قال الراوي: وكان لرودس هذا صاحب حران المقبوض عليه ولد وكان قد قبض أبوه عليه لانه خاف منه وكان شجاعا اسمه ارعوك فقبض عليه وحبسه في العمق وكان له أم اسمها ست العسكر وهي صاحبة سميساط وكانت قد مضت إلى زيارة أهلها وهي غضبانة للقبض على ولدها فلما بلغها أن أرسوس ملك حران صعب عليها وركبت من سميساط وجاءت العمق وخلت بولدها وأخبرته أن حران ملكها أرسوس فأخرجته وسلمت إليه الاموال وقالت انفق على الفرسان واجمع لك جيشا وأمض إلى هذا الرجل الذي فعل ما فعل قال فانفق المال وأتت إليه الرجال وبقي في جيش عظيم وعبر الفرات.
[ ٢ / ١١٧ ]
وقصد حران وبلغ أرسوس الخبر فخرج إلى لقائه والتقى الجمعان وكان قد قدم أمام جيشه بطلا من الارمن اسمه أرجوك في ثلاثة آلاف فوقعت الهزيمة على الارمني.
حدثنا عبد الله بن اسيد قال: حدثنا سالم بن ربيعة عن عدلان التميمي عن محمد بن عمر الواقدي قال لما بلغت الاخبار إلى عياض بن غنم بمسير أرجوك الارمني إلى أرسوس أحضر عياض رودس صاحب حران وأخبره بما انتهى إليه من خبر أرسوس وكيف ملك حران وإن ولده يريد أن يلقى أرسوس وإني قد عولت على قتلك إلا أن تدخل في ديننا فقال أن أنت أطلقتني سلمت اليك ما تحت يدي من القلاع ولعلى أخلص حران لأن أهلها يحبونني لاني كنت محسنا في حقهم وأنا أقول انهم إذا رأوني سلموا إلى البلد وأنا أسلمها اليكم على إنك تعطيني السويداء ونصيبين الصغرى وأنا أعطيكم الجزية كل عام قال فأجابه إلى ذلك وأمر عبد الله يوقنا أن يستخلفه فحلف وأجاب إلى ذلك فاطلقه وبعث معه يوقنا في جماعته ورد على رودس خيامه وثقله وجماعته وانسلوا من الليل من مرج رغبان طالبين حران فلما قربوا منها أرسلوا عيونهم فوجدوا العسكر نازلا خارجا منها وعسكر ولده بازائه غير أنه قد اسر أرجوك وأخذه أرسوس وإن عسكره باق على حاله وقد بعث إليهم أرسوس رسولا يدعوهم أن يكونوا من حزبه وينعم عليهم وإن ينزل بهم وبعسكره على الرها ليأخذها وتصير من تحت يده قالوا: حتى نرى لأنفسنا في ذلك.
قال الراوي: فلما قدم رودس ويوقنا ونظرا إلى العسكرين والنيران تتقد قال رودس ليوقنا هذه النار القريبة لا شك أنها لعسكر ولدي فأرسل إليهم من يختبرهم فسار الرجل وعلم من هم وعاد فأخبره أن القوم معولون على أن يحلف لهم أرسوس وإن يكونوا جنده وقد تقرر الحال على أنه في غداة غد يخرج في مائة فارس من أصحابه إلى دير فرها بين الرها وحران ومن عسكر ولدك خمسون من أكابرهم ويتعاهدون هناك قال فلما سمع يوقنا ذلك تهلل وجهه فرحا وقال لرودس أبشر فقد صار القوم في قبضتنا ثم مضوا يطلبون الدير وكمنوا بالقرب منه ثم أن يوقنا أرسل غلاما له وكان نجيبا قد رباه وكان اسمه شامس وكان لبيبا فقال: يا شامس انطلق إلى صاحب الرها وهو كيلوك وقل له أن مقدمي صاحب أرجوك قد بعثني اليك لكي يكونوا من رجالك فإنك منهم وإليهم وأرسوس من الروم وإن رجالا منا يأتون إلى دير فرها وارسوس معهم حتى يحلف لهم ويحلفوا له ويريد منك أن تخرج في مائة وتكمن لنا بالقرب من الدير فإذا قدمنا فاخرج علينا قال فانطلق شامس إلى أن قدم على صاحب الرها وحدثه بما ألقى إليه صاحبه يوقنا وكان من قضاء الله وقدره أن الحيلة التي دبرها يوقنا وبعث بها إلى صاحب الرها.
