أَخْبَرَنَا علي بن محمد بن عبد الله بن أَبِي سيف، قَالَ: ولى عُمَر بْن الخطاب ﵁ عُثْمَان بْن أَبِي العاصي الثقفي البحرين وعمان سنة خمس عشرة فوجه أخاه الحكم إِلَى البحرين ومضى إِلَى عمان فأقطع جيشا إِلَى تانه، فلما رجع الجيش كتب إِلَى عُمَر يعلمه ذلك، فكتب إليه عُمَر: يا أخا ثقيف حملت دودا عَلَى عود وإني أحلف بالله لو أصيبوا لأخذت من قومك مثلهم، ووجه الحكم أيضا إِلَى بروص، ووجه أخاه المغيرة بْن أبى العاصي إِلَى خور الديبل، فلقي العدو فظفر، فلما ولى عُثْمَان بْن عَفَّان ﵁، وولى عَبْد اللَّهِ بْن عَامِر بْن كريز العراق كتب إليه يأمره أن يوجه إِلَى ثغر الهند من يعلم علمه وينصرف إليه بخبره فوجه حكيم بْن جبلة العبدي، فلما رجع أوفده إِلَى عُثْمَان فسأله عن حال البلاد فقال: يا أمير الْمُؤْمِنِين قَدْ عرفتها وتنحرتها، قَالَ فصفها لي، قَالَ: ماؤها وشل
[ ٤١٦ ]
وثمرها دفل ولصها بطل، إن قل الجيش فيها ضاعوا، وإن كثروا جاعوا، فقال له عُثْمَان: أخابر أم ساجع، قَالَ: بل خابر فلم يغزها أحدا، فلما كان آخر سنة ثمان وثلاثين وأول سنة تسع وثلاثين في خلافة علي بْن أَبِي طالب ﵁ توجه إِلَى ذلك الثغر الحارث بْن مرة العبدي متطوعا بإذن علي فظفر وأصاب مغنما وسبيا وقسم في يوم واحد ألف رأس، ثُمَّ إنه قتل ومن معه بأرض القيقان إلا قليلا، وكان مقتله في سنة اثنتين وأربعين والقيقان من بلاد السند مما يلي خراسان، ثُمَّ غزا ذلك الثغر المهلب بْن أَبِي صفرة في أيام معاوية سنة أربع وأربعين فأتى بنة والأهواز وهما بَيْنَ الملتان وكابل فلقيه العدو فقاتله ومن معه، ولقي المهلب ببلاد القيقان ثمانية عشر فارسا منَ الترك عَلَى خيل محذوفة فقاتلوه فقتلوا جميعا، فقال المهلب: ما جعل هؤلاء الأعاجم أولى بالتمشير منا فحذف الخيل فكان أول من حذفها منَ المسلمين وفي بنة يقول الأزدي:
ألم تر أن الأزد ليلة بيتوا ببنة كانوا خير جيش المهلب
ثُمَّ ولى عَبْد اللَّهِ بْن عَامِر في زمن معاوية بْن أَبِي سُفْيَان عَبْد اللَّهِ بْن سوار العبدي، ويقال ولاه معاوية من قبله ثغر الهند، فغزا القيقان فأصاب مغنما، ثُمَّ وفد إِلَى معاوية وأهدى إليه خيلا قيقانية وأقام عنده، ثُمَّ رجع إِلَى القيقان فاستجاشوا الترك فقتلوه وفيه يقول الشاعر:
وابن سوار عَلَى عدته موقد النار وقتال السغب
وكان سخيا لم يوقد أحد نارا غير ناره في عسكره، فرأى ذات ليلة نارا فقال: ما هَذِهِ، فقالوا: امرأة نفساء يعمل لها خبيص فأمر أن يطعم الناس الخبيص ثلاثا وولى زياد بْن أَبِي سُفْيَان في أيام معاوية سنان بْن سلمة بْن المحبق الهذلي، وكان فاضلا متألها، وهو أول من أحلف الجند بالطلاق فأتى الثغر ففتح مكران عنوة ومصرها وأقام بها وضبط البلاد، وفيه يقول الشاعر:
[ ٤١٧ ]
رأيت هذيلا أحدثت في يمينها طلاق نساء ما يسوق لها مهرا
لهان عَلَى حلفة ابن محبق إذا رفعت أعناقها حلقا صفرا
