا الأمراء الذين توجهوا مع السلطان، ولم يجدوا معهم السلطان ولا الأمير يلبغا الناصري ولا الأتابكي أرغون شاه الأشرفي، فقتلوا الأمراء الذي (^٤) جَاءوا مع السلطان، وحملوا رؤوسهم إلى القاهرةِ، وَعَلَقُوهُم عَلى بَابِ القلعة، هذَا مَا كَانَ من أمر الأمراء.
وَأَمَا مَا كانَ من أمر السلطان الملك الأشرف شعبان فأن محمد بن عيسي الهجان أمير العائد قَالَ للسُلطان: "أنا أخذك وأتوجه بك إلى نحو بلاد الشام فتقيم
_________________
(١) ويقصد بالعليق أكل الدواب.
(٢) الأزلم: كانت محطة من محطات الحجاج في الطريق بين القاهرة ومكة المشرفة، بها قلعة خربة وآبار غير صالحة للشرب، ويباع عندها الحشيش الغذاء الدواب، والسمن والغنم والسمك وغير ذلك مما تجلبه العرب. (الخطط التوفيقية، على مبارك، ٩/ ٢٦).
(٣) عجرود منطقة صحراوية إحدى محطات الحاج القديمة على الطريق ما بين القاهرة والسويس، تقع في الجهة البحرية الغربية من السويس على بعد عشرين كيلو متر. (النجوم الزاهرة ١١/ ٧٤ هامش ٢ والخطط التوفيقية ٧/ ١٤).
(٤) كذا في الأصل، الصواب "الذين".
[ ٢٤٣ ]
بغزة، وتجمع العساكر وسائر عُربان بلاد الشام، وتدخل إلى القاهرة، وتأخذ مملكتك بالسيف"، فوافقه السلطان على ذلك، وَأرَادَ أنْ يتوجه معه إلى غزة، فلم يُوافقه على ذلك الأتابكي أرغون شاه ولا الأمير يلبغا الناصري، وَدَخَلُوا إلى القاهرة تحت الليل، فأختفى السلطان تلك الليلة في تُربة في الصحراء، فلما أخذه قرار في تلك الليلة فتوجه مِنْ هُناك آخر الليل إلى الجودرية، فاختفي عند امرأة في الجودرية تُسمى أمنه زوجة ابن المشتولي، كانت تربية خوند أم السلطان، فأَقَام عِنْدَهَا مُختفى.
فلما كانت ليلة الإثنين جاءت امرأة (^١) إلى الأمير أينبك البدري، وأخبرته بأن السلطان مختفى في مكان بالجودرية (^٢)، فأرسل معها مماليك، ومعهم الأمير الطنبغا السلطاني، فتوجهت بهم إلى بيت أمنه زوجة ابن المشتولي، فكبسوا البيت المذكور، فهرب السلطان واختفى بالبادهنج (^٣)، فطلعوا إلى السطح فتشوا عليه فوجدوه في البادهنج، فمسكُوهُ، ثُم إنهم نهبوا كلّ شيء كان في البيت (^٤)، وطلعوا بالسلطان إلى القلعة، وهو راكب فرس، فتسلمه الأمير أينبك البدري، وخلا به تلك الليلة، وَبَات يُعاقبه ويقرره على الذخائر (^٥) كلها، فأخبره عنها.
فلما كانت ليلة الثلاثاء دخل جركس مملوك الجاي اليوسفي وكان شاد العمائر عند الجاي، فتسلّم السلطان الملك الأشرف شعبان، وخنقه بوترٍ تَحتَ الليل حتى مَاتَ، وذلك في ليلة الثلاثاء سادس ذي القعدة سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، فلما مَاتَ وَضعه في قُفةٍ وكسر ظهره وخيط عليه بلاس، وأرسله تحت الليل على حمار، فأَرمَاهُ في بئر بالقرب من بَابِ الزغلة عند المجراة، فمات شهيدًا، رحمة الله عليه، فكان الأمر كما قد قيل:
_________________
(١) الخبر في بدائع الزهور ١/ ٢/ ١٨٠: أن المرأة التي أخبرت عن مكان السلطان هي نفسها "أمنة" التي نزل السلطان في بيتها؛ أما في المصادر الأخرى: أن امرأة بلغت عن وجود السلطان في بيت أمنة. (انظر: السلوك ٣/ ١/ ٢٨١ والنجوم الزاهرة ١١/ ٧٥) وهذا يتطابق ما ذكره ابن إياس هنا.
