كانت غزوة بدر في العام الثاني من الهجرة، وذلك لما ندب النبي ﷺ أصحابه إلى الخروج إلى عير لقريش، وتعجل بمن كان مستعدًا، دون أن ينتظر أهل العوالي لاستعجاله بالخروج (^١).
ووافق ذلك أن كانت رقية -﵂- ابنة النبي ﷺ مريضة، قعيدة الفراش، وفي أمس الحاجة إلى من يمرضها ويرعى شؤونها، وخير من يصلح لذلك هو زوجها؛ لأن الزوجة لا تكتمل حريتها عند غير زوجها؛ لذلك كله أمر النبي -﵊- زوجها عثمان بن عفان ﵁ بالبقاء في المدينة بجانب زوجته ليقوم بتمريضها، وضرب له بسهمه في غزوة بدر فقال عثمان: وأجري يا رسول الله؟ فقال ﵊: "وأجرك" (^٢).
_________________
(١) انظر عن هذه الغزوة: (مرويات غزوة بدر للعليمي)، و(المجتمع المدني -الجهاد ضد المشركين - للدكتور / أكرم العمري (ص: ٣٩، ٥٩).
(٢) البخاري، الجامع الصحيح، فتح الباري (٧/ ٥٤، ٣٦٣)، والترمذي، السنن (٥/ ٦٢٩) وأحمد، المسند (بتحقيق: أحمد شاكر ٨/ ١٠١ - ١٠٢، ١٩٩ - ٢٠٠)، ويعقوب بن سفيان، المعرفة والتاريخ (٣/ ١٦٠)، والطيالسي، المسند (٢٦٤)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٢٥٤ - ٢٥٦)، وذكره المحب الطبري، الرياض النضرة (٣/ ٢٤ - ٢٥)، وانفرد بقول عثمان ﵁: "وأجري يا رسول الله؟ " ابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (ص ٣٠)، انظر الملحق الرواية رقم: [٢٢].
[ ٧١ ]
وبذلك يتبين أن عثمان ﵁ لم يشهد غزوة بدر، ولكنه كمن شهدها لضرب النبي ﷺ له بسهم فيها، من الغنيمة والأجر.
وعلم ذلك الصحابة رضوان الله عليهم فلم يصح عن أحد منهم أنه عابه بعدم شهوده بدرًا، واستمر الأمر على ذلك.
حتى انفجرت ينابيع الفتنة، وبدأ الخارجون على عثمان ﵁ يتلمسون ما يظهرون للناس أنهم سوغوا به الخروج عليه، فعابوه بعدم شهوده بدرًا.
ولكن ذلك لا ينطلي إلا على الجهلة من الناس، فإن أهل البصيرة يعلمون أن عدم شهوده ﵁ هذه الغزوة إنما كان بأمر من النبي ﷺ ومن شهد بدرًا لم يحصّل ذاك الأجر العظيم إلا لامتثاله أمره ﷺ فالمتخلف بأمره والشاهد بأمره سواء بسواء.
وبناء على ذلك ذكره الزهري (^١) وعروة بن الزبير (^٢) وموسى بن عقبة (^٣) وابن إسحاق (^٤) وغيرهم (^٥) فيمن شهد بدرًا.
_________________
(١) ابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (ص ٢٩، ٣١).
(٢) المصدر السابق: (ص ٣٠).
(٣) المصدر السابق: (ص ٢٩ - ٣١).
(٤) ابن هشام، تهذيب سيرة ابن إسحاق (٢/ ٦٧٨ - ٦٧٩)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٢٩ - ٣٠).
(٥) يعقوب بن سفيان البسوي، المعرفة والتاريخ (٣/ ١٥٩ - ١٦٠)
[ ٧٢ ]
ولما جاء أحدهم (^١) إلى ابن عمر ﵄ يسأله عن حضور عثمان بدرًا، أجابه بأنه لم يشهدها، فكبر السائل فرَحًا وشماتةً بعثمان، فناداه ابن عمر ﵄ وبيّن له أن تخلف عثمان هذا لم يكن من قِبله، إنما كان بأمر من رسول الله ﷺ فلا يُعدّ عيبًا فيه، فقال له: وأما تغيبه عن بدر، فإنه كان تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة، فقال له النبي ﷺ: "إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه" (^٢).
فلم يتخلف عثمان عن غزوة بدر رغبة عن الأجر، ولا جُبنًا، ولا خوفًا، وإنما تدينًا وطاعة لرسول الله ﷺ.
كما أن النفير -كما تقدم- لم يكن عامًا، وبسبب ذلك تخلف عن بدر كثير من الصحابة رضوان الله عليهم ممن كانوا في العوالي، وممن لم يحضروا ساعة الاستعداد للرحيل، لشدة استعجال النبي ﷺ؛ خشية أن تفوت العير فلا يدركونها.
فعدم حضور بدر ليس بعيب في آحاد الصحابة رضوان الله عليهم
_________________
(١) يحتمل أنه العلاء بن عرار (ابن حجر، فتح الباري ٧/ ٣٦٤)، وتصرح بعض الروايات بأنه من أهل مصر (فتح الباري ٧/ ٥٤، ٥٩.
