(٥٢٩ - ١٠٥٤)
لم يكن أجل الحوادث في التاريخ الديني لهذه العصور وأعظمها خطرًا هو النزاع بين الكنيستين اليونانية واللاتينية، بل كان هو ظهور الإسلام وتحديه للمسيحية في الشرق والغرب على السواء. ذلك أنه لم يكد دين المسيح ثمار انتصاراته على الإمبراطورية الوثنية وعلى الشيع المسيحية الملحدة حتى انتزعت منه أعظم ولاياته عزة على الدين واستمساكًا به، انتزعها منه في يسر مروع دين يحتقر فلسفة الإلهيات المسيحية والمبادئ الأخلاقية المسيحية (^١). نعم إن البطارقة ظلوا في كراسيهم بإنطاكية، وبيت المقدس، والإسكندرية بفضل تسامح المسلمين، ولكن مجد المسيحية قد زال من تلك الأقاليم، وكانت المسيحية الباقية فيها مسيحية مارقة قومية فقد قامت أرمينية، والشام، ومصر وسلطات كهنوتية مستقلة تمام الاستقلال عن القسطنطينية وروما. واحتفظت بلاد اليونان بدينها المسيحي لأن الرهبان قد انتصروا فيها على الفلاسفة، وكان الدير العظيم دير لافرا المقدس الذي أقيم على جبل آثوس Mt، Athos في عام ٩٦١ يضارع في عظمته البارثنون بعد أن استحال كنيسة مسيحية. وكان لا يزال بأفريقية في القرن التاسع الميلادي عدد كبير من المسيحيين، ولكنهم كانوا يتناقصون تناقصًا سريعًا تحت حكم المسلمين. أما أسبانيا فقد كان الجزء الأكبر منها في عام ٧١١ قد خرج من أيدي المسلمين، ذلك أن المسيحية ولت وجهها نحو الشمال بعد هزيمتها في آسية وأفريقية وواصلت فتوحها في أوربا.
_________________
(١) في هذا القول كثيرًا من المغالاة فالإسلام لا يحتقر فلسفة الإلهيات المسيحية ولا المبادئ الأخلاقية المسيحية وإن خالفها في بعض مبادئها وحسبنا دليلًا على هذا قول الله ﷾ لنبيه: "وجادلهم بالتي هي أحسن".
[ ١٤ / ٣٦٣ ]
وأوشكت إيطاليا أن تقع في أيدي المسلمين، ولكنها بعد أن أفلتت منهم انقسمت بين المذهبين المسيحيين اليوناني واللاتيني، وكاد دير مونتي كسينو يقوم على الحد الفاصل بين المذهبين، وقد بلغت شهرة هذا الدير غايتها تحت حكم رئيسه دزيدورس (١٠٥٨ - ١٠٨٧). فقد جاء إليه من القسطنطينية ببابين فخمين من البرونز، ثم لم يكتف بهذا فجاء إليه أيضًا بصناع، زينوا داخله بالفسيفساء والميناء. والزخارف في المعادن والعاج والخشب. وكاد الدير يصبح جامعة علمية تدرس مناهج في النحو والآداب اليونانية والرومانية القديمة، والآداب المسيحية واللاهوت، والطب، والقانون. وأخرج الرهبان مخطوطات مزخرفة غاية في الإبداع على غرار النماذج البيزنطية، ونسخوا بخطهم الجميل كتب روما الوثنية القديمة، ومنها طائفة يرجع الفضل في بقائها حتى الآن إلى عمل هؤلاء الرهبان. وفي روما لم تشأ الكنيسة في عهد البابا بنيفاس الرابع وخلفائه أن تظل الهياكل الوثنية آخذة في التهدم والانحلال بل شرعت تعيد بقاءها ليستخدمها المسيحيون ويعنوا بها، فدشن البانثينون لمريم العذراء ولجميع القديسين (٦٠٩)، واستحال هيكل يانوس كنيسة للقديس ديونيشيوس، وهيكل زحلى (ساترن) كنيسة المخلّص. وجدد ليو الرابع (٨٤٧ - ٨٥٥) كنيسة القديس بطرس وزينها، وبفضل ازدياد سلطان البابوية، ومجيء الحجاج إلى تلك المباني، تمت حولها ضاحية من مختلف الأجناس واللغات اشتق اسمها من اسم تل الفاتيكان القديم.
