توت عنخ آمون - جهود رمسيس الثاني - ثروة الكهنة -
فقر الشعب - فتح مصر - خلاصة في فضل مصر على الحضارة
وبعد عامين من وفاته جلس على العرش توت عنخ آمون زوج ابنته وحبيب الكهنة. وما لبث أن بدل اسمه توت عنخ آتون الذي سماه به حماه، وأعاد عاصمة الملك إلى طيبة، وتصالح مع السلطات الكنسية، وأعلن إلى الشعب المبتهج عودته إلى عبادة الآلهة القديمة. وأزيلت من جميع الآثار القديمة كلمتا آتون وإخناتون، وحرم الكهنة على الشعب أن ينطقوا باسم الملك المارق. وكان الناس إذا تحدثوا عنه سموه: "المجرم الأكبر". ونقشت على الآثار الأسماء التي محاها إخناتون، وأعيدت أيام الأعياد التي ألغاها. وهكذا عاد كل شيء إلى ما كان عليه من قبل.
وفيما عدا هذا حكم توت عنخ آمون حكمًا لا ميزة له ولا فضل، ولولا ما كشف في قبره من كنوز لا عهد للناس بها من قبل لما سمع العالم به. وجاء من بعده قائد باسل يدعى حارمحب سير جيوشه على طول الشاطئ وأعاد إلى مصر أملاكها الخارجية وسلمها الداخلي. وجنى سيتي الأول بحكمته ثمار عودة النظام والثروة، وشيد بهو الأعمدة في الكرنك (٢٧٢)، وشرع في نحت هيكل عظيم في صخور أبي سنبل، وخلد عظمته في الأعقاب بالنقوش الفخمة، وكان له الحظ الأكبر في أن رقد في قبر من أحسن قبور مصر زخرفًا وتنميقًا.
ثم ارتقى العرش رمسيس الثاني صاحب الشخصية الروائية العجيبة وآخر الفراعنة العظام. وقلما عرف التاريخ ملكًا أبهى منه منظرًا، فقد كان وسيمًا
[ ٢ / ١٨٠ ]
شجاعًا، أضاف إلى محاسنه إحساسه في شبابه بهذه المحاسن ولم تكن جهوده الموفقة في الحرب ليضارعها غير مغامراته في الحب. وبعد أن نحى رمسيس عن العرش أخًا له ذا مطالب جاءت في غير وقتها المناسب، سير حملة إلى بلاد النوبة ليفتح ما فيها من مناجم الذهب، ويملأ به خزانة مصر، واستخدم ما جاءته به هذه الحملة من أموال لإخضاع الولايات الآسيوية التي خرجت على مصر وقضى ثلاث سنين في إخضاع فلسطين؛ ثم وصل زحفه والتقى عند قادش (١٢٨٨ ق. م) بجيش عظيم جمعه الأحلاف الآسيويون. بدل بشجاعته وبراعة قيادته هزيمة محدقة به نصرًا مؤزرًا. ولربما كان من نتائج هذه الحملات أن جيء إلى مصر بعدد كبير من اليهود عبيدًا أو مهاجرين؛ ويعتقد بعضهم أن رمسيس الثاني هو بعينه فرعون موسى الذي ورد ذكره في سفر الخروج (٢٧٣). وأمر أن تخلد انتصاراته بغير قليل من المبالغة والتحيز على خمسين جدارًا أو نحوها، وكلف أحد الشعراء بأن يشيد بذكره في ملحمة شعرية، وكافأ نفسه على أعماله ببضع مئات من الزوجات. وخلف بعد وفاته مائة ولد وخمسين بنتًا ليبرهن على رجولته بعدد هؤلاء الأبناء وبنسبة الذكور منهم إلى الإناث. وتزوج عددًا من بناته حتى يكن لهن أيضًا أبناء عظماء. وكان أبنائه ومن تناسل منهم من الكثرة بحيث تألفت منهم طبقة خاصة في مصر بقيت على هذه الحال أربعة قرون، وظل حكام مصر يختارون من هذه الطبقة أكثر من مائة عام.