(٢) الجودرية: حارة في القاهرة باسم طائفة من العسكر أيام الحاكم بأمر الله الفاطمي، موقعها المنطقة التي يخترقها اليوم شارع الجودرية وفروعه وحارة الجودرية الكبيرة وحارة الجودرية الصغيرة وعطفة الجودرية بالقاهرة. (الخطط المقريزية ٣/ ٩ والنجوم الزاهرة ٤/ ٥١ هامش (٣).
(٣) كلمة فارسية، معناها المنفذ الهوائي في أعلى المنزل وهو ما يعبر عنه العوام بالشخشيخة. (النحوم الزاهرة: ١١/ ٧٦ هامش ٢ نقلا عن قاموس استنجاس).
(٤) في الأصل "البيب".
(٥) في الأصل "الدخاير".
[ ٢٤٤ ]
يَا نَفْسِ صَبْرًا وَإِلَّا فَاهْلِكِي جَزَعًا … إِنَّ الزَّمَانَ عَلَى مَا تَكْرَهِيْنَ بُنِي
لَا تَحْسِبي نغمة سَرَّتْكِ صُحْبتهَا … إِلَّا بِمِفْتَاحِ (^١) أَبْوَابٍ مِنَ الحَزَنِ (^٢)
هذَا مَا كانَ من أمر الملك الأشرف شعبان.
وَأَمَا مَا كانَ من أمر الأمراء الذين خَامِرُوا عَلى السلطان في العقبة فأنهم لما أنْ هَربَ السلطان ومن معه من الأمراء، فاجتمع الأمراء الذي (^٣) كانوا بالعقبة، وَجَاءوا إلى الخليفة المتوكل على الله، وَكانَ صُحبة السلطان لما سافر، فَقَالُوا لَهُ: "يا أمير المؤمنين أعمل أنتَ سُلطان"، فحلف الخليفة أنه ما يتسلطن وامتنع كلّ الامتناع، فأقَامُوا العسكر والأمراء على ذلك يومين وَهُمْ يَسأَلُون الخليفة، وَهُوَ يمتنع من ذلك، فلما طال الأمر توجهوا القضاة الأربعة الذين كانُوا صُحبة السلطان من العقبة إلى زيارة بيت المقدس الشريف.
وَأَما بقية الحجاج فإن الأمراء عيّنوا الأمير بهادر الجمالي أمير أخور كبير بأن يتوجه صحبة الحاج أمير المحمل، وَجَعَلُوا الأول والمحمل فرد ركب.
ثُم إن الأمراء والعسكر أخذُوا الخليفة وتوجهوا إلى القاهرة وصحبتهم حريم السلطان الملك الأشرف شعبان، فلما وصلوا إلى عجرود جاءت الأخبار لهُم بِمَا جرى في القاهرة من قتل السلطان وسلطنة ولده على الملك المنصور.
ومن غريب الاتفاق أن اليوم الذي خَامِرُوا فيه المماليك، وَرَكبُوا على السلطان في العقبة وافق اليوم الذي ركبوا فيه الأمراء والمماليك بالقاهرة، وَوَقعتْ فيه الفتنة بمصر، فلما وصل الأمراء من العقبة إلى بركة الحاج، فجاءت الأخبار إلى القاهرة بذلك فتوجه إليهم جماعة من الأمراء والمماليك السلطانية، فتلاقوا معهم في الريدانيّة، فاتقعُوا هناك فأنكسر الأمراء الذي (^٤) خرجوا لهم من القاهرة وَسَاقَ خلفهم الأمير قطلقتمر العلائي الطويل إلى رأس الصوة، فتكاثروا عليه المماليك السلطانية فمسكُوهُ مِنْ وَقتهِ، وَأحضروا به إلى المقر السيفي أقتمر عبد الغني نائب السلطنة، فتلقاه وأكرمه، ثم إن الأمير طشتمر الدوادار الكبير اتقع مع
_________________
(١) في المصادر "مفاتيح". انظر: المنتظم ١٣/ ٨٨. الدر الفريد وبيت القصيد ٣/ ٣٧٩. مسالك الأبصار في ممالك الأمصار ٧/ ٣٠٥.
(٢) بحر السريع البيتان لابن المعتز. انظر: المنتظم ١٣/ ٨٨. الدر الفريد وبيت القصيد ٣/ ٣٧٩. مسالك الأبصار في ممالك الأمصار ٧/ ٣٠٥. ولم يرد البيتان في بدائع الزهور.
