كانت الحروب الصليبية هي الفصل الأخير من مسرحية العصور الوسطى؛ ولعلها أجد الحوادث بالتصوير في تاريخ أوربا والشرق الأدنى، ففيها عمد الدينان العظيمان- المسيحية والإسلام-، آخر الأمر، وبعد قرون من الجدل والنقاش، إلى الفيصل الأخير فيما بين بني الإنسان من نزاع، ونعني به محكمة الحرب العليا؛ وفيها بلغ كل تطور في العصور الوسطى، وكل توسع في الشؤون التجارية والديانة المسيحية، وكل تحمس في العقيدة الدينية، وكل ما في الإقطاع من قوة، وفي الفروسية من فتنة وبهجة، وبلغ هذا كله غايته في حرب دامت مائتي عام في سبيل البشرية والأرباح التجارية.
وأول سبب مباشر للحروب الصليبية (^١) هو زحف الأتراك السلاجقة. وكان العالم قبل زحفهم قد كيف نفسه لقبول سيطرة المسلمين على بلاد الشرق الأدنى. وكان الفاطميون حكام مصر قد حكموا فلسطين حكمًا سمحًا رحيمًا؛ استمتعت فيه الطوائف المسيحية بحرية واسعة في ممارسة شعائر دينها إذا استثنينا بعض فترات
_________________
(١) الاسم الإنجليزي Crnsade مشتق من اللفظ الأسباني Cruzada أي عليه علامة الصليب.
[ ١٥ / ١١ ]
قصيرة قليلة. نعم إن الحاكم بأمر الله، الخليفة المجنون، دمر كنيسة الضريح المقدس (١٠١٠)؛ ولكن المسلمين أنفسهم قدموا المال الكثير لإعادة بنائها (١). وقد وصفها الرحالة المسلم ناصري خسرو بأنها بناء واسع الجنبات تتسع لثمانية آلاف شخص، بذل في بنائها أعظم ما يستطاع من الحذق والمهارة، وزين كل مكان في داخلها بالنسيج الحريري البيزنطي المطرز بخيوط الذهب، ورسم فيها المسيح ﵇ راكبًا على ظهر حمار (٢)؛ وكان في أورشليم كنائس أخرى كثيرة؛ وكان في وسع الحجاج المسيحيين أن يدخلوا الأماكن المقدسة بكامل حريتهم؛ وكان الحج إلى فلسطين قد أصبح من زمن بعيد إحدى شعائر العبادة أو التوبة من الذنوب، فكان الإنسان أينما سار في أوربا يلتقي بحجاج يدلون على أنهم أدوا هذه الشعيرة بأن يضعوا على أثوابهم شارة في شكل الصليب من خوص النخل (^١) جاءوا به من فلسطين؛ ويوصف هؤلاء في كتاب بيرز بلاومان Piers Plowman بأنه "كان من حقهم أن يكذبوا ويخادعوا ما بقي من حياتهم (٣) ". لكن الأتراك انتزعوا بيت المقدس من الفاطميين في عام ١٠٧٠، وأخذ الحجاج المسيحيون بعد عودتهم إلى أوطانهم يتحدثون عما يلقونه فيها من ظلم وتحقير. وتقول قصة قديمة لا نجد ما يؤيدها، إن أحد هؤلاء الحجاج وهو بطرس الناسك حمل إلى إربان الثاني Urban من سمعان بطريق أورشليم رسالة تصف بالتفصيل ما يعانيه المسيحيون فيها من اضطهاد وتستغيث به لينقذهم (١٠٨٨).
وكان السبب المباشر الثاني من أسباب الحرب الصليبية ما حاق بالإمبراطورية البيزنطية من ضعف شديد الخطورة. لقد ظلت هذه الإمبراطورية سبعة قرون طوال تقف في ملتقى المارة بين أوربا وآسيا، تصد جيوش آسيا وجحافل
_________________
(١) وكان هؤلاء يسمون Palmers من كلمة paim أي النخلة ومن معاني كلمة Palmer غشاش أو خادع في اللعب. المترجم
[ ١٥ / ١٢ ]
السهوب. أما في الوقت الذي نتحدث عنه فإن اضطراب شؤونها الداخلية، وشيعها الخارجة على الدين، وانفصالها عن الغرب على أثر الانشقاق الذي حدث في عام ١٠٥٤، كل هذا قد أوهنها وجعلها أضعف من أن تؤدي رسالتها التاريخية. وبينا كان البلغار، والبشناق Patznaks، والكومان Comans، والروس يدقون أبوابها في أوربا، كان الأتراك يقطعون أوصال ولاياتها الآسيوية، وكاد الجيش البيزنطي أن يقضي عليه عند ملازكرت في عام ١٠٧١، واستولى السلاجقة على حمص وإنطاكية (١٠٨٥)، وطرسوس، ونيقية ذات الماضي التاريخي الديني، وأخذوا يتطلعون من وراء مضيق البسفور إلى القسطنطينية نفسها، واستطاع الإمبراطور ألكسيوس الأول (١٠٨١ - ١١١٨) أن يحتفظ بجزء من آسيا الصغرى بعقد صلح مذل، ولكنه لم تكن لديه القدرة الحربية على صد الغارات التي توالت بعدئذ على أملاكه. ولو أن القسطنطينية سقطت وقتئذ في أيدي الترك لأمكنهم الاستيلاء على شرقي أوربا كله، ولَمَا بقي لمعركة تور (٧٣٢) أثر ما. وبعث ألكسيوس برسله إلى إربان الثاني والى مجلس بياسنزا Piacenza يستحث أوربا اللاتينية لتساعده على صد هجمات الترك؛ وكان من أقواله "إن من الحكمة أن يحارب الأتراك في أرض آسيا بدل أن ننتظرهم حتى يقتحموا بجحافلهم بلاد البلقان إلى عواصم أوربا الغربية.
