بسم الله الرحمن الرحيم.
﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ .
إقبال الجند.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى إله وصحبه أجمعين.
قال الإمام الواقدي رحمه الله تعالى آمين: حدثني أبو بكر بن الحسن بن سفيان بن نوفل بن محمد بن ابراهيم التيمي ومحمد بن عبد الله الأنصاري وأبو سعيد مولى هشام ومالك بن أبي الحسن وإسماعيل مولى الزبير ومازن بن عوف من بني النجار كل حدث عن فتوح الشام بما كان قالوا جميعا: إنه لما توفي رسول الله ﷺ واستخلف بعده أبو بكر الصديق ﵁ قتل في خلافته مسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة وقاتل بني حنيفة وأهل الردة وأطاعته العرب فعزم أن يبعث جيشه إلى الشام وصرف وجهه لقتال الروم فجمع أصحاب رسول الله ﷺ في المسجد وقام فيهم خطيبا فحمد الله ﷿ وقال: يا أيها الناس رحمكم الله تعالى اعلموا أن الله فضلكم بالإسلام وجعلكم من أمة محمد ﵊ وزادكم ايمانا ويقينا ونصركم نصرا مبينا وقال فيكم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] واعلموا أن رسول الله ﷺ كان عول أن يصرف همته إلى الشام فقبضه الله إليه واختار له ما لديه إلا وإني عازم أن اوجه ابطال المسلمين إلى الشام بأهليهم ومالهم فإن رسول الله ﷺ أنبأني بذلك قبل موته وقال: "زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها" فما قولكم في ذلك فقالوا: يا خليفة رسول الله مرنا بأمرك ووجهنا حيث شئت فإن الله تعالى فرض علينا طاعتك فقال تعالى: ﴿يَا أيها الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ منكم﴾ [النساء: ٥٩] ففرح أبو بكر رضي الله عليه ونزل عن المنبر وكتب الكتب إلى ملوك اليمن وأهل مكة وكانت الكتب فيها نسخة واحدة. وهي:
[ ١ / ٥ ]
بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم.
أما بعد فاني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه محمد ﷺ وقد عزمت أن أوجهكم إلى بلاد الشام لتأخذوها من أيدي الكفار والطغاة فمن عول منكم على الجهاد والصدام فليبادر إلى طاعة الملك العلام ثم كتب: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأنفسكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١] الآية ثم بعث الكتب إليهم وأقام ينتظر جوابهم وقدومهم وكان الذي بعثه بالكتب إلى اليمن أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ قال: فما مرت الأيام حتى قدم أنس ﵁ يبشره بقدوم أهل اليمن وقال: يا خليفة رسول الله وحقك على الله ما قرأت كتابك على أحد إلا وبادر إلى طاعة الله ورسوله وأجاب دعوتك وقد تجهزوا في العدد والعديد والزرد النضيد وقد أقبلت إليك يا خليفة رسول الله مبشرا بقدوم الرجال وأي رجال وقد أجابوك شعثا غبرا وهم أبطال اليمن وشجعانها وقد ساروا إليك بالذراري والأموال والنساء والأطفال وكأنك بهم وقد أشرفوا عليك ووصلوا إليك فتأهب إلى لقائهم قال فسر أبو بكر ﵁ بقوله سرورا عظيما وأقام يومه ذلك حتى إذا كان من الغد اقبلوا إلى الصديق ﵁ وقد لاحت غبرة القوم لأهل المدينة قال فاخبروه فركب المسلمون من أهل المدينة وغيرهم واظهروا زينتهم وعددهم ونشروا الأعلام الإسلامية ورفعوا الألوية المحمدية فما كان إلا قليل حتى أشرفت الكتائب والمواكب يتلو بعضها بعضا قوم في أثر قوم وقبيلة في أثر قبيلة فكان أول قبيلة ظهرت من قبائل اليمن حمير وهم بالدروع الداودية والبض العادية والسيوق الهندية وأمامهم ذو الكلاع الحميري ﵁ فلما قرب من الصديق ﵁ أحب أن يعرفه بمكانه وقومه وأشار بالسلام وجعل ينشد ويقول:
أتتك حمير بالأهلين والولد
أهل السوابق والعالون بالرتب
أسد غطارفة شوس عمالقة
يردوا الكماء غدا في الحرب بالقضب
الحرب عادتنا والضرب همتنا
وذو الكلاع دعا في الأهل والنسب
دمشق لي دوت كل الناس اجمعهم
وساكنيها سأهويهم إلى العطب
قال: فتبسم أبو بكر الصديق ﵁ من قوله ثم قال لعلي بن أبي طالب ﵁: يا أبا الحسن أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أقبلت حمير ومعها نساؤها تحمل أولادها فأبشر بنصر الله على أهل الشرك أجمعين" فقال الإمام علي صدقت وأنا سمعته من رسول الله ﷺ. قال أنس ﵁ وسارت حمير بكتائبها وأموالها وأقبلت من بعدها كتائب مذحج أهل الخير العتاق والرماح الدقاق وأمامهم.
[ ١ / ٦ ]
سيدهم قيس بن هبيرة المرادي ﵁ فلما وصل إلى الصديق ﵁ جعل يقول: صلوا على طه الرسول:
أتتك كتائب منا سرعا
ذوو التيجان أعني من مراد
فقدمنا أمامك كي ترانا
نبيد القوم بالسيف النجادى
قال: فجزاه أبو بكر ﵁ خيرا وتقدم بكتائبه ومواليه وتقدمت من بعده قبائل طيىء يقدمها حارث بن مسعد الطائي ﵁ فلما وصل هم أن يترجل فأقسم عليه أبو بكر ﵁ بالله تعالى أن لا تفعل فدنا منه فصافحه وسلم عليه وأقبلت الأزد في جموع كثيرة يقدمها جندب بن عمرو الدوسي ﵁ ثم جاءت من بعدهم بنو عبس يقدمهم الأمير ميسرة بن مسروق العبسي ﵁ وأقبلت من بعدهم بنو كنانة يقدمهم غيثم بن اسلم الكناني وتتابعت قبائل اليمن يتلو بعضها بعضا ومعهم نساؤهم وأموالهم فلما نظر أبو بكر ﵁ إلى نصرتهم سر بذلك وشكر الله تعالى وانزل القوم حول المدينة كل قبيلة متفرقة عن صاحبتها واستمروا فأضر بهم المقام من قلة الزاد وعلف الخيل وجدوبة الأرض فاجتمع أكابرهم عند الصديق ﵁ وقالوا: يا خليفة رسول الله إنك أمرتنا بأمر فأسرعنا لله ولك رغبة في الجهاد وقد تكامل جيشنا وفرغنا من أهبتنا والمقام قد أضر بنا لأن بلدك ليست بلد جيش ولا حافر ولا عيش والعسكر نازل فإن كنت قد بدلت فيما عزمت عليه فأمرنا بالرجوع إلى بلدنا وأقبل الجميع وخاطبوه بذلك فلما فرغوا من كلامهم قال أبو بكر ﵁: يا أهل اليمن ومن حضر من غيرهم أما والله ما أريد لكم الأضرار وإنما أردنا تكاملكم قالوا: إنه لم يبق من ورائنا أحد فاعزم على بركة الله تعالى.
[ ١ / ٧ ]