(٣) كذا في الأصل، الصواب "الذين".
(٤) كذا في الأصل، الصواب "الذين".
[ ٢٤٥ ]
العسكر إلى بعد المغرب عدّة وجوه، فأنكسر طشتمر وهرب إلى نحو الباب المحروق، فاختفى في تُربة هناك، وَأَرسلَ يَطلب الأمان مِنَ الْأَمْرَاءِ، فَأَرْسِلُوا إِليه بالأمان، فلما حضر بين يدى الأمراء قبضوا عليه وقيدوه، وأرسلوه إلى السجن بثغر الإسكندرية، وفي ذلك يَقُولُ شهاب الدين ابن العطار:
إن كان طشتمر طَغَى … وأتى لحرب يُسرع
وبغى سيُؤخذ عاجلا … ولكل باغ مصرَعُ (^١)
قِيلَ: وَلمَا قُتل الملك الأشرف شعبان أقام في البئر أيامًا حتى ظهرت رائحته فطلعُوا بِهِ مِنَ البئر بعض التَّرابه فمرّ به بعض خُدَامِه فعرفه بإمارة كانتْ فيهِ، فلما دخل الكيل أخذ ذلك الخادم جماعة من خُشدَاشينه ومعهم تَابُوت، فحملُوهُ فيه، وأحضروه إلى مدرسة والدته التي بالتبانة، فغسلُوهُ هُناك وكفنونهُ وَصَلُّوا عليه ودفنوه في القبة التي تجاه قُبة والدته، رحمة الله عليه (^٢).
وَكَانَ الملك الأشرف شعبان من حسناتِ الزمان في العَدْلِ وَالحِلْمِ، وَكَانَ مِلكًا هينا لينا مُحبًا للعُلماء والفقراء مُنقَادًا إلى الشرع، وَكانَ مُحسنًا لأقاربه، وبني عمه وأخوته، وينعم عليهم بخلاف من تقدّمه من أقاربه، وكانت الدنيا في أيامه هَادِية من الفتن من التركمان والعُربان وغيرهم، وقد قَالَ مِنْ مَدَحه:
بالملك الأشرف المفدى … شعبان فزنا بكل فضل
من وطن الكون والرعايا … بطي ظلم ونشر عدل (^٣)
وقيل فيه أيضًا:
للملك الأشرف السلطان سيّدنا … مناقب بعضها يبدو به العجب
له خلائق بيض لَا يُغيّرها … صرف الزمان كما لا يصدأ الذهب (^٤)
وَكَانَ مَولده في سنة أربع وخمسين وسبعمائة، وتولى الملك ولهُ مِنَ العُمر عشر سنين (^٥)، وَمَاتَ وَلهُ منَ العُمر أربع وعشرين سنة.
_________________
(١) بحر مجزوء الكامل؛ لم يرد البيتان في بدائع الزهور، في جواهر السلوك ٢٢٢.
(٢) في السلوك ٣/ ١/ ٢٨٢ والنجوم الزاهرة ١١/ ٧٦: أنه دفن بالقبة التي بها أمه، وذكر ابن إياس هنا وبدائع الزهور ١/ ٢/ ١٨٢: أنه دفن في قبة أخرى غير قبة أمه، وجاء في النجوم الزاهرة ١١/ ٥٩ هامش ١: "وبالبحث تبين لي أنه يوجد إلى اليوم تجاه المدرسة المذكورة بقايا قبة قديمة بجوار زاوية الهنود بشارع باب الوزير ومن المحتمل أنها هي القبة التي دفن فيها السلطان شعبان، كما ذكر ابن إياس".
(٣) بحر مخلع البسط.
(٤) بحر البسيط؛ البيتان لشهاب الدين أحمد بن العطار. انظر: النجوم الزاهرة ١١/ ٨٣.
(٥) سبق وتم التعليق على عمر السلطان في ذكره.
[ ٢٤٦ ]
وكانت مدة سلطنته بالديار المصريّة أربع عشرة سنة وشهرين وعشرين يومًا، وكانت قتلته في ليلة الثلاثاء خامس ذي القعدة سنة ثمان وسبعين وسبعمائة.
ولما مات خلف من الأولاد ستة بنين، وَهُمْ: سيدي علي الذي تسلطن بعده، وسيدي أمير حاج، وسيدي قاسم سيدي محمد، وسيدي إسماعيل، وسيدي أبو بكر، وَوُلدَ له بعد موته سيدي أحمد الذي من خوند سمرا، وخلف سبع بنات (^١).
