قالوا: لما انصرف أَبُو موسى عَبْد اللَّهِ بْن قيس الأشعري من نهاوند سار إِلَى الأهواز فاستقرأها، ثُمَّ أتى «قم» وأقام عليها أياما ثُمَّ افتتحها، ووجه الأحنف بْن قيس واسمه الضحاك بْن قيس التميمي إِلَى «قاشان» ففتحها عنوة ثُمَّ لحق به، ووجه عُمَر بْن الخطاب عَبْد اللَّهِ بْن بديل بْن ورقاء الخزاعي إِلَى «أصبهان» سنة ثلاث وعشرين، ويقال: بل كتب عُمَر إِلَى أَبِي موسى الأشعري يأمره بتوجيهه في جيش إِلَى أصبهان فوجهه ففتح عَبْد اللَّهِ بن بديل جى صلحا بعد قتال عَلَى أن يؤدي أهلها الخراج والجزية وعلى أن يؤمنوا عَلَى أنفسهم وأموالهم خلا ما في أيديهم منَ السلاح، ووجه عَبْد اللَّهِ بْن بديل: الأحنف
[ ٣٠٤ ]
ابن قيس وكان في جيشه إِلَى اليهودية فصالحه أهلها عَلَى مثل ذلك الصلح وغلب ابن بديل عَلَى أرض أصبهان وطساسيجها وكان العامل عليها إِلَى أن مضت من خلافة عُثْمَان سنة، ثُمَّ ولاها عُثْمَان السائب بْن الأقرع.
وحدثني مُحَمَّد بْن سَعْد مولى بني هاشم، قَالَ: حَدَّثَنَا موسى بْن إسماعيل عن سُلَيْمَان بْن مُسْلِم عن خاله بشير بْن أَبِي أمية أن الأشعري نزل بأصبهان فعرض عليهم الإِسْلام فأبوا، فعرض عليهم الجزية فصالحوه عليها فباتوا عَلَى صلح ثُمَّ أصبحوا عَلَى غدر فقاتلهم وأظهره اللَّه عليهم، قَالَ مُحَمَّد بْن سَعْد:
أحسبه عن أهل قم.
وحدثني مُحَمَّد بْن سَعْد، قَالَ: حدثني الهيثم بْن جميل عن حَمَّاد بْن سلمة عن مُحَمَّد بْن إِسْحَاق، قَالَ وجه عُمَر بْن بديل الخزاعي إِلَى أصبهان وكان مرزبانها مسنا يسمى الفادوسفان فحاصره وكاتب أهل المدينة فخذلهم عنه، فلما رأى الشيخ التياث الناس عَلَيْهِ اختار ثلاثين رجلا منَ الرماة يثق ببأسهم وطاعتهم، ثُمَّ خرج منَ المدينة هاربا يريد كرمان ليتبع يزدجرد ويلحق به فانتهى خبره إِلَى عَبْد اللَّهِ بْن بديل فاتبعه في خيل كثيفة فالتفت الأعجمي إليه وقد علا شرفا فقال: اتق عَلَى نفسك فليس يسقط لمن ترى سهم فإن حملت رميناك وإن شئت أن تبارزنا بارزناك فبارز الأعجمي فضربه ضربة وقعت عَلَى قربوص سرجه فكسرته وقطعت اللبب، ثُمَّ قَالَ له يا هَذَا ما أحب قتلك فإني أراك عاقلا شجاعًا فهل لك في أن أرجع معك فأصالحك عَلَى أداء الجزية عن أهل بلدي فمن أقام كان ذمة ومن هرب لم تعرض له وأدفع المدينة إليك، فرجع ابن بديل معه ففتح جى ووفى بما أعطاه وقال: يا أهل أصبهان رأيتكم لئاما متخاذلين فكنتم أهلا لما فعلت بكم، قَالُوا: وسار ابن بديل في نواحي أصبهان سهلها وجبلها فغلب عليها، وعاملهم في الخراج نحو ما عاملهم عَلَيْهِ أهل الأهواز. قَالُوا: وكان فتح أصبهان وأرضها في
[ ٣٠٥ ]
بعض سنة ثلاث وعشرين أو أربع وعشرين.
وقد روى أن عُمَر بْن الخطاب وجه عَبْد اللَّهِ بْن بديل في جيش فوافى أبا موسى وقد فتح «قم» و«قاشان» فغزوا جميعا «أصبهان» وعلى مقدمة أَبِي موسى الأشعري الأحنف بْن قيس ففتحا اليهودية جميعا عَلَى ما وصفنا، ثُمَّ فتح ابن بديل «جى» وسارا جميعا في أرض «أصبهان» فغلبا عليها، وأصح الأخبار أن أَبَا موسى فتح «قم» و«قاشان» وأن عَبْد اللَّهِ بْن بديل فتح «جى» و«اليهودية» .
وحدثني أَبُو حسان الزيادي عن رجل من ثقيف قال: كان لعثمان بن أبى العاصي الثقفي مشهد بأصبهان.
وحدثنا مُحَمَّد بْن يَحْيَى التميمي عن أشياخه، قَالَ: كانت للأشراف من أهل أصبهان معاقل بجفرباد من رستاق الثيمرة الكبرى ببهجاورسان وبقلعة تعرف بماربين فلما فتحت جى دخلوا في الطاعة عَلَى أن يؤدوا الخراج وأنفوا منَ الجزية فأسلموا.
وقال الكلبي وأبو اليقظان: ولى الهذيل بْن قيس العنبري أصبهان في أيام مروان فمذ ذاك صار العنبريون إليها، قَالُوا: وكان جد أَبِي دلف، وأبو دلف الْقَاسِم بْن عِيسَى بْن إدريس بْن معقل العجلي يعالج العطر ويحلب الغنم، فقدم الجبل في عدة من أهله فنزلوا قرية من قرى همذان تدعى مس، ثُمَّ أنهم أثروا واتخذوا الضياع، ووثب إدريس بْن معقل عَلَى رجل منَ التجار كان له عَلَيْهِ مال فخنقه، ويقال بل خنقه وأخذ ماله، فحمل إِلَى الكوفة وحبس بها في ولاية يوسف بْن عُمَر الثقفي العراقي زمن هِشَام بْن عَبْد الملك، ثُمَّ أن عِيسَى بْن إدريس نزل الكرج وغلب عليها وبنى حصنها وكان حصنا رثا، وقويت حال أَبِي دلف الْقَاسِم بْن عِيسَى وعظم شأنه عند السلطان فكبر ذلك الحصن ومدن الكرج فقيل كرج أَبِي دلف والكرج اليوم مصر منَ الأمصار.
[ ٣٠٦ ]
وكان المأمون وجه علي بْن هِشَام المروزي إِلَى قم وقد عصى أهلها وخالفوا ومنعوا الخراج وأمره بمحاربتهم وأمده بالجيوش ففعل وقتل رئيسهم وهو يَحْيَى بْن عِمْرَان، وهدم سور مدينتهم وألصقه بالأرض وجباها سبعة آلاف ألف درهم وكسرا، وكان أهلها قبل ذلك يتظلمون من ألفي ألف درهم، وقد نقضوا في خلافة أَبِي عَبْد اللَّهِ المعتز بالله بْن المتوكل عَلَى اللَّه فوجه إليهم موسى بْن بغا عامله عَلَى الجبل لمحاربة الطالبين الَّذِينَ ظهروا بطبرستان ففتحت عنوة وقتل من أهلها خلق كثير، وكتب المعتز بالله في حمل جماعة من وجوها.