وقال ابن الكلبي: كان الَّذِي فتح مكران حكيم بْن جبلة العبدي، ثُمَّ استعمل زياد عَلَى الثغر راشد بْن عَمْرو الجديدي منَ الأزد فأتى مكران، ثُمَّ غزا القيقان فظفر، ثُمَّ غزا الميد فقتل، وقام بأمر الناس سنان بْن سلمة فولاه زياد الثغر فأقام به سنتين، وقال أعشى همدان في مكران:
وأنت تسير إِلَى مكران فقد شحط الورد والمصدر
ولم تك حاجتي مكران ولا الغزو فيها ولا المتجر
وحدثت عنها ولم آتها فما زالت من ذكر آخر
بأن الكثير بها جائع وأن القليل بها معور
[١] وغزا عباد بْن زياد ثغر الهند من سجستان فأتى سناروذ ثُمَّ أخذ عَلَى حوى كهز إِلَى الروذبار من أرض سجستان إِلَى الهندمند فنزل كش وقطع المفازة حَتَّى أتى القندهار فقاتل أهلها فهزمهم وفلهم وفتحها بعد أن أصيب رجال منَ المسلمين، ورأى قلانس أهلها طوالا فعمل عليها فسميت العبادية وقال ابن مفرغ: [١]
كم بالجروم وأرض الهند من قدم ومن سرائنك قتلى لا هم قبروا
بقندهار ومن تكتب منيته بقندهار يرجم دونه الخبر
ثُمَّ ولى زياد المنذر بْن الجارود العبدي ويكنى أَبَا الأشعث ثغر الهند، فغزا البوقان والقيقان فظفر المسلمون وغنموا وبث السرايا في بلادهم، وفتح قصدار وسبابها، وكان سنان قَدْ فتحها إلا أن أهلها انتقضوا، وبها مات فقال الشاعر:
حل بقصدار فأضحى بها في القبر لم يغفل مع الغافلين
_________________
(١) وردت في الأصل مقارع فصححناها اعتمادا على بعض المصادر الأدبية.
[ ٤١٨ ]
لله قصدار وأعنابها أي فتى دنيا أجنت ودين
ثُمَّ ولى عُبَيْد بْن زياد بْن حرى الباهلي، ففتح اللَّه تلك البلاد عَلَى يده وقاتل بها قتالا شديدا فظفر وغنم، وقال قوم: أن عُبَيْد اللَّه بْن زياد ولى سنان ابن سلمة، وكان حرى عَلَى سراياه وفي حرى بْن حرى يقول الشاعر:
لولا طعاني بالبوقان ما رجعت منه سرايا ابن حرى بأسلاب
وأهل البوقان اليوم مسلمون وقد بنى عِمْرَان بْن موسى بْن يَحْيَى بْن خَالِد البرمكي بها مدينة سماها البيضاء وذلك في خلافة المعتصم بالله، ولما ولى الحجاج ابن يوسف بْن الحكم بْن أَبِي عقيل الثقفي العراق ولى سَعِيد بْن أسلم بْن زرعة الكلابي مكران وذلك الثغر فخرج عليه معاوية ومحمد ابنا الحارث العلافيان فقتل وغلب العلافيان عَلَى الثغر واسم علاف هُوَ ربان بْن حلوان بْن عِمْرَان ابن الحاف بْن قضاعة، وهو أَبُو جرم، فولى الحجاج مجاعة بْن سعر التميمي ذلك الثغر فغزا مجاعة فغنم وفتح طوائف من قندابيل، ثُمَّ أتم فتحها مُحَمَّد ابن الْقَاسِم ومات مجاعة بعد سنة بمكران قَالَ الشاعر:
ما من مشاهدك الَّتِي شاهدتها إلا يزينك ذكرها مجاعا
ثُمَّ استعمل الحجاج بعد مجاعة مُحَمَّد بْن هارون بْن ذراع النمري فأهدى إِلَى الحجاج في ولايته ملك جزيرة الياقوت نسوة ولدن في بلاده مسلمات ومات آباؤهن وكانوا تجارا فأراد التقرب بهن، فعرض للسفينة الَّتِي كنا فيها قوم من ميد الديبل في بوارج فأخذوا السفينة بما فيها فنادت امرأة منهن وكانت من بني يربوع يا حجاج، وبلغ الحجاج ذلك فقال: يا لبيك فأرسل إِلَى داهر يسأله تخلية النسوة. فقال: إنما أخذهن لصوص لا أقدر عليهم، فأغزى الحجاج عُبَيْد اللَّه بْن نبهان الديبل فقتل، فكتب إِلَى بديل بْن طهفة البجلي وهو بعمان يأمره أن يسير إِلَى الديبل، فلما لقيهم نفر به فرسه فأطاف به العدو