وَأَمَّا فَتُوحَاته فمدينة سيس، وسنجار، وَدُوْرِكي (^٢).
ومن إنشائه المدرسة التي كانت في رأس الصوة تُجَاه الطبلخانَاة السلطانية؛ ومن إنشائه الأشرفية التي بالقلعة وغير ذلك.
وَكَانَ في أَيامِهِ مِنَ الأمرَاءِ الطبلخَانَاة والعشراوات جماعة كثيرة منْ أَوْلَادِ الناسِ، وَهُمْ: الأمير عبد الله بن بكتمر الحاجب، وأمير حاج بن مغلطاي، وعلي ابن منجك اليوسفي، ومحمد بن تنكزبغَا، وأحمد بن يَلبُغَا العُمري، وَمُوسى بن دندار، وَقُرِطقًا بن سُوسُون.
وَمِنَ الأمْرَاءِ العشراوَاتِ، وَهُمْ: أبو بكر بن سنقر الجمالي، وأحمد بن محمد بن لاجين، ومحمد بن بكتمر الشمسي، ومحمد بن قطلوبغا المحمدي، ومحمد بن سنقر المحمدي، وخضر بن عمر بن أحمد بن بكتمر الساقي، وغير ذلك من أولاد الأمراء.
وَفِي الجُملة أنهُ كَانَ مِلكًا جليلًا، مُهَابًا، كريمًا، عارفًا بتدبير أمور المملكة، مستجلبا بالإحسان قلوب الرعيّة، مُجريًا أمورهم على القواعد المُرضية.
وَلَمَا مَاتَ رثَاهُ القيم الأديب خلفِ الغُباري بهذه القطعة الزجل وهي هذه:
عن منازل طالع القلعة … كوكب السعد اختفى حين بان
اقتران زحل مع المريخ … وكسوف شمس انتقال شعبان
_________________
(١) الخبر في السلوك ٣/ ١/ ٢٨٣: "من الأولاد سبعة؛ وبدائع الزهور ١/ ٢/ ١٨٢: "من الأولاد ستة" والسابع ولد بعد موت السلطان.
(٢) دوركي بضم الدال المهملة وسكون الواو، وكسر الراء، والكاف بعدها ياء النسبة من بلاد الروم، وهي من مضافات حلب. (مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع، صفي الدين عبد المؤمن القطيعي، ٢/ ٥٤٠).
[ ٢٤٧ ]
صار محرم نومنا لما … صفر المنزل من الأشرف
وَادَّخِرْ مِنّا ربيع (^١) العيش … وَجُمادَين فتكهُمْ أسرف
ورجب فيه الملك شعبان … دوّرَ المحمل ولما أشرف
رمضان صاموا وفي شوال … شال وذي القعدة بدا الحرمان
فيه جرت سيرة لذي الحجة … ما جرت في سالف الأزمان
قد فهمنا أصل ذي النوبة … بسماع ما جاء من الأخبار
في حصار شعبان وفي ضربو … نوبتين والخنق بالأوتار
ولذا صار قلبنا موصول … بالهموم والعقل منا طار
وخروج السهم لو [تشييب] (^٢) … في القصب من داخل الأبدان
والسيوف غنت لرقص الخيل … والأنامل هزت العيدان
للحجاز لما نوي الأشرف … وَرَحل مع جملة العُشاق
خامرت مائة من العسكر … ولرصد الغدر جو (^٣) أجواق
قتلوه شركة وَتَاريخو … للعراق والأصبهان انساق
وقد أضحى في الرمل مدفون … والذى بيه في طرب فرحان
صار مُحيّر والحمام في الدوح … نَاح لفقدو باختلاف الحان
الدخاير ذاهبة حين صَارْ … وَاسطة عقد الجيوش غايب
والذهب كنو الحزين صفر … صُورتُو وَأَمَا اللجين شايب
والعقيق كنو قد اتخضب … بالدِّمَا حين كهربو كارب
وسلوك الدر والياقوت … عقدها اتفرّط من التيجان
وأصبح الجوهر يتيم بَعدُو … وَدُسُوع العين عليه مرجان
ذي الذي كان الملك إيدو … وايدهم في فرد زبدية
جوه بعملة غدر مدفونة … وحيل في السر مخفية
وقلوب بالغمِ مغمومة … وكبود بالغين مشوية
وَأَمُور مُزوّرة لكن … قبل ما سقوه الهوان ألوان
طبخوا القدرة وقدْ صَارُو … حَولَهَا مُستجمعين إخوان
في أتابك مصر كنت أعهد … قوم عَزِيزين جبر للمكسور
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ١٨٥ وجواهر السلوك ٢٢٣: "ربيعين".