والحق أنه كان جديرًا بهذا كله، فقد حكم مصر كما يلوح حكمًا موفقًا. ولقد أسرف في البناء إسرافًا كان من نتائجه أن نصف ما بقي من العمائر المصرية يعزى إلى أيام حكمه. وأتم بناء البهو الرئيسي في الكرنك، وأضاف أبنية جديدة إلى معبد الأقصر وشاد ضريحه الكبير المعروف بالرمسيوم في غرب النهر، وأتم الهيكل العظيم المنقور في الجبل عند أبي سنبل، ونثر تماثيل له ضخمة في طول البلاد وعرضها. وراجت التجارة في عهده عن طريق
[ ٢ / ١٨١ ]
برزخ السويس والبحر الأبيض المتوسط، واحتفر ترعة أخرى توصل النيل بالبحر الأحمر، ولكن الرمال السافية طمرته بعد وفاته بزمن قليل. وأسلم رمسيس الروح في عام ١٢٢٥ ق. م وهو في التسعين من عمره، بعد عهد يعد من أشهر العهود في التاريخ.
ولم يكن في البلاد سلطة بشرية تعلو فوق سلطته إلا سلطة الكهنة. ثم قام النزاع في مصر كما قام في غيرها من البلاد خلال جميع العهود بين الدولة والكنيسة. فقد كانت أسلاب كل حرب والجزء الأكبر من خراج البلاد المفتوحة تتدفق في أثناء حكمه وحكم خلفائه الذين تولوا الملك بعده مباشرة في خزائن الهياكل والكهنة. وبلغت هذه الثروة غايتها في عهد رمسيس الثالث. فكان للمعابد من العبيد ٠٠٠ ر ١٠٧ وهم جزء من ثلاثين جزءًا من سكان مصر. وكان لها من أرض مصر ٠٠٠ ر ٧٥٠ فدان أي سبع أرض مصر الصالحة للزراعة. وكانت تمتلك ٠٠٠ ر ٥٠٠ رأس من الماشية، وتستحوذ على إيراد ١٦٩ مدينة من مدن مصر والشام. وكانت هذه الثروة الضخمة كلها معفاة من الضرائب (٢٧٤). وأغدق رمسيس الثالث الكريم، وإن شئت فقل الوهاب، من الهدايا على كهنة آمون ما لم يسبق له في كثرته مثيل. وكان من هذه الهدايا ٠٠٠ ر ٣٢ كيلو جرام من الذهب، ومليون كيلو جرام من الفضة (٢٧٥). وكان يهبهم كل سنة ٠٠٠ ر ١٨٥ كيس من الحبوب. ولما حان الوقت لأداء أجور العمال الذين تستخدمهم الدولة في مرافقها وجد الخزانة مقفرة (٢٧٦). وجاء الشعب واشتد جوعه يومًا بعد يوم لكي يتخم الآلهة.
وكان من شأن هذه السياسة أن يصبح الملوك خدام الآلهة عاجلا كان ذلك أو آجلا. فلما أن جلس على العرش آخر الملوك الذين تسموا باسم رمسيس اغتصب المُلكَ الكاهن الأكبر للإله آمون، وحكم حكمًا كان له فيه السلطان الأعلى. وأمست الإمبراطورية المصرية حكومة دينية راكدة ازدهر فيها البناء
[ ٢ / ١٨٢ ]
والتخريف، واضمحل فيها كل ما عدا هذين من مقومات الحياة القومية، ووضعت الرقى لتصبغ كل قرار يصدره الكهنة بالصبغة المقدسة الإلهية. وامتص الآلهة كل ما في مصر من مصادر الحياة حتى نضب معينها في الوقت الذي كان فيه الغزاة الأجانب يعدون العدة للانقضاض على كل هذه الثروة المتجمعة.
