وهو الثاني والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وهو الثامن من ملوك الجراكسة وأولادهم.
وأصله جركسي الجنس، جلبه بعض التجار إلى البلاد الشامية، فاشتراه الأمير دقماق المحمدي نائب ملطية، مع جملة مماليك صغار، ثم أخذه الملك برقوق مع جعلة مماليك دقماق، وجعله من جملة مماليك الأطباق (^٢) بطبقة الزمامية، وكان أغاته الأمير جركس القاسمي المصارع، ثم إن الملك الظاهر برقوق أعتقه، ثم بقى في دولة الملك الناصر فرج ساقيًا، ثم التف على شيخ ونوروز لما خامروا على الملك الناصر، فلما بقى المؤيد شيخ سلطانًا جعله أمير عشرة، ثم بقى أمير طبلخاناة، ثم بقى مقدم ألف، ثم تولى نيابة طرابلس، ثم مسك وحبس بسجن المرقب مُدّه، ثم أطلق وأنعم عليه بتقدمة ألف بدمشق، ثم قبض عليه الأمير جقمق الأرغون شاوي نائب الشام بعد موت المؤيد شيخ وسجنه، ثم أطلقه الأمير ططر لما كان بدمشق؛ فلما تسلطن ططر أحضره صحبته من دمشق إلى الديار المصرية، فاستقر به دوادار كبير عوضا عن الأمير علي باي المؤيدي، ثم استمر على ذلك إلى أن مات ططر؛ فوقع بينه وبين الأتابكي جاني بك الصوفي في دولة الملك الصالح محمد بن ططر فقبض على جاني بك الصوفي، وأرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية، فعند ذلك تعصبوا له الأمراء، وخلعوا الملك الصالح محمد بن ططر من السلطنة، وسلطنوا برسباي وهو دوادار كبير، ولم يكن أتابك العساكر.
_________________
(١) أخباره في بدائع الزهور ٢/ ٨١ - ١٩٠؛ جواهر السلوك ٣٢٢ - ٣٢٥.
(٢) في جواهر السلوك ٣٢٢: "الأطناق".
[ ٤٣١ ]
فتسلطن في يوم الأربعاء ثامن ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وثمانمائة، فلبس خلعة السلطنة، وحمل القبة والطير على رأسه، وجلس على سرير الملك، وباسوا له الأمراء الأرض، وتلقب بالملك الأشرف، ونودي باسمه في مصر والقاهرة، وضج الناس له بالدعاء، ودقت له بالبشابر ثلاثة أيام.
فلما تم أمره في السلطنة عمل الموكب، وأخلع على من يذكر من الأمراء، وهم: الأتابكي بيبغا (^١) المظفري، واستقر به أتابك العساكر على عادته؛ وأخلع على المقر السيفي قجقار (^٢) واستقر به أمير سلاح على عادته؛ وأخلع على أقبغا التمرازي واستقر به [١٩٣/ ١] أمير مجلس؛ وأخلع على المقر السيفي سودون من عبد الرحمن واستقر به دوادار كبير؛ وأخلع على الأمير قصروه من عثمان واستقر به أمير خور كبير؛ وأخلع على المقر السيفي جقمق العلائي واستقر به حاجب الحجاب؛ وأخلع على المقر السيفي أزبك المحمدي واستقر به رأس نوبة النوب؛ وأخلع على المقر السيفي تاني بك البجاسي واستقر به نائب الشام.
وأخلع على مملوكه جاني بك واستقر به دوادار ثاني، أمير طبلخاناة، فعظم أمر جاني بك المذكور في دولة أستاذه الملك الأشرف إلى الغاية، وهو صاحب المدرسة التي بالقرب من المنجبية، وله بر ومعروف، وأوقاف كثيرة على جهات البر والصدقات، وكان له كلمة نافذة في دولة أستاذه، وصار صاحب الحل والعقد، وكان له حرمة وافرة أقوى من أمير كبير بمصر، حتى قيل: أنه نفى الأتابكي بيبغا المظفري لدمياط من غير علم السلطان، ومشي له السلطان ذلك، ولم يزل جاني بك على ذلك حتى تخيل منه الملك الأشرف برسباي، فقيل: أنه أشغله، فاستمر ملازم الفراش مدة، وسلسل في المرض حتى مات في أثناء دولة أستاذه الملك الأشرف.
ثم أخلع على الأمير ناصر الدين التاج واستقر به والي القاهرة، وكان لطيف المزاج، يمزح معه الملك الأشرف، وينشرح به؛ فهذا ما كان من ترتيب الأمراء أرباب الوظائف في صدر دولته، ثم انتقلت من بعد ذلك الوظائف إلى جماعة كثيرة من الأمراء، وأنعم في أيامه بتقادم ألوف على جماعة كثيرة من الأمراء، لم نذكرهم في هذا المختصر.