وثالث الأسباب المباشرة للحروب الصليبية هو رغبة المدن الإيطالية- بيزا، وجنوي، والبندقية، وأملفي Amalfi- في توسيع ميدان سلطانها التجاري الآخذ في الازدياد. ذلك أنه لما استولى النورمان على صقلية من المسلمين (١٠٦٠ - ١٠٩١)، وانتزعت الجيوش المسيحية منهم جزءًا كبيرًا من أسبانيا (١٠٨٥ وما بعدها)، أصبح البحر المتوسط الغربي حرًا للتجارة المسيحية؛ وأثرت المدن الإيطالية وقويت لأنها هي الثغور التي تخرج منها غلات إيطاليا والبلاد الواقعة وراء الألب، وأخذت هذه المدن تعمل للقضاء على تفوق المسلمين في الجزء
[ ١٥ / ١٣ ]
الشرقي من البحر المتوسط وتفتح أسواق الشرق الأدنى لبضائع غربي أوربا. ولسنا نعلم إلى أي حد كان هؤلاء التجار الإيطاليون قريبين من مسامع البابا.
وصدر القرار النهائي مهن إربان نفسه، وإن كان غيره من البابوات قد طافت بعقولهم هذه الفكرة. فقد دعا جربرت Gerbert، حينما أصبح البابا سلفستر الثاني Sylvester II، العالم المسيحي لإنقاذ بيت المقدس، ونزلت حملة مخفقة في بلاد الشام (حوالي ١٠٠١)؛ ولم يمنع النزاع المرير القائم بين جريجوري السابع وهنري الرابع البابا من أن يقول بأعلى صوته: "إن تعريض حياتي للخطر في سبيل تخليص الأماكن المقدسة لأفضل عندي من حكم العالم كله" (٤). وكان هذا النزاع على اشده حين رأس إربان مجلس بياسنزا في مارس من عام ١٠٩٥؛ وأيد البابا في هذا المجلس استغاثة ألكسيوس، ولكنه أشار تأجيل العمل حتى تعقد جمعية أكثر من هذا المجلس تمثيلًا للعالم المسيحي، وتبحث في شن الحرب على المسلمين. ولعل الذي دعاه إلى طلب هذا التأجيل ما كان يعمله من أن النصر في مغامرة في هذا الميدان البعيد غير مؤكد؛ وما من شك في أنه كان يدرك أن الهزيمة ستحط من كرامة العالم المسيحي والكنيسة إلى أبعد حد؛ وأكبر الظن أنه كان يتوق إلى توجيه ما في طبائع أمراء الإقطاع والقراصنة النورمان من حب القتال إلى حرب مقدسة، تصد جيوش المسلمين عن أوربا وبيزنطية. ولقد كان يحلم بإعادة الكنيسة الشرقية إلى حظيرة الحكم البابوي، ويرى بعين الخيال عالمًا مسيحيًا عظيم القوة متحدًا تحت حكم البابوات الديني، وروما تعود حاضرة للعالم؛ وكان هذا تفكيرًا أملته رغبة في الحكم لا تعلو عليها رغبة.
وظل البابا بعدئذ بين شهري مارس وأكتوبر من عام ١٠٩٥ يطوف بشمالي إيطاليا وجنوبي فرنسا، يستطلع طلع الزعماء ويضمن المعونة لما هو مقدم عليه. واجتمع المجلس التاريخي بمدينة كليرمونت Clermont في مقاطعة أوفرني، وهرع
[ ١٥ / ١٤ ]
إليه آلاف الناس من مائة صقع وصقع لم يقف في سبيلهم برد نوفمبر القارس. ونصب القادمون خيامهم في الأراضي المكشوفة، وعقدوا اجتماعًا كبير لا يتسع له بهو، وامتلأت قلوبهم حماسة حين وقف على منصة في وسطهم مواطنهم إربان الفرنسي وألفى عليهم باللغة الفرنسية أقوى الخطب وأعظمها أثرًا في تاريخ العصور الوسطى:
يا شعب الفرنجة! شعب الله المحبوب المختار! … لقد جاءت من تخوم فلسطين، ومن مدينة القسطنطينية، أنباء محزنة تعلن أن جنسًا لعينًا أبعد ما يكون عن الله، قد طغى وبغى في تلك البلاد بلاد المسيحيين، وخربها بما نشره فيها من أعمال السلب وبالحرائق؛ ولقد ساقوا بعض الأسرى إلى بلادهم وقتلوا الآخر بعد أن عذبوهم أشنع التعذيب. وهم يهدمون المذابح في الكنائس، بعد أن يدنسوها برجسهم، ولقد قطعوا أوصال مملكة اليونان، وانتزعوا منها أقاليم بلغ من سعتها أن المسافر فيها لا يستطيع اجتيازها في شهرين كاملين.
