وهو السابع والعشرون من ملوك الترك وأولادهم الديار المصرية، وهو الثالث من ملوك الجراكسة وأولادهم بمصر؛ تسلطن بعد خلع أخيه الملك الناصر فرج في يوم الأحد، وقيل: يوم الإثنين سادس عشرين ربيع الأول سنة ثمان وثمانمائة، بعهد من أبيه الملك الظاهر برقوق عند موته، كما تقدم ذلك.
وكان له من العمر لما تسلطن عشر سنين، وقيل: دون ذلك؛ وأمه أم ولد تركية الجنس، تسمى قنقباى، فألبسوه خلعة السلطنة بعد أن بايعه الخليفة والقضاة، فركب من باب الستارة إلى القصر الأبلق، والأمراء مشاه بين يديه فجلس على سرير الملك، وباسوا له الأمراء الأرض، ونودي باسمه في القاهرة، ودقت له البشائر، وتلقب بالملك المنصور.
ولكنه لم يتم أمره في السلطنة ولا ساعده الزمان، كما قيل في المعنى:
مَا كُلُّ مَنْ طَلَبَ المَعَالِي نَافِذَا … فِيها وَلَا كُلُّ الرِّجَالِ فُحولا! (^٢)
فوقع بين الأمراء الخُلف، ولا سيما المقر السيفي يشبك الشعباني الدوادار، فإنه كان في دولة الملك الناصر فرج صاحب الحل والعقد، وكان يتصرف في أمور المملكة بحسبما يختار من ذلك، فصار غيره متكلما في أمور الدولة، فعز ذلك عليه، والتفت إلى عود الملك الناصر فرج.
فلما رأى ذلك المقر السيفي السعدي سعد الدين ابن غُراب، فأسر إلى المقر السيفي يشبك الشعباني بأن الملك فرج عنده، ففرح الأمير يشبك بذلك، وأخذ في أسباب ظهور الملك الناصر.
_________________
(١) أخباره في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٧٣٥ - ٧٤٠؛ جواهر السلوك ٣٠٤ - ٣٠٥.
(٢) بحر الكامل؛ لم يرد في بدائع الزهور؛ والبيت للمتنبي. (انظر: ديوان المتنبي ١/ ١٩٣).
[ ٤٠٢ ]
فلما كان يوم الخميس رابع جمادى الآخر من سنة ثمان وثمانمائة: ظهر الملك الناصر فرج من بيت سُودُون الحمزاوي، فاضطربت القاهرة وماجت، وجاء إليه الأمراء والمماليك السلطانية، فصار العسكر فرقتين فرقة مع الملك الناصر فرج، وفرقة مع أخيه عبد العزيز.
وكان الذي من عُصبة أخيه عبد العزيز: الأتابكي بيبرس، والأمير سُودُون المحمدي، والأمير أينال باي بن قجماس، والأمير سُودُون المارديني، وجماعة من الأمراء الطبلخانات والعشراوات، وجماعة من المماليك السلطانية.
وكان من عُصبة الملك الناصر: فرج الأمير يشبك الشعباني الدوادار، وجماعة كثيرة من الأمراء، ومن المماليك السلطانية جماعة كثيرة أكثر من الفرقة التي مع أخيه عبد العزيز.
فلبسوا آلة الحرب، واقتتلوا في ذلك اليوم إلى بعد الظهر أشدّ القتال، فانكسر الأتابكي بيبرس ومن كان معه من الأمراء، وانهزموا أجمعين، وانتصر عليهم الملك الناصر، وملك القلعة، وخلع أخاه الملك المنصور عبد العزيز من السلطنة، ورسم له بأن يدخل إلى دور الحرم، فدخل إليها، وأقام بها إلى شهر صفر سنة تسع وثمانمائة، فأخرجه الملك الناصر إلى ثغر الإسكندرية، هو وأخوه سيدي إبراهيم، فأقاما بثغر الإسكندرية نحو أربعين يوما، ثم جاءت الأخبار بموتهما في يوم واحد، فقيل: إن الملك الناصر أشغلهما في حلوى.
فكانت مدة سلطنة الملك المنصور عبد العزيز بن برقوق شهرين وعشرة أيام.
وتوفي بالإسكندرية في ليلة الإثنين سابع ربيع الأول سنة تسع وثمانمائة، ومات سيدي إبراهيم بعده بيومين، ونقلا بعد موتهما من الإسكندرية، ودفنا عند والدهما برقوق في الخانقاة التي في الصحراء.
[ ٤٠٣ ]