الملكة العظيمة - تحتمس الثالث - ذروة المجد
لعل هذا الفتح قد جدد شباب مصر بما أدخله فيها من دم جديد؛ ولكنه كان إيذانًا بابتداء كفاح طويل مرير بين مصر وغرب آسية دام ألف عام. ذلك أن تحتمس الأول لم يعزز قوى الدولة الجديدة فحسب ولكنه غزا سوريا أيضًا بحجة أن مصر يجب أن تسيطر على غرب آسية لكي تمنع الاعتداء على أراضيها فيما بعد، وأخضع كل البلاد الواقعة بين ساحل البحر وقرقميش في الداخل، ووضع فيها حاميات من عنده، وفرض عليها الجزية، ثم عاد إلى طيبة مثقلًا بالغنائم ومكللًا بالمجد الذي يكلل على الدوام هامة من يقتل بني الإنسان. وفي آخر العام الثلاثين
_________________
(١) يعتقد كثيرون من المؤرخين أن ترجمة كلمة هكسوس بالرعاة ترجمة خاطئة وأنهم لم يكونوا رعاة بل "ملوك أقاليم". (المترجم)
[ ٢ / ٧٦ ]
من حكمه رفع ابنته حتشبسوت إلى العرش لتكون شريكة له في الملك. وحكم من بعده زوجها وأخوها لأبيها باسم تحتمس الثاني، وأوصى وهو على فراش الموت أن يخلفه تحتمس الثالث ابن تحتمس الأول من إحدى سراريه (٣٨). ولكن حتشبسوت نحَّتْ هذا الشاب الذي علا نجمه فيما بعد واستأثرت دونه بالملك، وأثبتت أنها لا تختلف عن الملوك في شيء إلا في أنها أنثى.
على أنها لم تعترف حتى بهذا الفرق. ذلك أن التقاليد المقدسة كانت تطلب من كل مصري أن يكون ابن الإله العظيم آمون، ومن أجل هذا أعدت حتشبسوت العدة لأن تكون ذكرًا وأن تكون مقدسة، فاخترعت لها سيرة نصت على أن آمون نزل على أحْمَسى أم حتشبسوت في فيض من العطر والنور، فأحسنت هذه استقبالًا؛ ولما خرج من عندها أعلن أن أحمسى ستلد ابنة تشع على الأرض كل ما يتصف به الإله من قوة وبسالة (٣٩). وأرادت الملكة العظيمة بعد إذ أن تُرضي أهواء شعبها ولعلها أرادت أيضا أن تشبع رغبة كامنة في صدرها، فعملت على أن ترسم على الآثار في صورة محارب ملتح من غير ثديين؛ ومع أن النقوش الباقية من عهدها تتحدث عنها بضمير المؤنث، فإنها تسميها "ابن الشمس" و"سيد القطرين". وكانت حين تظهر أمام شعبها تلبس ملابس الرجال، وتلتحي لحية مستعارة (٤٠).