وكانت فرنسا وقتئذ أغنى البلاد التابعة للكنيسة اللاتينية. ذلك أن ملوك الأسرة المروفنجية لم يكونوا يرتابون في قدرتهم على ابتياع ملكوت السماوات بعد أن يستمتعوا بتعدد الزوجات وتقتيل الخصوم فأخذوا يهبون الأسقفيات الكثير من الأراضي والأموال. وكانت الكنيسة في فرنسا كما كانت في غيرها من البلدان تتلقى الوصايا من الكبراء التائبين والوارثات العابدات الصالحات؛ ولما حرم
[ ١٤ / ٣٦٤ ]
شلبريك Chilperic هذه الهبات ألغى جنثرام Gunthram أمر التحريم بعد قليل. وكان من سخريات التاريخ أن رجال الدين في غالة كانوا كلهم تقريبًا من العنصر الغالي الروماني، وبهذا كان الفرنجة الذين اعتنقوا الدين المسيحي يخرون سجدًا تحت أقدام من فتحوا هم بلادهم ويردون إليهم بالهبات ما نهبوه منهم من الحروب (٢٨). وكان رجال الدين أعظم العناصر قدرة في غالة، وأحسنهم تعليمًا، وأقلهم فسادًا في الأخلاق. وكادت معرفة القراءة والكتابة أن تكون محصورة فيهم وحدهم، وكانت الكثرة الغالبة منهم تجد صادقة مخلصة في تعليم الشعب الذي كان يعاني الأمرين من شره كبرائه وملوكه، وفي تقييم أخلاقه، وإن كانت من بينهم أقلية صغيرة انغمست في الرذيلة. وكان للأساقفة القسط الأكبر من السلطة الزمنية والدينية في أبرشياتهم، وكانت محاكمهم الملجأ المفضل للمتقاضين في الشئون الدينية وغير الدينية أيضًا. وكانوا أينما وجدوا يبسطون حمايتهم على اليتامى، والأرامل، والمعدمين، والأرقاء؛ وكانت الكنائس تنشئ المستشفيات في كثير من الأبرشيات، ومنها hotel de Dieu-" نزل الله"-الذي افتتح في باريس عام ٦٥١. وقد اشتهر سان جرمان St. Germain، أسقف باريس في النصف الثاني من القرن السادس في جميع أنحاء أوربا بما بذله من الجهود في جمع الأموال-وإنفاق ماله الخاص-لتحرير العبيد. وقوى سيدونيوس أسقف مينز جسور الرين. وهذب فليكس أسقف نانت مجرى اللوار، وأنشأ ديدييه Didier أسقف كاهور Cahor قنوات لنقل مياه الشرب، وكان سان أجوبار St. Agobard (٧٧٩ - ٨٤٠) كبير أساقفة لبون نموذجًا صالحين في الدين، وعدوًا لدودًا للخرافات، حرم المحاكمة بالمبارزة أو التحكيم الإلهي، كما حرم عبادة الصور، وتفسير الزوابع على أنها من أعمال السحر، وكشف عما في محاكمة الساحرات من أخطاء فكان بهذا "أكثر رؤوس ذلك الوقت صفاء" (٢٩). وكان هنكمار الأرستقراطي كبير أساقفة ريمس (٨٤٥ - ٨٨٢) رئيسًا لنحو
[ ١٤ / ٣٦٥ ]
عشرين من المجالس الكنسية، وقد أفل ستة وستين كتابًا، وكان رئيس شارل الأصلع، وكاد ينشئ حكومة دينية في فرنسا.