وثار نقع الفتنة في جميع أطراف البلاد. وكان من أهم موارد مصر موقعها الهام على الطريق الرئيسي لتجارة البحر الأبيض المتوسط، وكانت معادنها وثرواتها قد جعلت لها السيادة على بلاد لوبيا في الغرب وعلى بلاد فينيقية وسوريا وفلسطين في الشمال والشرق. لكن أممًا جديدة في بلاد أشور وبابل وفارس كانت آنئذ تتمرد وتشتد ويقوى سلطانها في الطرف الآخر من طرفي هذا الطريق التجاري، وكانت تدعم قوتها بالمخترعات والمغامرات وتجرؤ على منافسة المصريين الأتقياء الراضين عن أنفسهم في ميادين التجارة والصناعة. وكان الفينيقيون وقتئذ يتمون صنع السفائن ذات الثلاثة صفوف من المجاديف لكي يصلوا بها إلى ما يبغون من كمال، وأخذوا بفضل هذه السفائن ينتزعون من مصر السيطرة على البحر شيئًا فشيئًا. وكان الدوريون والآخيون قد استولوا على كريت وجزائر بحر إيجه (حوالي ١٤٠٠ ق. م) وكانوا ينشئون لهم إمبراطورية تجارية. وأخذت التجارة يقل سيرها شيئًا فشيئًا في قوافل بطيئة في طرق الشرق الأدنى الجبلية والصحراوية المعرضة لهجمات اللصوص، وبدأت تنقل بوسيلة أقل من هذه كلفة على ظهر سفن تخترق البحر الأسود وبحر إيجه إلى طروادة وكريت وبلاد اليونان، وأخيرًا إلى قرطاجنة وإيطاليا وأسبانيا. وعلا نجم الأمم الواقعة على شواطئ البحر الأبيض المتوسط الشمالية وازدهرت، أما الأمم المقيمة على شواطئه الجنوبية فضعفت واضمحلت. وفقدت مصر تجارتها وذهبها وسلطانها وفنونها، ثم فقدت آخر الأمر كبرياءها نفسه، وزحفت على أرضها الأمم المنافسة لها واحدة بعد واحدة وعدت عليها واجتاحت أرضها وخربتها.
[ ٢ / ١٨٣ ]
فانقض عليها اللوبيون من الغرب في عام ٩٤٥ ق. م وعاثوا فيها فسادًا يخربون ويدمرون، وفي عام ٧٢٢ ق. م غزاها الأحباش من الجنوب وثاروا لعبوديتهم القديمة؛ وفي عام ٦٧٣ اجتاحها الآشوريون من الشمال وأخضعوا لسلطانهم مصر التي كان يستبد بها الكهنة، وألزموها بأداء الجزية لهم. واستطاع أبسماتيك أمير شاو أن يرد الغزاة وقتا ما ويضم أجزاء مصر كلها تحت زعامته. وحدث في أثناء حكمه وحكم خلفائه نهضة في الفن، وشرع مهندسو مصر ومثالوها وشعراؤها يجمعون ما كان لمدارسهم من تقاليد في الفن والذوق، ويعدونها ليلقوها فيما بعد تحت أقدام اليونان. لكن الفرس بقيادة قمبيز عبروا برزخ السويس في عام ٥٢٥ ق. م وقضوا مرة أخرى على استقلال مصر. وفي عام ٣٣٢ ق. م اجتاحها الإسكندر من آسية وأخضعها لحكم مقدونية (^١). وأقبل قيصر في عام ٤٨ ق. م ليستولي على الإسكندرية عاصمة مصر الجديدة، وليستولد كليوباترا ابنًا ووارثًا كانا يأملان أملًا لم يتحقق أن يتوجاه ملكًا تخضع لسلطانه أكبر الإمبراطوريات القديمة. وفي عام ٣٠ ق. م أمست مصر ولاية تابعة لرومة واختفت من التاريخ القديم.
ونهضت البلاد مرة أخرى نهضة قصيرة الأجل حين عمر القديسون الصحراء وجر سير ل هيباشيا لتلقى حتفها في الشوارع (٤١٥ ب. م)، وحين فتحها المسلمون (حوالي ٦٥٠ ب. م) وبنوا القاهرة من أنقاض منفيس وملئوها بالقلاع والقباب الزاهية الألوان. ولكن هذه الثقافة وتلك كانتا في واقع الأمر ثقافتين أجنبيتين غير مصريتين ولم تلبثا أن زالتا.
_________________
(١) وتاريخ الحضارة المصرية القديمة في عهد البطالمة والقياصرة من الموضوعات التي سترد في مجلد تال.
[ ٢ / ١٨٤ ]
واليوم يوجد مكان يسمى مصر، ولكن المصريين ليسوا سادته؛ فلقد حطمتهم الفتوح من زمن بعيد، واندمجوا عن طريق اللغة والزواج في الفاتحين العرب، وأضحت مدنهم لا تعرف إلا المسلمين والإنجليز، وأقدام السياح المتعبين، الذين يأتون من أقاصي الأرض ليروا أهرامها فلا يجدونها إلا أكوامًا من الحجارة، ولربما رجعت إلى مصر عظمتها إذا ما أثرت آسية مرة أخرى فأصبحت مصر مركز التجارة العالمية ومستودعها. ولكن أحدًا لا يستطيع أن يتنبأ بما سيكون وهو واثق مما يتنبأ به، وكل ما نعلمه علم اليقين أن آثار مصر القديمة قد خربت وتهدمت؛ فالسائح أينما سار يجد خربات ضخمة، وآثارًا وقبورًا تذكره بجهود عظيمة جبارة، ومن حولها قفر ودمار، ونضوب للدم القديم. ويحيط بهذا كله رمال سافية لا تنفك الرياح الحارة تحملها من كل جانب، كأنها قد اعتزمت أن تغطي بها آخر الأمر كل شيء (^١).