على من إذن تقع تبعة الانتقام لهذه المظالم، واستعادة تلك الأصقاع، إذا لم تقع عليكم أنتم- أنتم يا من حباكم الله أكثر قوم آخرين بالمجد في القتال، وبالبسالة العظيمة، وبالقدرة على إذلال رؤوس من يقفون في وجوهكم؟ ألا فليكن من أعمال أسلافكم ما يقوى قلوبكم- أمجاد شارلمان وعظمته، وأمجاد غيره من ملوككم وعظمتهم- فليثر همتكم ضريح المسيح المقدس ربنا ومنقذنا، الضريح الذي تمتلكه الآن أمم نجسة، وغيره من الأماكن المقدسة التي لوثت ودنست .. لا تدعوا شيئًا يقعد بكم من أملاككم أو من شئون أسركم. ذلك بأن هذا الأرض التي تسكنونها الآن، والتي تحيط بها من جميع جوانبها البحار وقلل الجبال، ضيقة لا تتسع لسكانها الكثيرين، تكاد تعجز عن ا، تجود بما يكفيهم من الطعام، ومن اجل هذا يذبح بعضكم بعضًا، ويلتهم بعضكم بعضًا، وتتحاربون، ويهلك الكثيرون منكم في الحروب الداخلية.
[ ١٥ / ١٥ ]
طهروا قلوبكم إذن من أدران الحقد، واقضوا على ما بينكم من نزاع، واتخذوا طريقكم إلى الضريح المقدس، وانتزعوا هذه الأرض من ذلك الجنس الخبيث، وتملكوها أنتم. إن أورشليم أرض لا نظير لها في ثمارها، هي فردوس المباهج. إن المدينة العظمى القائمة في وسط العالم تستغيث بكم أن هبوا لإنقاذها، فقوموا بهذه الرحلة راغبين متحمسين تتخلصوا من ذنوبكم، وثقوا بأنكم ستنالون من أجل ذلك مجدًا لا يفنى في ملكوت السموات (٥).
وعلت أصوات هذا الجمع الحاشد المتحمس قائلة: "تلك إدارة الله Dieu li volt. وردد إربان هذا النداء ودعاهم إلى أن يجعلوه نداءهم في الحرب، وأمر الذاهبين إلى الحرب الصليبية أن يضعوا علامة الصليب على جباههم أو صدورهم. ويقول وليم مالمزبري William Malmsbury: " وتقدم بعض النبلاء من فورهم، وخروا راكعين بين يدي البابا، ووهبوا أنفسهم وأموالهم لله" (٦) وحذا حذوهم آلاف من عامة الشعب، وخرج الرهبان والنساك من صوامعهم ليكونوا جنود المسيح بالمعنى الحرفي لهذا اللفظ لا بمعناه المجازي. وانتقل البابا النشيط إلى مدن أخرى- إلى تور، وبوردو، وطولوز (طلوشة)، ومنبلييه، ونيمز Nimes … وظل تسعة أشهر يخطب داعيًا إلى الحب الصليبية. ولما بلغ روما بعد أن غاب عنها سنتين، استقبلته بالترحاب أقدم مدن العالم المسيحي تقوى، وأخذ على عاتقه أن يحل جميع الصليبيين من جمع القيود التي تعوقهم عن الانضمام إلى المقاتلين. ولم يلق في عمله هذا مقاومة جدية؛ فحرر رقيق الأرض، وحرر التابع الإقطاعي طوال مدة الحرب مما عليه من الولاء لسيده؛ ومنح جميع الصليبيين ميزة المحاكمة أمام المحاكم الكنيسة لا أمام المحاكم الإقطاعية، وضمن لهم مدة غيابهم حماية الكنيسة لأملاكهم. وأمر
[ ١٥ / ١٦ ]
بوقف جميع الحروب القائمة بين المسيحيين- وإن لم يقو على تنفيذ أمره هذا، ووضع مبدأ للطاعة يعلو على قانون الولاء الإقطاعي؛ وهكذا توحدت أوربا كما لم تتوحد في تاريخها كله، ووجد إربان نفسه السيد المرتضي- من الوجهة النظرية على الأقل- لملوك أوربا على بكرة أبيهم. وسَرت روح الحماسة في أوربا كما لم تسر فيها من قبل في أثناء هذا الاستعداد المحموم للحرب المقدسة.
[ ١٥ / ١٧ ]
الفصل الثاني