قال عبد الله بن انيس فبينما هم على ذلك إذ اقبل خالد بن الوليد ﵁ وجيش الزحف فقال شكر لك الله واحسن جزاءك ثم قال عبد الله يا ضرار اعلم أن حامية الروم والبطارقة عند الدير لاجل ابنه صاحب طرابلس وما معها من الأموال وقد.
[ ١ / ٩٦ ]
أحاط بها كل فارس من الروم فهل لك يا ابن الأزور أن تحمل معي فقال وأين هم فقال: أما تنظر إليهم فمد عينه وإذا بحامية الروم وبطريق طرابلس وقد أحدقوا بالدير يمنعون عن الجارية والنيران مشتعلة والصلبان تلمع كضوء النار وكأنهم سد من حديد فقال ارشدك الله للخيرات فنعم المرشد أنت أحمل حتى أحمل معك بحملتك قال فحمل عبد الله بن جعفر من جهته وحمل ضرار بن الأزور من جهته واتبعتهما الرجال وزعقوا في الروم وحماة المشركين وهم يمانعون عن أنفسهم وكان اشدهم منعة بطريقهم فبرز أمام القوم وهو يهدر كالبعير ويزأر زئير الاسد يصيح بكلمة الكفر ويحمل حملات الشجعان فقصده ضرار بن الأزور وباطشه في الضرب والتقت الأقران ونظر ضرار إلى العلج وعظم خلقته وتمكنه في سرجه وشدة ضربه وحسن احترازه فاخذ ضرار منه حذره واحترز منه البطريق وطلبه اشد الطلب وكل واحد منهما طامع في صاحبه فانفرد ضرار بن الأزور مع صاحب القوم وكل قرن مع قرنه وليس مع ضرار أحد المسلمين فانبسط ضرار بين ايديهم ليمكر بهم وطلبه البطريق وأصحابه وقصدوه بحملتهم فلما نظر ضرار إلى ذلك قصد موضعا يصلح لمجال الخيل فاعترضه واحد من ظلمة الليل فكبابه الجواد فسقط الأرض هاويا ثم ثار من سقطته يروم أخذ الفرس فلم يجد إلى ذلك سبيلا فوقف مكانه وسيفه وجحفته بيده وجعل يجاهدهم بسيفه وصبر لهم صبر الكرام ولم يأخذه في الله لومة لائم فخفق عليه بطريق الروم واقبل يضرب بعموده فلما لازمه ورمى العمود عليه زاغ ضرار عن الضربة ثم وثب إليه وثبة الاسد وضربه ضربة ازعجت فرس البطريق من تحته وقام على رجليه وشك بيديه وضربه الثانية فوقعت ضربة ضرار في عين جواده فانتكس الجواد إلى الأرض ووقع العلج على ظهره ولم يقدر أن يقوم لانه مزرد في سرجه فعالجه ضرار قبل وصول غلمانه إليه وضربه على حبل عانقه فنبا سيفه ولم يعمل شيئا فناهضه المعلج وقد ايكن بالهلاك وقبض عليه وكان الجبل العظيم فرماه ضرار تحته وملك صدره واستوى على نحره وكان مع ضرار سكين من صنعة اليمن لا تفارقه فاستلها من غمدها وضرب صدر عدو الله إلى سرته فسقط عدو الله قتيلا وعجل الله روحه إلى النار وبئس القرار.
ثم وثب ضرار وملك جواد عدو الله واستوى في سرجه وكان على الجواد كثيرا من الذهب والفضة والفصوص التي تساوي ثمنا كثيرا فلما صار على ظهر الجواد حمل وكبر على المشركين ففرقهم يمينا وشمالا وكان ضرار لما انبسط أمام القوم ملك عبد الله بن جعفر الدير ومن فيه ومن معه من المسلمين واحدقوا به ولم ياخذوا منه شيئا حتى رجع خالد ﵁ من اتباع الروم وذلك أن خالدا اتبعهم إلى نهر عظيم كان بينهم وبين طرابلس الشام والروم يعرفون مخاوضه فوقف خالد ورجع إلى أصحاب رسول الله ﷺ فوجدهم قد ملكوا الدير وقتلوا العلج وانتشرت الناس في جمع الغنائم وما.
[ ١ / ٩٧ ]
كان في السوق والفراش والقماش والثياب والطعام وغيره قال وائلة بن الاسقع فجعلنا نجمعه ونأكل الخيرات واخرجوا ما كان في الدير من انية الذهب والفضة والستور والمراتب واخرجوا ابنة البطريق ومعها أربعون جارية لهن حلي وحلل والمال على البراذين والبغال والحمير فانقلب أصحاب رسول الله ﷺ بالغنيمة والأموال الجسيمة.