[ ٤١٩ ]
فقتلوه وقال بعضهم قتله زط البدهة، قَالَ: وإنما سميت هَذِهِ الجزيرة جزيرة الياقوت لحسن وجوه نسائها، ثُمَّ ولى الحجاج مُحَمَّد بْن الْقَاسِم بْن مُحَمَّد بْن الحكم بْن أَبِي عقيل في أيام الوليد بْن عَبْد الملك فغزا السند، وكان مُحَمَّد بفارس وقد أمره أن يسير إِلَى الري وعلى مقدمته أَبُو الأسود جهم بْن زحر الجعفي فرده إليه وعقد له عَلَى ثغر السند وضم إليه ستة آلاف من جند أهل الشام وخلقا من غيرهم وجهزه بكل ما احتاج إليه حَتَّى الخيوط والمال، وأمره أن يقيم بشيراز حَتَّى يتتام إليه أصحابه ويوافيه ما عدله، فعمد الحجاج إِلَى القطن المحلوج فنقع في الخل الخمر الحاذق، ثُمَّ جفف في الظل فقال: إذا صرتم إِلَى السند فإن الخل بها ضيق فانقعوا هَذَا القطن في الماء ثُمَّ اطبخوا به واصطبغوا، ويقال أن محمدا لما صار إِلَى الثغر كتب يشكو ضيق الخل عليهم فبعث إليه بالقطن المنقوع في الخل، فسار مُحَمَّد بْن الْقَاسِم إِلَى مكران فأقام بها أياما ثُمَّ أتى قنزبور ففتحها ثُمَّ أتي أرمائيل ففتحها وكان مُحَمَّد بْن هارون بْن ذراع قَدْ لقيه فانضم إليه وسار معه فتوفي بالقرب منها فدفن بقنيل، ثُمَّ سار مُحَمَّد بْن الْقَاسِم منَ أرمائيل ومعه جهم بْن زحر الجعفي فقدم الديبل يوم جمعة ووافته سفن كان حمل فيها الرجال والسلاح والأداة فخندق حين نزل الديبل، وركزت الرماح عَلَى الخندق، ونشرت الأعلام، وأنزل الناس عَلَى راياتهم، ونصب منجنيقا تعرف بالعرس كان يمد فيها خمسمائة رجل، وكان بالديبل بد عظيم عَلَيْهِ دقل طويل وعلى الدقل راية حمراء إذا هبت الريح أطافت بالمدينة وكانت تدور والبد فيما ذكروا منارة عظيمة يتخذ في بناء لهم فيه صنم لهم أو أصنام يشهر بها وقد يكون الصنم في داخل المنارة أيضا وكل شيء أعظموه من طريق العبادة فهو عندهم بد، والصنم بد أيضا، وكانت كتب الحجاج ترد عَلَى مُحَمَّد وكتب مُحَمَّد ترد عَلَيْهِ بصفة ما قبله واستطلاع رأيه فيما يعمل به في كل ثلاثة أيام، فورد عَلَى مُحَمَّد منَ الحجاج
[ ٤٢٠ ]
كتاب أن أنصب العرس واقصر منها قائمة ولتكن مما يلي المشرق ثُمَّ ادع صاحبها فمره أن يقصد برميته للدقل الَّذِي وصفت لي فرمى الدقل فكسر فاشتد طرة الكفر من ذلك، ثُمَّ أن محمدا ناهضهم وقد خرجوا إليه فهزمهم حَتَّى ردهم، وأمر بالسلاليم فوضعت وصعد عليها الرجال، وكان أولهم صعودا رجل من مراد من أهل الكوفة ففتحت عنوة، ومكث مُحَمَّد يقتل من فيها ثلاثة أيام وهرب عامل داهر عنها وقتل سادني بيت آلهتهم، واختط مُحَمَّد للمسلمين بها وبنى مسجدا وأنزلها أربعة آلاف.
