وَهُوَ الثَّالِثُ عَشَرَ مِنْ مُلُوكِ التُّرْكِ وَأَوْلَادِهِمْ بِالدِّيَارِ المِصْرِيَّة، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ تَسَلْطَنَ مِنْ أَوْلَادِ المَلِكِ النَّاصر مُحَمَّد بْن قلاون، وَكَانَ في أَوْلَادِهِ مَنْ هُوَ أَكبرُ مِنْهُ، وَلكِن المَلِك النَّاصر مُحَمَّد اخْتَارَ ذَلِكَ وَعَهِدَ إِليهِ، وَقَدَّمَهُ عَلَى إخوته؛ وكانت ولايته في يَوْمِ الخَمِيس حَادِي عِشْرِينَ ذِي الحِجَّةِ مِنْ سَنَة إحْدَى وَأَربعين وَسَبْعِمَائَة.
فلمَّا جَلسَ عَلى سَرِيرِ المُلْكِ، وَتَم أَمْرُهُ في السَّلْطَنَةِ، عَمَلَ المَوْكِب، فَاجْتَمَعَت في القَصْرِ الكَبِير [سَائِر الأُمَرَاء] (^٢)، فأخلع في ذلك اليوم على منْ يُذكر من الأمَرَاءِ وَهُمْ: المقر السيفي طقز دَمُر صاحب القنطرة التي على الخليج الحاكمي فاستقر نائب السلطنة بمصر؛ وأخلع على المقر السيفي قُوصُون واستقر أتابك العساكر بمصر؛ وأخلع على المقر السيفي حمص أحضر واستقر نائب حلب.
ثُم صَارَ أَمرَ المملكة ضائع بين الأمراء، فصار مع الأمير طاجار الدوادار عُصبة من الأمراء، ومع الأتابكي قوصون عُصبة من الأمراء، فأتفَقَ طَاجَار الدوادار مع السلطان الملك المنصور على القبض على الأتابكي قوصُون، وَهُوَ في الخدمة بالقصر الكبير، وكان الملك المنصور في طبعه الخفة والرهج في الأمور، فأفشى سرّه لبعض الخاصكية، فبلغوا ذلك للأتابكي قوصُون، وَأخبرُوهُ بما قد عزم السلطان عليه من مسكه له، فكان كما قيل في المعنى:
_________________
(١) أخباره في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٨٦ - ٤٨٩؛ جواهر السلوك ١٨٠ - ١٨١.
(٢) جاءت على هامش الصفحة بخط المؤلف أعلى كلمة الكبير، وتم وضعها بين قوسين لأن المؤلف لم يشر أنها تخص هذا الموضوع ولكنها مناسبة للمعنى.
[ ١٦٦ ]
إِذَا الْمَرْءُ أَفْشَى سِرَّهُ بِلِسَانِهِ … وَلَامَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ فَهُوَ أَحْمَقُ
إِذَا ضَاقَ صَدْرُ الْمَرْءِ مِنْ (^١) سِرِ نَفْسِهِ … فَصَدْرُ الَّذِي يُسْتَوْدَعُ السِّرَّ أَضْيَقُ (^٢)
فلما بلغ الأتابكي قُوصُون ذلك فأتفق الأمير أيدغمش أمير أخور كبير، وجماعة منَ الأَمْرَاءِ، عَلى خلع الملك المنصور أبي بكر.
فلما كان يوم الموكب امتنع الأتابكي قُوصُون عن حضور الخدمة، فاضطربت الأحوال في ذلك اليوم.
ثم إن الأتابكي قُوصُون طلع إلى القلعة بعد انفضاض الموكب، وقت الظهر على حين غفلة، وقبض على الملك المنصور أبي بكر، وأرسله إلى السجن بمدينة قوص، ومعه أخويه يُوسف وَرَمضان.
فكانت مُدّة سلطنة الملك المنصور أبي بكر نحو ثلاثة أشهر، وكان خلعه في شهر صفر من سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة.
ثم إن الأتابكي قُوصُون قبَضَ عَلى الأمير طَاجَار الدوادار، والأمير بشتاك، ومعهما جماعة من الأمرَاءِ، وَأَرسلهُمْ [٥٦/ ١] إلى السجن بثغر الإسكندرية، وَقَبَضَ عَلَى جَماعة كثيرة من المماليك السلطانية.
ثم إن الأتابكي قُوصُون أرسل إلى عبد المؤمن متولي ناحية قوص بأن يقتل الملك المنصور أبي بكر فقتله، وَأَرسل رأسه إلى قُوصُون في الدَّسِ، فَكُتمَ مَوتَهُ عن النَّاسِ، وَهوَ أَولُ مَنْ قُتل من أولاد محمد بن قلاون، وكان ذلك من أكبر ذُنوب قُوصُون، ثُم تسلطن مِنْ بعده أخيه كجك.
_________________
(١) في مرآة الزمان في تواريخ الأعيان ١٤/ ١٢٧: "عن".
(٢) بحر الكامل؛ البيتان لأحمد بن يوسف. (انظر: مرآة الزمان في تواريخ الأعيان ١٤/ ١٢٧ - ١٢٩).
[ ١٦٧ ]