قال الواقدي: فنسبت تلك السرية لثلاث عبد الله بن جعفر صاحبها وعبد الله بن انيس مدركها وخالد بن الوليد منجدها ولقى خالد فيها مشقة وجراحا مؤلمة فلما سار واقبل خالد إلى الدير فصاح بصاحبه يا راهب فلم يكلمه فهتف به مرة اخرى وهدده فاطلع عليه وقال: ما تشاء وحق المسيح ليطالبنك صاحب هذه الخضراء بدماء من قتلت فقال خالد: كيف يطالبنا وقد امرنا أن نقاتلكم ونجاهدكم ووعدنا على ذلك الثواب ووالله لولا رسول الله ﷺ نهانا أن نتعرض لكم لاتركتك في صومعتك بل كنت قتلتك اشر قتلة فسكت الراهب عنه ولم يجبه وانقلب خالد والمسلمون بالغنائم إلى دمشق وابو عبيدة ﵁ فيها فشكر لهم وسلم خالد وعلى عبد الله بن جعفر ﵁ ورجع إلى مكانه فخمس الغنيمة وقسمها على الناس فدفع لضرار بن الأزور فرس البطريق وسرجه وما عليه من حلى الذهب والفضة والجواهر والفصوص فأتى به ضرار إلى اخته السيدة خولة ﵂ قال فرأيتها تنزع فصوص الجوهر فنفرقها على نساء المسلمين وأن الفص منها ليساوي الثمن الكثير قال وعرض السبي على ابي عبيدة ﵁ وفي الجملة ابنة البطريق فقال عبد الله ابن جعفر أريدها قال أبو عبيدة: حتى استأذن أمير المؤمنين في ذلك فكتب إليه يعلمه بها وبمسألة عبد الله بن جعفر فكتب عمر بن الخطاب ﵁ هي له فأخذها عبد الله واقامت زمانا عنده وعلمها الطبخ وكانت من قبل تعرف طبخ الفرس والروم واقامت عنده إلى ايام يزيد فأخبر بها فاستهلااها منه فاهداها له وكانت عنده وقال عامر بن ربيعة اصابني من غنيمة سوق الدير أثواب ديباج حرير فيها صور الروم وكان في كل ثوب منها صورة حسنة وهي صورة مريم وعيسى ﵉ فحملت الثياب إلى اليمن فبيعت بثمن كثير وكتب إلى عمي وأنا مع ابي عبيدة يا ابن اخي ابعث لي من هذه الثياب واكثر منها فإنها تنفق.
قال الواقدي: فلما رجع جيش المسلمين غانما كتب أبو عبيدة بن الجراح ﵁ إلى عمر بن الخطاب ﵁ كتابا يخبره بما فتح الله على يديه وما غنم المسلمون من دير ابي القدس ويمدخ خالدا ويشكره ويثني عليه ويخبره بما قال وما تكلم به وسأله في كتابه أن يكتب إلى خالد يستشيره في المسير إلى هرقل او إلى بيت المقدس وكتب إليه ايضا أن بعض المسلمين يشربون الخمر قال عاصم بن ذؤيب العامري وكان ممن شهد قتال الروم بالشام وفتح دمشق العرب الوافدين من اليمن فأخذوا في الشرب.
[ ١ / ٩٨ ]
واستطابوا ذلك فانكر ذلك الأمير أبو عبيدة فقال رجل من العرب اظنه سراقة ابن عامر يا معاشر المسملين خلوا شرب الخمور فإنها تزيل العقول وتكسب الإثم وأن رسول الله ﷺ لعن شارب الخمر حتى لعن حاملها والمحمولة إليه.
وحدثني اسامة بن زيد الليتي عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف الغفاري قال كنت مع ابي عبيدة بالشام فكتب إلى عمر بن الخطاب ﵁ يخبره بفتح الشام وفي الكتاب أن المسلمين يشربون الخمر واستقلوا الحد فقدمت المدينة فوجدت عمر ﵁ في مسجد رسول الله ﷺ جالسا وعنده نفر في الصحابة وهم عثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف يتحدثون فدفعت الكتاب إليه فلما قرأه جعل يفكر في ذلك ثم قال أن رسول الله ﷺ جلد من شربها ثم سأل عمر عليا ﵁ في ذلك وقال: ما ترى في هذا فقال علي ﵁ أن السكران إذا سكر هذي وإذا هذي افترى فكتب إليه عمر أن من شرب الخمر فعليه ثمانون جلدة ولعمري ما يصلح لهم إلا الشدة والفقر ولقد كان حقهم يراقبوا ربهم ﷿ ويعبدوه ويؤمنوا به ويشكروه فمن عاد فأقم عليه الحد.
قال الواقدي: ق فلما ورد كتاب عمر ﵁ وقراه نادى في المسلمين من من كان في نفسه حد فليعط ذلك من نفسه وليتب إلى الله ﷿ ففعل ذلك كثير من الناس ممن كان شرب الخمر واعطى الحد من نفسه ثم قال أبو عبيدة ﵁: إني عزمت على المسير إلى انطاكيا وقصد قلب الروم لعل الله يفتح فتحا على ايدينا فقال المسلمون سر حيث شئت فنحن تبع لك نقاتل اعداءك فسر بقولهم وقال: تأهبوا للرحيل فاني سائر بكم إلى حلب فإذا فتحناها توجهنا منها أن شاء الله تعالى إلى انطاكيا فاسرع المسلمون في اصلاح شأنهم وأخذوا اهبتهم فلما فرغ أبو عبيدة ﵁ من جميع شغله أمر خالد بن الوليد ﵁ أن يأخذ راية العقاب التي عقدها أبو بكر الصديق ﵁ وامره أن يسير أمام الجيش بعسكر الزحف فسار خالد على المقدمة ومعه ضرار بن الأزور ورافع بن عمرة الطائي والمسيب بن نجيبة الفزاري والناس يتبع بعضهم بعضا وترك على دمشق صفوان بن عامر السلمي وترك عنده خمسمائة رجل وسار أبو عبيدة بالمسلمين ومعه ناس من اليمن ومصر.
[ ١ / ٩٩ ]