قَالَ مُحَمَّد بْن يَحْيَى: فحدثني مَنْصُور بْن حَاتِم النحوي مولى آل خَالِد بْن أسيد أنه رأى الدقل الذي كان على منارة البد مكسورا، وأن عنبسة بْن إِسْحَاق الضبي العامل كان عَلَى السند في خلافة المعتصم بالله ﵀ هدم أعلى تلك المنارة وجعل فيها سجنا وابتدأ في مرمة المدينة بما نقض من حجارة تلك المناورة فعزل قبل استتمام ذلك، وولى بعده هارون بْن أبى خالد المرور وذى فقتل بها.
قَالُوا: وأتى مُحَمَّد بْن الْقَاسِم البيرون وكان أهلها بعثوا سمنيين منهم إِلَى الحجاج فصالحوه فأقاموا لمحمد العلوفة وأدخلوه مدينتهم ووفوا بالصلح وجعل مُحَمَّد لا يمر بمدينة إلا فتحها حَتَّى عبر نهرا دون مهران فأتاه سمنية سريبدس فصالحوه عمن خلفهم ووظف عليهم الخراج وسار إِلَى سهيان ففتحها، ثُمَّ سار إِلَى مهران فنزل في وسطه فبلغ ذلك داهر واستعد لمحاربته وبعث مُحَمَّد بْن الْقَاسِم مُحَمَّد بْن مصعب بْن عَبْد الرَّحْمَنِ الثقفي إِلَى سدوسا في خيل وحمارات، فطلب أهلها الأمان والصلح وسفر بينه وبينهم السمنية فأمنهم ووظف عليهم خرجا وأخذ منهم رهنا وانصرف إِلَى مُحَمَّد ومعه منَ الزط أربعة آلاف فصاروا مع مُحَمَّد، وولى سدوسان رجلا، ثُمَّ أن محمدا احتال لعبور مهران حَتَّى عبره مما يلي بلاد راسل ملك قصة منَ الهند عَلَى جسر عقده وداهر
[ ٤٢١ ]
مستخف به لاه عنه ولقيه مُحَمَّد والمسلمون وهو عَلَى فيل وحوله الفيلة ومعه التكاكرة فاقتتلوا قتالا شديدا لم يسمع بمثله وترجل داهر وقاتل فقتل عند المساء وانهزم المشركون فقتلهم المسلمون كيف شاءوا وكان الَّذِي قتله في رواية المدائني رجلا من بني كلاب وقال:
الخيل تشهد يوم داهر والقنا وَمُحَمَّد بْن الْقَاسِم بْن مُحَمَّد
أني فرجت الجمع غير معرد حَتَّى علوت عظيمهم بمهند
فتركته تحت العجاج مجدلا متعفر الخدين غير مؤسد
فحدثني مَنْصُور بْن حَاتِم، قَالَ: داهر والذي قتله مصوران ببروص وبديل بْن طهفة مصور بقند وقبره بالديبل.
وحدثني علي بْن مُحَمَّد المدائني عن أَبِي مُحَمَّد الهندي عن أَبِي الفرج قَالَ:
لما قتل داهر غلب مُحَمَّد بْن الْقَاسِم عَلَى بلاد السند، وقال ابن الكلبي: كان الَّذِي قتل داهر الْقَاسِم بْن ثعلبة بْن عَبْد اللَّهِ بْن حصن الطائي.