ولعلها كان من حقها أن تقرر بنفسها أن تكون رجلًا أم إمرأة، وذلك لأنها أضحت من خير الحكام الذين جلسوا على عرش مصر- وهم كثيرون- ومن أعظمهم نجاحًا. فقد وطدت دعائم الأمن والنظام في داخل البلاد من غير أن تسرف في الاستبداد، وحافظت على السلم في خارج مصر من غير خسارة وأرسلت بعثة عظيمة إلى بونت "ويرجح أن بونت هذه هي شاطئ إفريقية الشرقي"، وافتتحت سوقا جديدة لتجارة مصر، وجاءت بكثير من الطيبات لشعبها. وعملت على تجميل الكرنك بأن أقامت فيها مسلتين كبيرتين جميلتين، وشيدت في الدير
[ ٢ / ٧٧ ]
البحري الهيكل الفخم الذي اختطه أبوها، وأصلحت بعض ما خربه ملوك الهكسوس من الهياكل القديمة، وقالت في أحد نقوشها تفخر بأعمالها: "لقد أصلحت ما كان من قبل مخربًا؛ وأكملت ما لم يكن قد تم تشييده حين كان الآسيويون في وسط الأرض الشمالية يهدمون فيها ما كان قائمًا قبلهم" (٤١). ثم أنشأت لنفسها آخر الأمر قبرًا سريًا مزخرفًا بجوار الجبال التي تطغى عليها الرمال على الضفة الغربية للنيل في المكان الذي سمي فيما بعد "وادي مقابر الملوك". وحذا خلفاؤها في ذلك حذوها، حتى كان عدد القبور المنحوتة في التلال قرابة الستين قبرًا ملكيًا، وحتى أخذت مدينة الموتى تنافس في عدد سكانها طيبة مدينة الأحياء، وكانت "الحافة الغربية" في المدن المصرية القديمة موطن الموتى من الطبقة العليا؛ وكانوا إذا قالوا أن فلانًا "ذهب غربًا" قصدوا بقولهم هذا أنه مات.
[ ٢ / ٧٨ ]
ودام حكم هذه الملكة اثنتين وعشرين سنة كان فيها حكما سلميًا حكيمًا، ثم خلفها تحتمس الثالث وكان حكمه مليئًا بالحروب، فقد انتهزت بلاد سوريا فرصة موت حتشبسوت فثارت على مصر، وظن أهلها أن تحتمس الثالث، وهو شاب في الثانية والعشرين من عمره، لن يستطيع الاحتفاظ بالدولة التي أقامها أبوه. ولكن تحتمس لم يقعد عن العمل فسار على رأس جيشه في السنة الأولى من حكمه عن طريق القنطرة وغزة بسرعة عشرين ميلًا في كل يوم، والتحم بالقوات الثائرة عند هار مجدو "أي جبل مجدو"، وهي بلدة صغيرة ذات موقع حربي منيع بين سلسلتي جبال لبنان على الطريق الممتد بين مصر ونهر الفرات. وهي بعينها مجدًا التي وقعت فيها عدة وقائع حربية من ذلك اليوم إلى أيام ألِنْبِي. وفي نفس الممر الذي هزم فيه الإنكليز الأتراك في عام ١٩١٨ م أثناء الحرب العالمية الأولى هزم تحتمس الثالث السوريين وحلفائهم قبل ذلك بثلاثة آلاف وثلاثمائة وسبعة وتسعين عامًا. ثم سار تحتمس مظفرًا مخترقًا غرب آسية يخضع أهلها ويفرض عليهم الضرائب ويجمع منهم الخراج، وعاد بعد إذ إلى طيبة منتصرًا بعد ستة أشهر من بداية زحفه (^١).
وكانت هذه الحملة أول حملات بلغت عدتها خمس عشرة أخضع فيها تحتمس الباسل بلاد البحر الأبيض المتوسط الشرقي لحكم مصر. ولم يكن عمله عمل الفاتح فحسب، بل إنه عمل أيضا على تنظيم فتوحه، فأقام في جميع البلاد المفتوحة حاميات قوية، وأنشأ فيها حكمًا منظمًا قديرًا. وكان تحتمس أول رجل في التاريخ أدرك ما للقوة البحرية من شأن عظيم، فأنشأ أسطولًا أخضع لسلطانه بلاد الشرق الأدنى. وكان ما ظفر به من غنائم عماد الفن المصري في عهد الإمبراطورية، كما كان الخراج الذي أخذ ينصب في مصر من بلاد الشام منشأ حياة الدعة والنعيم التي تمتع بها شعبه، فوجدت في مصر طبقة جديدة من الفنانين غمرتها بروائع الفن. وفي وسعنا أن نتصور إلى حد ما ثروة الحكومة الإمبراطورية الجديدة إذا عرفنا
_________________
(١) تطلب هذا العمل نفسه من ألِنبِي ضعفي هذا الزمن؛ وحاول نابليون أن يقوم بمثله في عكا فأخفق.