واتصفت المسيحية في كل بلد بصفات أهله القومية، فأصبحت في أيرلندة صوفية، عاطفية، فردية النزعة، انفعالية؛ أدخلت فيها الجنيات، والشعر، وخيال الكلت العجيب الرقيق، وورث القساوسة قوى الدرويد السحرية، وأساطير الشعراء الغنائيين، وكان النظام القبلي في البلاد مساعدًا على تفكك الكنيسة-حتى كادت كل جهة فيها يكون لها "أسقف" مستقل. وكان الرهبان فيها أكثر عددًا وأعظم نفوذًا من الأساقفة والقساوسة، وكان أولئك الرهبان يعيشون جماعات قلّما تزيد الواحدة منها على اثني عشر راهبًا يقيمون في أديرة شبه منعزلة، معظمها مستقلة بشئونها ومنتشرة في أنحاء الجزيرة، تعترف للبابا برياسة الكنيسة، ولكنها لا تخضع لإشراف خارجي من أي نوع كان. وكان الرهبان الأسبقون يعيشون في صوامع منفصلة، ويعمدون إلى التنسك والزهد، ولا يجتمعون إلا في أوقات الصلاة. وجاء بعدهم جيل آخر-"الطبقة الثانية من القديسين الأيرلنديين"-خرجوا على هذه التقاليد المصرية، فكانوا يدرسون مجتمعين ويتعلمون اللغة اليونانية، وينسخون المخطوطات، وينشئون المدارس لرجال الدين وغير رجال الدين. وتخرج في المدارس الأيرلندية في القرنين السادس والسابع عدد متتابع من جبابرة القديسين الذائعي الصيت انتقلوا منها إلى اسكتلندة، وإنجلترا، وغالة، وألمانيا، وإيطاليا، ليعلموا فيها المسيحية المظلمة ويعيدوا إليها الحياة. وقد كتب أحد الفرنجة في عام ٨٥٠ يقول: "تكاد أيرلندة كلها تهرع إلى جماعات إلى سواحلنا ومعها حشدن الفلاسفة" (٣٠). وهكذا انعكست الآية واستُرِدَّ الدَّين، فبعد أن طردت غارات الألمان غالة وبريطانيا العلماء من هذين البلدين إلى إيرلندة، أخذ المبشرون الأيرلنديون يلقون بأنفسهم على فاتحي إنجلترا الوثنيين من الإنجليز والسكسون،
[ ١٤ / ٣٦٦ ]
والنرويجيين، والدنمرقيين، وعلى المسيحيين الأميين نصف الهمج في غالة وألمانيا، يحملون الكتاب المقدس بإحدى يديهم والمخطوطات اليونانية والرومانية القديمة باليد الأخرى، ولاح وقتًا ما أن الكلت سوف يستردون عن طريق المسيحية ما خسروه من الأراضي بالقوة. وبذلك كانت العصور المظلمة هي التي أشرقت فيها الروح الأيرلندية وتلألأت كما لم تتلألأ من قبل ولا من بعد.