قالوا وفتح محمد بن القاسم راور عنوة وكانت بها امرأة لداهر فخافت أن تؤخذ فأحرقت نفسها وجواريها وجميع مالها، ثُمَّ أتى محمد بن القاسم بزهمناباذ العتيقة وهي عَلَى رأس فرسخين منَ المَنْصُورة، ولم تكن المَنْصُورة يومئذ إنما كان موضعا غيضة، وكان فل داهر ببرهمناباذ هَذِهِ فقاتلوه ففتحها مُحَمَّد عنوة وقتل بها ثمانية آلاف وقيل ستة وعشرين ألفا وخلف فيها عامله وهي اليوم خراب، وسار مُحَمَّد يريد الرور وبغرور فتلقاه أهل ساوندرى فسألوه الأمان فأعطاهم إياه واشترط عليهم ضيافة المسلمين ودلالتهم وأهل ساوندرى اليوم مسلمون، ثُمَّ تقدم إِلَى بسمد فصالح أهلها عَلَى مثل صلح ساوندرى وانتهى مُحَمَّد إِلَى الرور وهي من مدائن السند وهي عَلَى جبل فحصرهم
[ ٤٢٢ ]
أشهرا ففتحها صلحا عَلَى أن لا يقتلهم ولا يعرض لبدهم وقال: ما البد إلا ككنائس النصارى واليهود وبيوت نيران المجوس ووضع عليهم الخراج بالرورويني مسجدا، وسار مُحَمَّد إِلَى السكة وهي مدينة دون يباس ففتحها والسكة اليوم خراب، ثُمَّ قطع نهر يباس إِلَى الملتان فقاتله أهل الملتان فأبلى زائدة بْن عمير الطائي، وانهزم المشركون فدخلوا المدينة وحصرهم مُحَمَّد ونفدت أزواد المسلمين فأكلوا الحمر، ثُمَّ أتاهم رجل مستأمن فدلهم عَلَى مدخل الماء الَّذِي منه شربهم وهو ماء يجري من نهر بسمد فيصير في مجتمع له مثل البركة في المدينة وهم يسمونه البلاح فغوره، فلما عطشوا نزلوا عَلَى الحكم فقتل مُحَمَّد المقاتلة وسبى الذرية وسبى سدنة البد وهم ستة آلاف، وأصابوا ذهبا كثيرا فجمعت تلك الأموال في بيت يكون عشرة أذرع في ثماني أذرع يلقى ما أودعه في كوة مفتوحة في سطحه فسميت الملتان، فرج بيت الذهب والفرج الثغر وكان بد الملتان بدا تهدى إليه الأموال وينذر له النذور ويحج إليه السند فيطوفون به ويحلقون رؤسهم ولحاهم عنده، ويزعمون أن صنما فيه هُوَ أيوب النَّبِيّ ﷺ.
قَالُوا: ونظر الحجاج فإذا هُوَ قَدْ أنفق عَلَى مُحَمَّد بْن الْقَاسِم ستين ألف ألف ووجد ما حمل إليه عشرين ومائة ألف ألف، فقال: شفينا غيظنا وأدركنا ثأرنا وازددنا ستين ألف ألف درهم ورأس داهر، ومات الحجاج فأتت محمدا وفاته فرجع عن الملتان إلى الرورو بغرور، وكان قَدْ فتحها فأعطى الناس ووجه إِلَى البيلمان جيشا فلم يقاتلوا وأعطوا الطاعة وسالمه أهل سرست وهي مغزى أهل البصرة اليوم وأهلها الميد الَّذِي يقطعون في البحر، ثُمَّ أتى مُحَمَّد الكيرج فخرج إليه دوهر فقاتله فانهزم العدو وهرب دوهر، ويقال قتل ونزل أهل المدينة عَلَى حكم مُحَمَّد فقتل وسبى قَالَ الشاعر:
نحن قتلنا داهرا ودوهرا والخيل تردي منسرا فمنسرا
[ ٤٢٣ ]
ومات الوليد بْن عَبْد الملك، وولى سُلَيْمَان بْن عَبْد الملك فاستعمل صالح ابن عَبْد الرَّحْمَنِ عَلَى خراج العراق، وولى يزيد بْن أَبِي كبشة السكسكي السند فحمل مُحَمَّد بْن الْقَاسِم مقيدا مع معاوية بْن المهلب، فقال مُحَمَّد متمثلا:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر فبكى أهل الهند عَلَى محمد وصوروه بالكيرج فحبسه صالح بواسط فقال:
فلئن ثويت بواسط وبأرضها رهن الحديد مكبلا مغلولا