_________________
(١) في جواهر السلوك ٣٢٢: "يلبغا".
(٢) في بدائع الزهور ٢/ ٨٢: "قجق"؛ وفي جواهر السلوك ٣٢٢: "قجمق".
[ ٤٣٢ ]
وفي أيامه: أخلع على المقر الزيني عبد الباسط واستقر به ناظر الجيوش المنصورة، مع ما بيده من الوظائف السنية، وقد رقى القاضي عبد الباسط في دولة الملك الأشرف برسباي، وصار صحب الحل والعقد في أيامه، حتى قد أطلق عليه عظيم الدولة، وصار مملوكه جاني بك أستادار العالية، واستمر القاضي عبد الباسط نافذ الكلمة، وافر الحرمة إلى أن مات الملك الأشرف وهو على ذلك.
ومن الحوادث أن في سنة ست وعشرين وثمانمائة أو فى النيل المبارك في ثامن عشر أبيب (^١) من الشهور القبطية، وهذا لم يُسمع بمثله فيما تقدم من السنين الماضية، وفي ذلك يقول بعض الشعراء:
لما وفا النيل المُبارك عاجلًا (^٢) … عَمَّ البلاد والروابي (^٣) طففا (^٤)
نشروا (^٥) القلوع وبشروا بوفائه … فالراية البيضاء عليه بالوفا (^٦)
ومن الحوادث في أيامه أن الأتابكي جاني بك الصوفي هرب من السجن بثغر الإسكندرية، وجرى بسببه على الناس ما لا خير فيه، وصاروا يكبسون البيوت والحارات عليه، ثم إنه ظهر في بلاد الشرق، وأقام مدّة عند بعض أمراء التركمان، ثم بعد ذلك قطعوا رأسه، وأرسلوها إلى القاهرة، فطافوا بها وعلقوها على باب زويلة.
ومن الحوادث في أيامه أنه أرسل تجريدة إلى بلاد الفرنج بمدينة قبرس، فأعطاه الله تعالى النصر، ففتحها وأسر ملكها، وجيء به إلى القاهرة أسيرًا، وكان يوم دخول العسكر إلى القاهرة يومًا مشهودًا، وزينت سبعة أيام، ودخلوا بالفرنج وهم في زناجير، وملكهم راكب وعليه آلة الحرب، وكان ذلك في سنة تسع وعشرين وثمانمائة.
_________________
(١) خبر وفاء النيل في أحداث سنة ٨٢٦ هـ أنه حدث في سادس مسرى (انظر بدائع الزهور ٢/ ٨٧)؛ أما في أحداث سنة ٨٢٥ هـ أنه حدث في تاسع عشرين أبيب (انظر بدائع الزهور ٢/ ٨٣)؛ وفي الحالتين الخبر غير مطابق لما ورد هنا.
(٢) في جواهر السلوك ٢٣٢: "لما وفا بابيب عاجل نيلنا".
(٣) في جواهر السلوك ٢٣٢: "وللرواني".
(٤) في جواهر السلوك ٢٣٢: "طفقا".
(٥) في جواهر السلوك ٢٣٢: "تسروا".
(٦) لم يرد ذكرهما في بدائع الزهور.
[ ٤٣٣ ]
ثم إن الملك الأشرف سجن ملك الفرنج، وعلق خوذته (^١) في باب مدرسته التي أنشأها عند سوق الوراقين، وهي إلى الآن معلقه في بوابة المدرسة.
ومن الحوادث في أيامه أن في سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة جاء في مصر فناء عظيم، حتى قيل: كان يخرج من القاهرة في كل يوم نحو أربعة و(^٢) عشرين ألف جنازة، فضج الناس من ذلك، فرفعه [١٩٤/ ١] الله تعالي عن الناس بالكلية في ليلة واحدة.
(^٣) ومن الحوادث في أيامهِ: أنه جرد العساكر، وخرج بنفسه إلى نحو مدينة آمد، بسبب قرايلك، فخرج الأشرف برسباي من القاهرة في موكب عظيم، فكان في طلبه مائتا جنيب بالسروج المغرق، والبركستوانات (^٤) الملونة، وفيهم خمسون فرسا بكنابيش ذهب وسروج ذهب.
وكان صحبته الخليفة المعتضد بالله داوود والقضاة الأربعة، فلما وصل إلى مدينة آمد فحاصر قلعتها مدّة، فلم يقدر على أخذها، وتقلب عليه العسكر هناك، فخشي أن تقوم هناك فتنة، فمشوا بينه وبين قرايلك بالصلح، فأصطلحا وحلفوا قرايلك أنه لا يتعدى إلى بلاد السلطان.