[ ٢ / ٧٩ ]
أن خزانة الدولة استطاعت في يوم من الأيام أن تخرج منها ما زنته تسعة آلاف رطل من سبائك الذهب والفضة (٤٣). وراجت التجارة في طيبة رواجًا لم تعهده من قبل، وناءت الهياكل بالقربان، وارتفع صرح بهو الاحتفالات الملكية في الكرنك، وأنشأ فيها المتنزه العظيم بما يتفق مع عظمة الإله والملك. ثم عاد الملك من ميدان القتال ووجه عنايته للفن وإدارة شئون البلاد. ومن أجمل آثار ذلك العهد المزهريات البديعة النقش. وقال عنه وزيره ما كان أمناء سر نابليون المتعبون المنفيون يقولون عنه "أن جلالته كان يعرف كل ما يحدث؛ فما من شيء كان يجهله؛ فقد كان إله المعرفة في كل شيء؛ ولم تكن هناك مسألة لا يفصل فيها بنفسه (٤٣) ". وتوفى الملك بعد أن حكم اثنتين وثلاثين سنة "ويقول بعضهم أنها خمسا وأربعين"، وبعد أن أتم لمصر زعامتها في عالم البحر الأبيض المتوسط.
وجاء من بعده فاتح آخر هو أمنحوتب الثاني فأخضع مرة أخرى بعض عشاق الحرية في سوريا، وعاد إلى طيبة وفي ركابه سبعة ملوك أسرى أحياء مطأطئي الرءوس في مقدمة السفينة الإمبراطورية. وقدم الملك ستة منهم قربانا لآمون ضحى بهم بيده (٤٤). ثم خلفه تحتمس آخر خامل الذكر، جلس بعده على العرش في عام ١٤١٢ أمنحوتب الثالث فحكم البلاد حكما طويلا ارتفعت مصر في خلاله إلى ذروة المجد بفضل ما تجمع فيها من الثروة خلال سيادتها التي دامت قرنًا كاملًا. وفي المتحف البريطاني تمثال نصفي لهذا الملك يمثله في صورة رجل يجمع بين الرقة والقوة، في وسعه أن يقبض بيد من حديد على زمام الأمور في إمبراطوريته التي ورثها، وأن يعيش مع هذا في جو من الدعة والنعيم لعل بترونيس أول آل مديشى كانوا يحسدونه عليه. ولولا ما كشف من مخالفات توت عنخ آمون لما صدقنا ما تقصده الروايات وما تدونه السجلات من ثراء أمنحوتب ومظاهر ترفه. وقد بلغت طيبة في عهده من العظمة والفخامة ما بلغته أية مدينة أخرى في عهود التاريخ كلها، فكانت شوارعها غاصة بالتجار، وأسواقها مملوءة بالبضائع الواردة من جميع أنحاء العالم المعروف وقتئذ، ومبانيها " تفوق في فخامتها جميع
[ ٢ / ٨٠ ]
مباني العواصم القديمة والحديثة" (٤٥)، وقصورها الرائعة تستقبل الخراج من طائفة لا حصر لها من الولايات الخاضعة لسلطانها، وهياكلها الضخمة "محلاة كلها بالذهب" (٤٦) ومزينة بروائع الفنون على اختلاف أنواعها، وبيوتها ذات الحدائق وقصورها الفخمة ومتنزهاتها المظللة وبحيراتها الصناعية التي كانت مسرحًا لكل ما هو جديد من الأزياء والأنماط، كما كانت رومة في عهد الإمبراطورية (٤٧). هذه هي عاصمة مصر في أيام مجدها وفي أيام مليكها الذي بدأ من بعده اضمحلالها وسقوطها.
[ ٢ / ٨١ ]
الفصل الثالث