فلرب فتية فارس قَدْ رعتها ولرب قرن قَدْ تركت قتيلا
وقال:
لو كنت جمعت القرار لوطئت أناث أعدت للوغى وذكور
وما دخلت خيل السكاسك أرضنا ولا كان من عك عَلَى أمير
ولا كنت للعبد المزونى تابعا فيا لك دهر بالكرام عثور
فعذبه صالح في رجال من آل أَبِي عقيل حَتَّى قتلهم، وكان الحجاج قتل آدم أخا صالح، وكان يرى رأي الخوارج، وقال حَمْزَة بْن بيض الحنفي:
إن المروءة والسماحة والندى لمحمد بْن الْقَاسِم بْن مُحَمَّد
ساس الجيوش لسبع عشرة حجة يا قرب ذلك سوددا من مولد
وقال آخر:
ساس الرجال لسبع عشرة حجة ولداته عن ذاك في أشغال
ومات يزيد بْن أَبِي كبشة بعد قدومه أرض السند بثمانية عشر يوما واستعمل سُلَيْمَان بْن عَبْد الملك حبيب بْن المهلب عَلَى حرب السند فقدمها وقد رجع ملوك الهند إِلَى ممالكهم فرجع حليشة بْن داهر إِلَى برهمناباذ ونزل حبيب عَلَى شاطئ مهران فأعطاه أهل الرور الطاعة وحارب قوما فظفر
[ ٤٢٤ ]
بهم، ثُمَّ مات سُلَيْمَان بْن عَبْد الملك وكانت خلافة عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ بعده فكتب إِلَى الملوك يدعوهم إِلَى الإِسْلام والطاعة عَلَى أن يملكهم ولهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وقد كانت بلغتهم سيرته ومذهبه فأسلم حليشة والملوك وتسموا بأسماء العرب، وكان عَمْرو بْن مُسْلِم الباهلي عامل عُمَر عَلَى ذلك الثغر فغزا بعض الهند فظفر وهرب بنو المهلب إِلَى السند في أيام يزيد ابن عَبْد الملك فوجه إليهم هلال بْن أحوز التميمي فلقيهم فقتل مدرك بْن المهلب بقندابيل وقتل المفضل وعبد الملك وزياد ومروان ومعاوية بني المهلب وقتل معاوية بْن يزيد في آخرين.
وولى الجنيد بْن عَبْد الرَّحْمَنِ المرى من قبل عُمَر بْن هبيرة الفزاري ثغر السند، ثُمَّ ولاه إياه هِشَام بْن عَبْد الملك فلما قدم خَالِد بْن عَبْد اللَّهِ القسري العراق كتب هِشَام إِلَى الجنيد يأمره بمكاتبته فأتى الجنيد الديبل، ثُمَّ نزل شط مهران فمنعه حليشة العبور وأرسل إليه أني قَدْ أسلمت وولاني الرجل الصالح بلادي ولست آمنك فأعطاه رهنا وأخذ منه رهنا بما عَلَى بلاده منَ الخراج، ثُمَّ أنهما ترادا الرهن وكفر حليشة وحارب وقيل أنه لم يحارب ولكن الجنيد يجني عَلَيْهِ، فأتى الهند فجمع جموعا وأخذ السفن واستعد للحرب فسار إليه الجنيد في السفن فالتقوا في بطيحة الشرقي فأخذ حليشة أسيرا وقد جنحت سفينته فقتله وهرب صصة بْن داهر وهو يريد أن يمضي إِلَى العراق فيشكو غدر الجنيد، فلم يزل الجنيد يؤنسه حَتَّى وضع يده فى يده فقتله وغزا الجنيد الكيرج، وكانوا قَدْ نقضوا فاتخذ كباشا نطاحة فصك بها حائط المدينة حَتَّى ثلمه ودخلها عنوة فقتل وسبى وغنم ووجه العمال إِلَى مرمد والمندل ودهنج وبروص، وكان الجنيد يقول القتل في الجزع أكبر منه في الصبر، ووجه الجنيد جيشا إِلَى أزين ووجه حبيب بْن مرة في جيش إِلَى أرض المالية فأغاروا عَلَى أزين وغزوا بهريمد فحرقوا ربضها، وفتح الجنيد
[ ٤٢٥ ]
البيلمان والجرز، وحصل في منزله سوى ما أعطى زواره أربعين ألف ألف وحمل مثلها قَالَ جرير:
أصبح زوار الجنيد وصحبه يحيون صلت الوجه حما مواهبه