ثم إن الملك الأشرف قصد التوجه إلى نحو الديار المصرية، وكان ذلك في سنة ست وثلاثين وثمانمائة، فلما عاد ودخل إلى القاهرة كان له يوم مشهود، وحملت القبة والطير على رأسه إلى أن طلع إلى قلعة الجبل.
ثم صفا الوقت من بعد ذلك إلى الملك الأشرف، وبالغ في مشترى المماليك، حتى قيل: "بلغت عدة مماليكه خمسة آلاف مملوك"، وكان الملك الأشرف كثير الرمايات، ويحب المواكب الجليلة، واستمر على ذلك، إلى أن دخلت سنة إحدى وأربعين وثمانمائة، فيها هجم الوباء بالديار المصرية، ومات فيه من المماليك والعبيد والأطفال ما لا يحصى عددهم.
_________________
(١) في الأصل "خودته".
(٢) جاءت كلمة بخط المؤلف تحت كلمة عشرين، وتم إضافتها لما ورد في بدائع الزهور ٢/ ١٣١ وجواهر السلوك ٣٢٤: "أربعة وعشرين ألف".
(٣) جاءت حاشية بخط المؤلف، ولم يشر لموضعها داخل النص: " ومن الحوادث في أيامه أن في سنة أربع وثلاثين وثمانمائة كسفت الشمس في وقت العصر حتى ظهرت النجوم بالنهار". الخبر ورد في بدائع الزهور بوقع كسوف الشمس في الأندلس (انظر: بدائع الزهور ٢/ ١٣٨).
(٤) غاشية الحصان المزركشة. (صبح الأعشى ٤/ ٥٨، ٦٢).
[ ٤٣٤ ]
ثم إن السلطان مرض عقيب ذلك، وسلسل في المرض وحصل له ماخولية وخفت عقل، فمنها أنه رسم بتوسيط الحكماء، فوسط الريس خضر، ووَسّط ابن العفيف؛ ومنها أنه رَسَم بنفى الكلاب إلى بر الجيزة، فجمعوا منهم عدة كلاب ونفوهم إلى بر الجيزة؛ ومنها أنه رَسَم بأن الفلاح لا يلبس زِمْطًا (^١) ونودي بذلك في القاهرة؛ ومنها أنه رَسَم بأن المرأة لا تخرج من بيتها، ولا تمشي خلف جنازة، فكانت الغاسلة إذا خرجت للموتى تأخذ من المحتسب ورقة وتجعلها في رأسها (^٢).
واستمر الأشرف في هذه الخُرافات إلى أنْ مَاتَ في يوم السبت بعد العصر، ودفن في يوم الأحد (^٣) ثالث عشر ذي الحجة من أواخر سنة إحدى وأربعين وثمانمائة، ودفن في تُربته التي بالقرب من البرقوقية التي في الصحراء، وكثر عليه الأسف، والحزن من الناس، فكان كما قيل:
والمرء كالظل ولابد أن … يَزُولُ ذَاكَ الظَّلُ بَعد أمتداد (^٤)
فكانت مدة سلطنته بالديار المصرية والبلاد الشامية ست عشرة سنة وثمانية أشهر وستة أيام.
وكان ملكًا جليلًا مُعظمًا، مُبجلًا في موكبه، وكانت الدنيا في أيامه هادية من الفتن والحروب التي كانت قائمة بالديار المصرية بين الأمراء.
وكانت صفته طويل القامة، صبيح الوجه، أبيض اللون، شايب اللحية، عربي الوجة، مُهابًا عليه وقار وسكينة، وكان عنده لين جانب للرعية، وكان محبا لجمع الأموال، منقادًا إلى الشريعة، ويحب أهل العلم والفقهاء.
ومما أنشأه في أيامه من العمائر وهي المدرسة التي بالقرب من سوق الوراقين، والمدرسة التي في الصحراء، والمدرسة التي في سرياقوس، والوكالة التي في الصليبة، والربوع، وله بالديار المصرية أثار كثيرة، وأوقاف كثيرة على جهات بر وصدقة.
_________________
(١) الخاتم من الخنصر. (تكملة المعاجم العربية (٥/ ٣٥٨)؛ وفي بدائع الزهور ٢/ ١٨٦ وجواهر السلوك ٣٢٤: "زنطا".
(٢) خبر الغاسلة جاء مختصرًا في بدائع الزهور. (انظر: بدائع الزهور ٢/ ١٨٦).