وكان أعظم أولئك المبشرين هو سانت كولمبا St. Columba، نحن نعرف الشيء الكثير عنه من سيرته التي كتبها له (حوالي عام ٩٧٦) أدمنان Adamnan أحد خلفائه في أيونا Iona. وقد ولد كولمبا في دنجال Donegal عام ٥٢١، وكان يجري في عروقه دم الملوك؛ وكان ما كان بوذا قديسًا في وسعه أن يكون ملكًا. وبدا عليه وهو طالب في مدرسة موفيل Moville من الورع ما جعله معلمه يلقبه كولمبكيل Columbkille أي عماد الكنيسة. وأنشأ مذ كان في الخامسة والعشرين من عمره عددًا من الكنائس والأديرة أشهرها كلها ما كان منها في دري Derry، ودرو Durrow، وكلز Kells ولكنه لم يكن قديسًا فحسب، بل كان فوق ذلك مكافحًا "قوي البنية. جهوي الصوت" (٣١)، سبب له تهوره كثيرًا من النزاع ثم إلى الحرب مع الملك ديرمويد Diarmuid؛ ودارت بينهما آخر الأمر معركة قتل فيها، على حد قولهم، ٥٠٠٠ رجل. وانتصر فيها كولمبا ولكنه رغم انتصاره فر من أيرلندة (٥٦٣)، وهو مصمم على أن يهدي إلى المسيحية من الأرواح بقدر من قتل في معركة كولدرفنا Cooldrevna. وأنشأ وقتئذ في جزيرة أيونا القريبة من شاطئ اسكتلندة الغربي ديرًا من أعظم أديرة العصور الوسطى وأوسعها شهرة. ومن هذا الدير نشر هو ومريدوه الإنجيل في جزيرة هبريده Hebrides، واسكتلندة، وشمالي إنجلترا. وبعد أن هدى آلافًا من الوثنيين إلى الدين المسيحي وزخرف ثلاثمائة "كتاب نبيل" مات وهو يصلي عند المذبح في الثامنة والسبعين من عمره.
[ ١٤ / ٣٦٧ ]
وشبيه به في روحه واسمه سانت كولمبان St. Columban المولود في لينستر Leinster حوالي عام ٥٤٣. ولسنا نعلم عنه شيء حتى نجده وهو في الثانية والثلاثين من عمره يؤسس الأديرة في جبال الفوج بفرنسا. وكان من تعاليمه للمبتدئين من أتباعه في لكسويل Luxeuil:
يجب أن تصوم كل يوم، وتصلي كل يوم، وتعمل كل يوم، وتقرأ كل يوم؛ وعلى الراهب أن يعيش تحت حكم أب واحد، وفي مجتمع يتألف في كثير من الإخوان، حتى يتعلم التواضع من أحدهم والصبر من آخر والصمت من ثالث ودماثة الأخلاق من رابع … ويجب أن يأوى إلى الفراش وهو متعب يكاد يغلبه النوم وهو سائر في الطريق (٢٣).
وكانت العقوبات صارمة، أكثر ما تكون بالجلد: ستة سياط إذا سعل وهو يبدأ ترنيمة أو نسي أن يدرم أظافره قبل تلاوة القداس، أو تبسم أثناء الصلاة أو قرع القدح بأسنانه أثناء العشاء الرباني؛ وكانت اثنا عشر سوطًا عقاب الراهب إذا نسي أن يدعو الله قبل الطعام، وخمسون عقاب التأخر عن الصلاة، ومائة لمن يشترك في نزاع، ومائتان لمن يتحدث من غير احتشام مع امرأة (٢٣). ولم يكن الناس يحجمون عن دخول الدير رغم هذا الحكم الإرهابي، فقد كان في دير مكسويل ستون راهبًا، كثيرون منهم ينتمون إلى أسر غنية. وكانوا يعيشون على الخبز، والخضر، والماء؛ ويقطعون الغابات، ويحرثون الأرض، ويزرعون ويحصدون، ويصومون ويصلون. وهنا أقام كولمبان نظام "الحمد الذي لا ينقطع iaux perennis. فقد كانت الأوراد يتلوها بلا انقطاع ليلًا ونهارًا طائفة بعد طائفة من الرهبان يوجهونها إلى عيسى ومريم والقديسين (٣٤). وكانت ألف دير ودير شبيهة بدير لكسويل من المعالم البارزة في العصور الوسطى.