وقال أَبُو الجويرية:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم قوم بإحسانهم أو مجدهم قعدوا
محسدون عَلَى ما كان من كرم لا ينزع الله منهم ماله حسدوا
ثُمَّ ولى بعد الجنيد تميم بْن زيد العتبي فضعف ووهن ومات قريبا منَ الديبل بماء يقال له ماء الجواميس، وإنما سمي ماء الجواميس لأنه يهرب بها إليه من دباب زرق تكون بشاطئ مهران، وكان تميم من أسخياء العرب وجد في بيت المال بالسند ثمانية عشر ألف ألف درهم طاطرية فأسرع فيها، وكان قَدْ شخص معه في الجند فتى من بني يربوع يقال له خنيس وأمه من طيء إِلَى الهند فأتت الفرزدق فسألته أن يكتب إِلَى تميم في إقفاله وعاذت بقبر غالب أبيه، فكتب الفرزدق إِلَى تميم:
أتتني فعاذت يا تميم بغالب وبالحفرة السافي عليها ترابها
فهب لي خنيسا واتخذ فيه منة لحوبة أم ما يسوغ شرابها
تميم بْن زيد لا تكونن حاجتي بظهر ولا يجفى عليك جوابها
فلا تكثر الترداد فيها فإنني ملول لحاجات بطيء طلابها
فلم يدر ما اسم الفتى أهو خنيش أم خنيس فأمر أن يقفل كل من كان اسمه عَلَى مثل هَذِهِ الحروف، وفي أيام تميم خرج المسلمون عن بلاد الهند ورفضوا مراكزهم فلم يعودوا إليها إِلَى هَذِهِ الغاية، ثُمَّ ولى الحكم بْن عوانة الكلبي وقد كفر أهل الهند إلا أهل قصة فلم ير للمسلمين ملجأ يلجؤن إليه فبنى من وراء البحيرة مما يلي الهند مدينة سماها المحفوظة وجعلها مأوى لهم
[ ٤٢٦ ]
ومعاذا ومصرها، وقال لمشايخ كلب من أهل الشام ما ترون أن نسميها، فقال بعضهم دمشق، وقال بعضهم حمص، وقال رجل منهم سمها تدمر، فقال: دمر اللَّه عليك يا أحمق ولكنى أسميها المحفوظة ونزلها، وكان عَمْرو ابن مُحَمَّد بْن الْقَاسِم مع الحكم، وكان يفوض إليه ويقلده جسيم أموره وأعماله، فأغزاها منَ المحفوظة، فلما قدم عَلَيْهِ وقد ظفر أمره فبنى دون البحيرة مدينة وسماها المَنْصُورة فهي الَّتِي ينزلها العمال اليوم، وتخلص الحكم ما كان في أيدي العدو مما غلبوا عَلَيْهِ ورضي الناس بولايته، وكان خالد يقول وا عجبا وليت فتى العرب فرفض يعنى تميما ووليت أبخل الناس فرضي به، ثُمَّ قتل الحكم بها، ثُمَّ كان العمال بعد يقاتلون العدو فيأخذون ما استطف لهم ويفتحون الناحية قَدْ نكث أهلها، فلما كان أول الدولة المباركة ولى أَبُو مُسْلِم عَبْد الرَّحْمَنِ بْن مُسْلِم مغلسا البعدي ثغر السند وأخذ عَلَى طخارستان وسار حَتَّى صار إِلَى مَنْصُور ابن جمهور الكلبي وهو بالسند فلقيه مَنْصُور فقتله وهزم جنده، فلما بلغ أَبَا مُسْلِم ذلك عقد لموسى بْن كعب التميمي ثُمَّ وجهه إِلَى السند، فلما قدمها كان بينه وبين مَنْصُور بْن جمهور مهران، ثُمَّ التقيا فهزم مَنْصُورا وجيشه وقتل منظورا أخاه وخرج مَنْصُور مفلولا هاربا حَتَّى ورد الرمل فمات عطشا، وولى موسى السند فرم المَنْصُورة وزاد في مسجدها وغزا وافتتح، وولى أمير الْمُؤْمِنِين المَنْصُور ﵀ هِشَام بْن عَمْرو التغلبي السند ففتح ما استغلق، ووجه عَمْرو بْن جمل في بوارج إلى نارند ووجه إِلَى ناحية الهند فافتتح قشميرا وأصاب سبابا ورقيقا كثيرا، وفتح الملتان وكان بقندابيل متغلبة منَ العرب فأجلاهم عنها، وأتى القندهار في السفن ففتحها وهدم البد وبنى موضعه مسجدا، فأخصبت البلاد في ولايته فتبركوا به ودوخ الثغر وحكم أموره، ثُمَّ ولى ثغر السند عمر بن حفص بن عثمان هزار مرد ثُمَّ داود بْن يزيد بْن حَاتِم، وكان معه أَبُو الصمة