(٢) في الأصل "تشبيب"؛ والتصحيح من بدائع الزهور ١/ ٢/ ١٨٥ وجواهر السلوك ٢٢٣.
(٣) كذا في الأصل، وفي بدائع الزهور وجواهر السلوك: "جوا".
[ ٢٤٨ ]
منهم أرغون شاه وصنضر غتمش … والشهير بالسبتي المنصبور
والأمير بشتاك مع الأقرم … بأمر من لو الحكم والمقتدر
جا القضا عاجلا خذ الخمسة … وقد أضحا عزهم منهضمان
هكذا الدنيا وقد قالوا … في المثل: "ما عز شيء إلا
جال بنفسه وإذا الملك لما … جاء يصيب دستوه عليه مقلوب
وأخذ فيلسوس ربيع شامات … وتكشف (^١) رخو وصلزر مقطوب
هكذا في رقعة الدنيا … دست هذي المملكة المنصوب
إذا يكن راكب فرس عزو … عالية فرخان يعود في أخزان
والذي في الخاشية بيدق … ينتقل حتى يصير (^٢) فرزان
مصر وادي تيه وصارت غاب … وسكن وأبراج خوت رفعة
وأماراتها الذي كانوا … في هنا من قبل ذي الوقعة
للملك خلان وهم غزلان … وأسود وأقمار لهم طلعة
خفت الأقمار من الأبراج … وخلا المسكن من الخلان
وعن الغاب غابت الآساد … وأقفر الوادي من الغزلان
ضم الأشرف قبر ليت شعري … هو لقديل نور ضياه جامع
أو صدف فيه خالص الجوهر … أو فلك فيه غاب قمر طالع
أو نقول غاب فيه أسد ضاري … أو جفير جواه حسام قاطع (^٣)
أو كتاس فيه أحسن الغزلان … أو جحما فيه أفرس الفرسان
أو جسد فيه روح من الأرواح … أو سواد مقلة وفيها إنسان
نسألك يا الله بجاه موسى … وبعيسى وأحمد المحبوب
غيث الأشرف واهبه رحمة … وعليه أفرغ صبر أيوب
فارق أذكرنا فراق يوسف … مثل ما أورثا حزن يعقوب
والخليل منا بقي (^٤) قابيل … لخليله وحين يراه لهفان
في سفين الخزن بعدو نوح … وآجر دمعك في الخدود طوفان
_________________
(١) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ١٨٦ وجواهر السلوك ٢٢٤: "وانكسر".
(٢) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ١٨٦ وجواهر السلوك ٢٢٤: "يصير".
(٣) هذا البيت لم يرد في جواهر السلوك.
(٤) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ١٨٧ وجواهر السلوك ٢٢٤: "غذا".
[ ٢٤٩ ]
نصَّر شعبان تم بالكامل … لعلي والحكم للقادر
نسألك يا حق يا عادل … كن لجيش المسلمين ناصر
وأرزق العالم عمل صالح … وأصلح الباطن مع الظاهر
واحمد الفتنة وطَمَّنا … لا تشتتنا من الأوطان
وأنصر المنصور علي واعفو … عن أبيه الأشرف السلطان
يا من أمسى مثل ما أصبح في … فرح بالجاه وكثّر المال
قط لا تركن لذي الدنيا … واحذر احذر حَالَهَا إنْ حَالَ
كم عزيز ذلّتْهُ صَار يطلبْ … جَاه يجيه مَا جَاه وَمَالُو مَال
فالبس البس حلّة التقوى … قبل لبسك شقة الأكفان
لا تغرك زينة الدنيا … كل ما تنظر عليها فان
آخر الثامن مع السبعين … بعد تاريخ سبعمائة عام
يا غباري قلتُ في الأشرف … نظم شاع في أقليم مصر والشام
وأنت في فن الزجل قيّم … بدرُوج تشهد بها الحكام
وبنظم النثر من فكرك … كم وكم صنفتَ مِنْ دِيوَان
والبديع لك صَارَتْ الفُرسان … فيهِ رِجَال والقيمة أدوان
انتهت أخبار دولة الأشرف شعبان، وذلك على سبيل اختصار منها.
[ ٢٥٠ ]