(٢) البخاري، الجامع الصحيح، فتح الباري (٧/ ٥٤، ٣٦٣)، والترمذي، السنن (٥/ ٦٢٩)، وأحمد، المسند (بتحقيق أحمد شاكر ٨/ ١٠١ - ١٠٢، ١٩٩ - ٢٠٠)، ويعقوب بن سفيان، المعرفة والتاريخ (٣/ ١٦٠)، والطيالسي، المسند (٢٦٤)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، ترجمة عثمان (٢٥٤ - ٢٥٦)، وذكره المحب الطبري الرياض النضرة (٣/ ٢٤ - ٢٥)، انظر الملحق الرواية رقم: [٢٢].
[ ٧٣ ]
الذين لم يأمرهم رسول الله ﷺ بالقعود في المدينة؛ فكيف يكون عيبًا فيمن قعد لأمر رسول الله ﷺ.
ومما يكشف زيف استساغتهم الخروج عليه، بعدم شهوده بدرًا، عدم عيبهم لسائر المتخلفين عنها الذين لم يتهيأ لهم الخروج إليها، وإن كان ذلك لعذر، فإن عذر عثمان ﵁ أقوى من عذرهم، فلم ينقل لنا شيء من هذا، مما يؤكد لنا أن القوم يتصيدون ما يمهدون به للخروج على الخليفة فحسب.
والتخلف عن شهود غزوات النبي ﷺ مع العذر، ممن لديه رغبة صادقة في شهودها، لا يوقع حرجًا على صاحبه، إذا كان ناصحًا لله ورسوله، وقد بين الله جل وعلا ذلك في قوله:
﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ (^١).
فليس على هؤلاء سبيل، بل شهد الله لهم بالإحسان.
أما الذين يستأذنون النبي ﷺ للقعود عن القتال، وهم أغنياء
_________________
(١) سورة التوبة، الآيتان (٩١ - ٩٢).
[ ٧٤ ]
مستطيعون، ليس لهم عذر، ولكن رضوا بأن يكونوا مع المتخلفين، فهؤلاء هم الآثمون الذين يعاقبهم الله بالطبع على قلوبهم.
كما في قوله: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (^١).
فمن يتخلف عن غزوة من غزوات النبي ﷺ بأمر منه، ويضرب له رسول الله ﷺ بسهم في الغنيمة وفي الأجر، فإنه أولى بأن لا يكون عليه سبيل ممن تخلف عنها لعدم الاستطاعة والقدرة.
ثم لو كان قد أخطأ فتخلف عن غزوة بدر بدون عذر، فإن ذلك لا يسوغ قتله صبرًا، ولا يسوغ الخروج عليه وهو خليفة؟!
ولو كان عثمان ﵁ آثما لتخلفه عن غزوة بدر؛ فلم لم يعاتبه رسول الله ﷺ على ذلك؟ فهل هؤلاء الطاعنون فيه بهذا السبب أعرف بدين الله من رسول الله ﷺ؟!
وهم أوباش الناس، ليست لهم صحبة ولا فضل، ولم يعرفوا بخير قط، ولولا الفتنة ما عرفوا ولا ذكروا.
ويستنبط المتجرد من الهوى والتعصب ضد عثمان ﵁ مِنْ عدم شهوده بدرًا، فضلًا ومزيَّة له على من شهدها، وذلك من جهة أن له
_________________
(١) سورة التوبة، الآية (٩٣).
[ ٧٥ ]
مثل ما لهم من الأجر الدنيوي والأخروي، ومن جهة امتثاله لأمر النبي ﷺ بالقعود عنها، ومن جهة قيامه بعمل من أفضل القربات، وهو تمريض زوجته ابنة رسول الله ﷺ.
يقول أبو نعيم: "وإن طُعن عليه بتغيبه عن بدر، وعن بيعة الرضوان، قيل له: الغيبة التي يستحق بها العيب: هو أن يقصد مخالفة الرسول ﷺ؛ لأن الفضل الذي حازه أهل بدر في شهود بدر؛ طاعة الرسول ﷺ ومتابعته، ولولا طاعة الرسول ومتابعته لكان كل من شهد بدرًا من الكفار كان لهم الفضل والشرف، وإنما الطاعة التي بلغت بهم الفضيلة، وهو كان ﵁ خرج فيمن خرج فردَّه الرسول ﷺ للقيام على ابنته، فكان في أجلِّ فرض؛ لطاعته لرسول الله ﷺ وتخليفه، وقد ضرب له بسهمه وأجره، فشاركهم في الغنيمة والفضل والأجر، ولطاعته الله ورسوله وانقياده لهما" (^١).
_________________
(١) أبو نعيم، الإمامة والرد على الرافضة، بتحقيق: الدكتور/ علي ناصرالفقيهي (ص: ٣٠١ - ٣٠٢)
[ ٧٦ ]