[ ٢ / ١١٨ ]
قد بعث بها أكابر جيش أرجوك فلما قدم شامس عليه من قبل يوقنا وحدثه بالحديث الذي ذكرنا تأكد عنده ذلك وخرج في أربعمائة من قومه في أكمل سلاح وساروا طالبين دير قرها قال: وكان يوقنا قد كمن بالقرب منهم واختلس شامس وأتى إلى يوقنا وأخبره بأنهم كامنون في المكان الفلاني وهم منكم قريب قال: وأما ما كان من أمر ارسوس فإنه لما أرسل رسوله إلى الأرمن من عسكر أرجوك أتى رودس وقال لهم: انه يحلف لهم ويحلفون انهم لا يخامرون عليه ووقع الاتفاق على أن يكون الحلف في دير فرها فلما كان آخر الليل مضوا وهم متباعدون من بعضهم خوفا من الغدر وكان خاطرهم طيبا بصاحب الرها بما قرروا عنده ثم إنه قبل خروجهم أعلموا ألفا من شجعانهم بأن ينسلوا من العسكر في خفية وإن يلحقوهم ليكونوا عونا لصاحب الرها وقالوا لهم: لا تتكلموا دون أن تروا صاحب الرها قد خرج عليه بكمينه فإذا خرجتم فازعقوا بشارة كأنكم من أصحابه حتى يطمئن اليكم فلعل أن تقبضوا عليه حتى يخلص أميرنا أرجوك قال فانسلوا من أول الليل ولم يعلم بهم أحد.
قال الراوي: ولما أشرف أرسوس على الدير إذا به قد خرج عليه مائتا فارس من أصحاب رسول الله ﷺ وكان المقدم عليهم عمرو بن معد يكرب الزبيدي وكان السبب في ذلك أن عياض بن غنم لما بعث رودس ويوقنا معه وأصحابه ساء ظنه من جانب رودس وقال لقد فرطت وأذهبنا ولي الله مع عدو الله قال خالد: أيها الأمير لا تشغل سرك من قبل رودس فإن ملوك الروم إذا قالت وفت ويرون العار في أن يقول أحدهم قولا ولا يفي به فقال: يا أبا سليمان انه لا ينبغي لنا أن نغفل عن صاحبنا ومن معه ثم إنه أرسل عمرو بن معد يكرب الزبيدي في مائتي فارس وساروا طالبين حران فلقوا في طريقهم ارسوس وهو خارج إلى الدير فقبضوا عليه وعلى من كان معه وأما يوقنا فإنه قبض على كيلوك صاحب الرها وكمن إلى الليل وتوجه إلى الرها فلما قربوا منها وقد لبسوا الثياب التي كانت على صاحب الرها وألبس جماعته ثياب جماعة صاحب الرها فلما قربوا منها وكانوا قد أوقدوا لهم مشاعل فتحوا لهم الباب فدخلوا فلما حصلوا داخلها رفعوا أصواتهم بالتهليل والتكبير والثناء على رب العالمين فما جسر أحد من العوام أن يتكلم واحتوى يوقنا على ما كان فيها من ذخائر وتحف وخزائن كيلوك وأمواله وترك عليها من يثق به بعد ما قبض على من يخافه من رؤسائها وأكابرها وكان قد استأمنه ابن عم كيلوك فأمنه فدله على جميع ما كان لكيلوك ثم أخذه أمامه وساروا طالبين حران فوجدوا رودس قد فتحها وذلك أنه لما قبض عمرو بن معد يكرب على ارسوس سار رودس ومعه بقية عسكر المسلمين حتى وصل إلى حران ونادى الناس الذين على السور فلما عرفوه فتحوا له الباب وصقعوا وساروا معه إلى دار إمارته فملكها وأتى له عظماء البلد وهنئوه بالسلامة فقام فيهم خطيبا وقال لهم: اعلموا أن الله تعالى أنقذني وأنجاني.
[ ٢ / ١١٩ ]
وقد جرى من حديثي كذا وكذا وإني عاهدت أمير القوم أن أسلم إليهم هذه المدينة ويوليني على نصيبين الصغرى والسويداء وحلفت له على ذلك وإني سوف أوفي بعهدي وأشهدكم أن كل دين يخالف دين الإسلام فهو باطل وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله قال فلما سمع أهل حران ذلك قالوا: لقد أراد الله بك خيرا ونحن نوافقك على إسلامك فأسملوا إلا قليلا منهم.
[ ٢ / ١٢٠ ]