(٣) في بدائع الزهور ٢/ ١٨٨: "السبت"، وقد أخبر أنه مات يوم السبت وخرج في اليوم التالي إذ الصحيح يوم الأحد.
(٤) البيت لابن النبيه. (انظر: نفح الأزهار في منتخبات الأشعار ١٠٥).
[ ٤٣٥ ]
ومن معروفه ما صنعه بالإسكندرية، وهو أنه أمر بحفر فم خليج الإسكندرية، وكان قد طم بالرمال، فندب (^١) لحفره المقر السيفي جرباش الكريمي المعروف بقاشق، فتوجه إلى ثغر مدينة الإسكندرية، وجمع ما قدر عليه من الرجال، فكان عدتهم ثمانمائة إنسان غير الصغار، وابتدأ في حفره في حادي عشر جمادى الأول سنة ست وعشرين وثمانمائة (^٢)، فانتهى العمل منه في تسعين يومًا، وجرى الماء فيه، وفرح الناس بذلك.
وكان الملك الأشرف برسباي خيار ملوك الترك من الجراكسة، ولما مات عهد إلى ولده الملك العزيز يوسف؛ وقد خلف من الأولاد: الملك العزيز يوسف، وأخيه سيدي أحمد.
وقد انتهت أخبار دولة الملك الأشرف برسباي وذلك على سبيل الاختصار منها.
وأما من توفي في أيامه من أعيان القضاة والعلماء، وهم: قاضي القضاة علائي الدين ابن مغلي الحنبلي (^٣)، وقاضي القضاة التفهني الحنفي (^٤)، وقاضي القضاة الهروي (^٥)، والشيخ صلاح الدين الأقفهسي (^٦)، وابن النقاش من كبار علماء الشافعية (^٧)، والشيخ تقي الدين الحصني شارح أبو شجاع (^٨)، والشيخ بدر
_________________
(١) في الأصل "فنذب".
(٢) في بدائع الزهور ٢/ ١٧٤: الخبر في أحداث جمادى الآخرة سنة ٨٤٠ هـ.
(٣) في جواهر السلوك ٣٢٥: "الحنفي"، والصحيح ما ورد هنا وفي بدائع الزهور؛ وهو علي بن محمود بن أبي بكر مغلي السليماني الحموي، قاضي قضاة الحنابلة، ت: ٨٢٨ هـ. (انظر: بدائع الزهور ٢/ ٩٦).
(٤) وهو زين الدين عبد الرحمن بن علي التفهني، قاضي قضاة الحنفية، ت: ٨٣٥ هـ. (انظر: بدائع الزهور ٢/ ١٤٢).
(٥) وهو شمس الدين محمد الهروي الشافعي، قاضي قضاة الشافعية، ت: ٨٢٩ هـ. (انظر: بدائع الزهور ٢/ ١١٠).
(٦) وهو جمال الدين الأقفهسي، قاضي قضاة المالكية، ت: ٨٢٣ هـ؛ ذكره ابن إياس في بدائع الزهور في أحداث سلطنة المؤيد شيخ سنة ٨٢٣ هـ. (انظر: بدائع الزهور ٢/ ٥٢).
(٧) وهو عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عَليّ. خطيب جامع ابن طولون، ت: ٨١٩ هـ؛ ذكره ابن إياس في بدائع الزهور في أحداث سنة ٨١٩ هـ في سلطنة المؤيد شيخ (انظر: بدائع الزهور ٢/ ٢٩).
(٨) وهو أبو بكر بن مُحَمَّد بن عبد المؤمن، ت: ٨٢٩ هـ. (انظر: بدائع الزهور ٢/ ١٠٦؛ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة، ٤/ ٧٦).
[ ٤٣٦ ]
الدين ابن الدماميني المالكي (^١)، والشيخ شهاب الدين المقريزي المؤرخ (^٢)، والشيخ زين الدين ابن الخراط صاحب النظم اللطيف (^٣)، وغير هؤلاء جماعة كثيرة من أعيان العلماء والصلحاء وغير ذلك من أعيان الناس.
_________________
(١) وهو بدر الدين محمد بن أبي بكر بن عمر، ت: ٨٢٨ هـ بالهند. (انظر: بدائع الزهور ٢/ ٩٨ - ٩٩).
(٢) وهو أحمد بن علي بن عبد القادر، ت: ٨٤٥ هـ؛ وقد ورد ذكره في أحداث سنة ٨٤٥ هـ في سلطنة الظاهر جقمق (انظر: ٢/ ٢٣١ - ٢٣٢).
(٣) وهو زين الدين عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْنِ الْخَرَّاط المروزي، ت: ٨٤٠ هـ. (انظر: بدائع الزهور ٢/ ١٧٠).
[ ٤٣٧ ]