ولم يكن المزاج الصارم الذي وضع هذه القواعد يجيز آراء غير هذه الآراء؛ ولهذا ألقى كولمبان، الذي يحرم النزاع، نفسه في نزاع متكرر مع الأساقفة الذين
[ ١٤ / ٣٦٨ ]
يتجاهل سلطانهم، ومع الموظفين الزمنيين الذين لا يقبل تدخلهم في الشئون الدينية ومع البابوات أنفسهم. ذلك أن الأيرلنديين كانوا يحتفلون بعيد الفصح حسب تقويم كانت تسير عليه الكنيسة في بادئ الأمر ولكنها غيرته في عام ٣٤٣. ونشأ من ذلك نزاع بينها وبين القساوسة الغاليين، فلجأ هؤلاء إلى جريجوري الأكبر، ورفض كولمبان أوامر البابا وقال: "إن الأيرلنديين أعلم منكم بالفلك أيها الرومان"، وأمر جريجوري أن يقر طريقة الأيرلنديين في الحساب وإلا "فسيعد من الخارجين عن الدين وتنبذه بازدراء كنائس الغرب" (٣٥). ثم طرد الأيرلندي المتمرد من غالة (٦٠٩)، لتشهيره بآثام الملكة برنهلد Brunhild: ووضع بالقوة على ظهر سفينة مقلعة إلى أيرلندة؛ ولكن السفينة اضطرت إلى الاندفاع عائدة إلى فرنسا، وعبر كولمبان الأرض المحرمة عليه وأخذ يعظ أهل بافاريا الوثنيين. ولسنا نعتقد أن كولمبان كان في حقيقة أمره رهيبًا كما يبدو من حكمه وسيرته، فنحن نسمع أن السناجب كانت تجثم في اطمئنان على كتفيه وتدخل في قلنسوته وتخرج منها (٣٦). ثم ترك زميلًا له أيرلنديًا ليؤسس (٦١٣) دير سانت جول St. Gall على بحيرة كنستانس، وعبر هو ممر سان جوثار St. Gothard Pass بعد أن عانى في سبيل ذلك الأمرين، وأسس دير ببيو Bobbio في لمباوديا عام ٦١٣ حيث توفي بعد عامين في صومعته المنعزلة التي كان يعيش فيها معيشة الزهد والتقشف.
ويحدثنا ترتليان Tertullian عن وجود مسيحيين في بريطانيا في عام ٢٠٨؛ كما يحدثنا بيد Bede عن وفاة سانت أولبان أثناء اضطهاد دقلديانوس للمسيحيين. وقد شهد الأساقفة البريطانيون مجلس سرديقا Sardica (٣٤٧)، كذلك ذهب جرمانوس Germanus أسقف أوكسير Auxerre إلى بريطانيا في عام ٤٢٩ ليقضي فيها على الزنادقة البلاجيين (٣٧). ويؤكد لنا وليم الملمزبريي William of Malmesbury أن الأسقف أباد جيشًا من السكسون بأن جعل الذين هداهم
[ ١٤ / ٣٦٩ ]
من البريطانيين يصرخون "حمدًا لله" في وجوههم (٣٨). ثم ضعف شأن المسيحية البريطانية بعد أن كانت لها هذه القوة العظيمة، وأشرفت على الفناء بسبب غارات الأنجليسكيون، فلم تعد تسمع عنها شيئًا بعدئذ حتى دخل أتباع كولمبا نورثمبرلند في آخر القرن السادس، وحتى وصل أوغسطين ومعه سبعة آخرون من الرهبان من روما إلى إنجلترا. وما من شك في أن البابا جريجوري قد علم من قبل أن إثلبرت ملك كنت الوثني تزوج برتا Bertha الأميرة المروفنجية المسيحية. واستمع إثلبرت في لطف ومجاملة إلى أوغسطين، وظل غير مقتنع بحديثه، ولكنه أطلق له حرية الوعظ، وهيأ له ولزملائه الرهبان الطعام والمسكن في كنتربري. ثم استطاعت الملكة آخر الأمر (٥٩٩) أن تقنع الملك باعتناق الدين الجديد، وحذا حذوهما كثيرًا من رعاياهما. وفي عام ٦٠١ بعث جريجوري بصورة الكاهن إلى أوغسطين فأصبح على رأس عدد من أساقفة كنتبري الأجلاء الممتازين. واصطنع جريجوري اللين مع من بقي في إنجلترا من الوثنيين وأجاز تحويل الهياكل القديمة إلى كنائس، بأن تحول عادة التضحية بالثيران في يسر ولطف غلى "ذبحها لإنعاشهم لمديح الله" (٣٩)، وبهذا كان كل ما طرأ على الإنجليز من تغير هو تحولهم من أكل لحم البقر حين يحمدون الله غلى حمد الله حين يأكلون لحم البقر.