[ ٤٢٧ ]
المتغلب اليوم وهو مولى لكندة، ولم يزل أمر ذلك الثغر مستقيما حَتَّى وليه بشر بْن داود في خلافة المأمون فعصى وخالف فوجه إليه غسان بْن عباد وهو رجل من أهل سواد الكوفة فخرج بشر إليه في الآمان وورد به مدينة السلام، وخلف غسان على الثغر موسى بر يَحْيَى بْن خَالِد بْن برمك، فقتل باله ملك الشرقي وقد بذل له خمسمائة ألف درهم على أن يستبقه، وكان باله هَذَا التوى عَلَى غسان وكتب إليه في حضور عسكره فيمن حضره منَ الملوك فأبى ذلك، وأثر موسى أثرا حسنا ومات سنة إحدى وعشرين واستخلف ابنه عِمْرَان بْن موسى فكتب إليه أمير الْمُؤْمِنِين المعتصم بالله بولاية الثغر فخرج إِلَى القيقان وهم زط فقاتلهم فغلبهم، وبنى مدينة سماها البيضاء وأسكنها الجند، ثُمَّ أتى المَنْصُورة وصار منها إِلَى قندابيل وهي مدينة عَلَى جبل وفيها متغلب يقال له مُحَمَّد بْن الخليل فقاتله وفتحها وحمل رؤساءها إِلَى قصدار، ثُمَّ غزا الميد وقتل منهم ثلاثة آلاف وسكر سكرا يعرف بسكر الميد وعسكر عِمْرَان عَلَى نهر الرور ثُمَّ نادي بالزط الَّذِينَ بحضرته فأتوه فختم أيديهم وأخذ الجزية منهم وأمرهم بأن يكون مع كل رجل منهم إذا اعترض عَلَيْهِ كلب، فبلغ الكلب خمسين درهما، ثُمَّ غزا الميد ومعه وجوه الزط، فحفر منَ البحر نهرا أجراه في بطيحتهم حَتَّى ملح ماءهم وشن الغارات عليهم، ثُمَّ وقعت العصبية بَيْنَ النزارية واليمانية فمال عِمْرَان إِلَى اليمانية فسار إليه عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ الهباري فقتله وهو غار، وكان جد عُمَر هَذَا ممن قدم السند مع الحكم بْن عوانة الكلبي.
وحدثني مَنْصُور بْن حَاتِم، قَالَ: كان الْفَضْل بْن ماهان مولى بني سامة فتح سندان وغلب عليها وبعث إِلَى المأمون ﵀ بفيل وكاتبه ودعا له في مَسْجِد جامع اتخذه بها، فلما مات قام مُحَمَّد بْن الْفَضْل بْن ماهان مقامه فسار
[ ٤٢٨ ]
في سبعين بارجة إِلَى ميد الهند فقتل منهم خلقا وافتتح فالى ورجع إِلَى سندان وقد غلب عليها أخ له يقال له ماهان بْن الْفَضْل، وكاتب أمير الْمُؤْمِنِين المعتصم بالله وأهدى إليه ساجا لم ير مثله عظما وطولا، وكانت الهند في أمر أخيه فمالوا عَلَيْهِ فقتلوه وصلبوه، ثُمَّ أن الهند بعد غلبوا عَلَى سندان فتركوا مسجدها للمسلمين يجمعون فيه ويدعون للخليفة.
وحدثني أَبُو بكر مولى الكريزبين: أن بلدا يدعى العسيفان بَيْنَ قشمير والملتان، وكابل، كان له ملك عاقل، وكان أهل ذلك البلد يعبدون صنما قَدْ بنى عَلَيْهِ بيت وأبدوه، فمرض ابن الملك فدعى سدنة ذلك البيت، فقال لهم: أدعوا الصنم أن يبرئ ابني فغابوا عنه ساعة، ثُمَّ أتوه فقالوا قَدْ دعوناه وقد أجابنا إِلَى ما سألناه فلم يلبث الغلام أن مات، فوثب الملك عَلَى البيت فهدمه وعلى الصنم فكسره وعلى السدنة فقتلهم، ثُمَّ دعا قوما من تجار المسلمين فعرضوا عَلَيْهِ التوحيد فوحد وأسلم، وكان ذلك في خلافة أمير الْمُؤْمِنِين المعتصم بالله ﵀.