وهو الثالث والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم، وهو التاسع من ملوك الجراكسة وأولادهم بالديار المصرية؛ تسلطن بعد موت أبيه الملك الأشرف برسباي، في يوم السبت ثالث عشر ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وثمانمائة، فتسلطن وله من العمر أربع عشرة سنة، وأمه أم ولد جركسية تسمى جلبان.
فلما تسلطن وجلس على سرير الملك، استقر بالمقر السيفي جقمق العلائي أتابك العساكر ونظام المملكة على عادته، فاستمر على ذلك مدة يسيرة.
ثم إن جماعة من الأمراء والمماليك الأشرفية صاروا يعارضون الأتابكي جقمق في الأمور، فوقع الخلف بينه وبين الأشرفية فقصدوا قتله مرات عديدة، ثم إن جماعة من المؤيدية والناصرية والسيفية تعصبوا للأتابكي جقمق، فقويت شوكته، ووثب على الملك العزيز يوسف، واتقع مع الأشرفية وقعة قوية، فانكسروا الأشرفية وانتصر الأتابكي جقمق عليهم، بعد أمور يطول شرحها عن هذا المختصر، وآخر الأمر أن الملك العزيز خلع من السلطنة، وتولى الأتابكي جقمق، وذلك يوم الأربعاء تاسع (^٢) عشر ربيع الأول سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة.
فكانت مدة سلطنة الملك العزيز يوسف ابن برسباي بالديار المصرية ثلاثة أشهر وستة (^٣) أيام، فكانت سلطنته ليس له فيها إلا مجرد الاسم فقط؛ لأجل كتب العلامة، والأمر كله للأتابكي جقمق.
_________________
(١) أخباره في: بدائع الزهور ٢/ ١٩٠ - ١٩٨؛ جواهر السلوك ٣٢٥ - ٣٢٦.
(٢) في بدائع الزهور ٢/ ١٩٧: "سابع".
(٣) في بدائع الزهور ٢/ ١٩٨: "خمسة".
[ ٤٣٨ ]
ولما خلع الملك العزيز من السلطنة، استمر مقيمًا بالقلعة، وسكن في قاعة البربرية من داخل دور الحرم، وكان قصد الملك الظاهر جقمق أن يزوج الملك العزيز ويصير مقيمًا بالقلعة، ولا يرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية؛ فما صبر الملك العزيز، ولعب به جماعة من الأشرفية من مماليك أبيه، فحسنوا له الهروب، فهرب من القلعة، ونزل بعد المغرب في هيئة صبي الطباخ وعليه ثياب رثة، وكان ذلك في أوائل رمضان.
فلما نزل من القلعة وأشيع ذلك، فأصبح الناس في شعلة نار، وصار الوالي يكبس البيوت بسببه والحَارَات، وحصل للناس مشقة عظيمة بسبب ذلك، واستمر الحال على ذلك مدة أيام، ثم إن الملك العزيز ضاق عليه الأمر وبقي متحيرًا لا يدري أين يروح، فأتى إلى بعض الأمراء تحت الليل فقبض عليه، وطلع به إلى القلعة، فدقت الكوسات لذلك، وسكن الأمر، ولو صبر الملك العزيز لكان خيرًا له، "وكم من عجلة أعقبت ندامة"، فكان كما قال القائل في المعنى: [١٩٦/ ١] … قد يدرك المتأني جل مقصده (^١) وقد يكون مع المستعجل الزلل (^٢) فلما طلع الملك العزيز إلى القلعة قيد، وأرسل إلى السجن بثغر الإسكندرية (^٣)، وقد قال القائل في المعنى:
ولم يدخلوه السجن إلا مخافة من الناس أن يبدى لهم دولة الحسن فقالوا له شاركت في الحسن يوسفا فشاركه أيضًا في الدخول إلى السجن (^٤) فاستمر بثغر الإسكندرية إلى دولة الأشرف أينال، فرسم بإخراجه من السجن، وأن يسكن في بعض دور الإسكندرية، ورسم له بأن يركب إلى الجامع في صلاة الجمعة وغير ذلك، واستمر الملك العزيز في الإسكندرية إلى أن مات بها في دولة الملك الظاهر خشقدم، ثم نقل من بعد ذلك ودفن على أبيه، وتوفي بعده أخوه الصغير الذي كان مقيمًا بالقاهرة عند الأمير قُرقماس الجلب، وكان قد تزوج ورزق الأولاد، ومات في دولة الظاهر خشقدم أيضًا.
انتهت أخبار دولة الملك العزيز يوسف بن الأشرف برسباي، وذلك على سبيل الاختصار.
_________________
(١) في جواهر السلوك ٣٢٦: "حاجته".
(٢) لم يرد في بدائع الزهور.
(٣) ورد الخبر في أحداث سلطنة جقمق. (انظر: بدائع الزهور ٢/ ٢٠٩ - ٢١٤).
(٤) لم يرد في بدائع الزهور.
[ ٤٣٩ ]