لكن هذه الرمال لم تخرب من مصر القديمة إلا الجسد، أما روحها فما تزال باقية فيما ورثه الجنس البشري من علم ومن ذكريات مجيدة.
وحسبنا أن نذكر من معالم حضارتها نهوضها بالزراعة والتعدين والصناعة والهندسة العلمية، وأنها في أغلب الظن هي التي اخترعت الزجاج، ونسيج
_________________
(١) آثرنا أن ننقل هذا الجزء كما كتبه المؤلف حرصًا منا على الأمانة في النقل وإن كنا لا نوافقه على الكثير منه، ورغبة في أن يعرف المصريون كل ما يقال عنهم حقًا كان ذلك أو باطلًا. وقل أن يوجد في بلاد العالم شعب إلا وقد امتزج دمه بدم غيره من الشعوب. فمسلمو مصر وأقباطها وإن اختلفوا في الدين يؤلفون معا أمة متجانسة ذات عادات وتقاليد وأماني واحدة. ومن الخطأ أن يقال أن مدنهم لا تعرف إلا المسلمين والإنجليز. إنها تضم أبناء مصر من مسلمين وأقباط، أما الإنجليز فإن الذي نعرفه عنهم أنهم احتلوا البلاد نصف قرن ولكنهم ظلوا فيها قومًا أجانب غرباء عن أهلها حتى أخرجتهم من أرضها.
[ ٢ / ١٨٥ ]
الكتان، وأنها هي التي أحسنت صنع الملابس والحلي والأثاث والمساكن، وأصلحت أحوال المجتمع وشئون الحياة؛ وأن المصريين أول من أقام حكومة منظمة نشرت لواء السلام والأمن في البلاد، وأنهم أول من أنشأ نظام البريد والتعداد والتعليم الابتدائي والثانوي؛ بل إنهم هم أول من أوجد نظام التعليم الفني لإعداد الموظفين ورجال الإدارة.
وهم الذين ارتقوا بالكتابة، ونهضوا بالآداب والعلوم والطب؛ والمصريون على ما نعرف أول من وضع دستورًا واضحًا للضمير الفردي، والضمير العام، وهم أول من نادى بالعدالة الاجتماعية، وبالاقتصار على زوجة واحدة، وأول من دعا إلى التوحيد في الدين، وأول من كتب في الفلسفة، وأول من نهض بفن العمارة والنحت، وارتقى بالفنون الصغرى إلى درجة من الإتقان والقوة لم يصل إليها (على ما نعرف) أحد من قبلهم، وقلما باراهم فيها من جاء بعدهم. وهذا الفضل كله لم يذهب هباء حتى في الوقت الذي كان خير ما فيه مطمورًا تحت رمال الصحراء أو ملقى على الأرض بفعل الاضطرابات الأرضية (^١)، فقد انتقلت الحضارة المصرية على أيدي الفينيقيين والسوريين واليهود وأهل كريت واليونان والرومان، حتى أضحت من التراث الثقافي للجنس البشري. وإن ما قامت به مصر من الأعمال في فجر التاريخ لا تزال آثاره أو ذكرياته مخلدة عند كل أمة وفي كل جيل، "ولعل مصر" كما يقول فور "بفضل تماسكها ووحدتها، وتنوع منتجاتها الفنية تنوعا أساسه دقة التنسيق والتنظيم، وبفضل ما بذلت من جهود جبارة دامت أطول العهود، لعل مصر بهذا كله تعرض على العالم أعظم ما ظهر على الأرض من حضارات إلى يومنا هذا" (٢٧٧). وإن من الخير لنا أن نعمل نحن لكي نبلغ ما بلغت.
_________________
(١) لقد دمر طيبة عن آخرها زلزال حدث في عام ٢٧ ب. م.
[ ٢ / ١٨٦ ]
الباب التاسع