وأدخل مبشر إيطالي آخر يدعى بولينوس panlinus المسيحية إلى نورثمبرلند (٧٢٦). ذلك أن أزولد Oswald ملك نورثمبرلند دعا رهبان أيونا إلى المجيء غلى بلاده ليعظوا شعبه، وأراد أن يعينهم على أداء مهمتهم فمنحهم جزيرة لنسفارن Lindisfarne القريبة من ساحل إنجلترا الشرقي. وفيها أنشأ سانت إيدان St. Aidan (٦٣٤) ديرًا خلد اسمه بمن تخرج فيه من المبشرين المخلصين وبما أخرجه من المخطوطات المزخرفة ذات الروعة. وهناك ترك سانت كثبرت St. Cuthbert (٦٣٥؟ -٦٨٧) وراءه في دير ملروز Mlrose ذكريات طيبة لصبره، وتقواه، وفكاهته، وحسن إدراكه وبفضل صلاح هؤلاء الرجال
[ ١٤ / ٣٧٠ ]
وأمثالهم، وبفضل ما كانوا ينعمون به من أمن وسلام وسط الحروب الكثيرة، أقبل عدد كبير من المتنصرين حديثًا والمتنصرات إلى أديرة الرجال والنساء التي قامت وقتئذ في إنجلترا. وقد رفع أولئك الرهبان من كرامة العمل، بكدحهم المتواصل في الغابات والحقول على الرغم من انتكاسهم من حين غلى حين وعودتهم إلى أساليب عامة الناس. فتزعموا هنا، كما تزعموا في فرنسا وألمانيا، ركب الحضارة في كفاحه ضد المناقع والآجام، وكما تزعموه في كفاحه ضد الأمية، والعنف والدعارة، والسكر، والشره. وظل بيد أن من يدخلون الأديرة من الإنجليز قد زاد على الحد الواجب، وأن الأشراف قد أسرفوا في إنشاء الأديرة ليعفوا أملاكهم من الضرائب، وأن أراضي الكنيسة المعفاة من الضرائب قد استغرقت من أرض إنجلترا الزراعية فوق ما يجب أن تستغرقه؛ وأنذر البلاد بأنه لم يبق من الجنود من يكفون لوقاية إنجلترا من الغزو (٤٠). وسرعان ما أثبت الدنمرقيون، ومن بعدهم النورمان حكمة الراهب وبعد نظره في شئون الدنيا.
ووجد النزاع سبيله إلى الأديرة نفسها، وعكر عليها صفوها، حين اصطدم الرهبان البندتيون المقيمون في جنوبي إنجلترا والذين اتبعوا الشعائر الرومانية والتقويم الروماني، بالرهبان الأيرلنديين والتقويم الأيرلندي والشعائر الأيرلندية في الشمال. وحسم سانت ولفريد St. Wilfrid بفصاحته في مجتمع هوتبي Whitby المقدس (٦٦٤) هذا النزاع-وهو من الوجهة الفنية التاريخ الصحيح لعيد الفصح-في صالح روما. وقبِل الرهبان الأيرلنديون على كره منهم هذا القرار، وأضحت الكنيسة الإنجليزية بعد وحدتها وما نالت من الحبوس والهبات سلطة اقتصادية وسياسية، واضطلعت بدور رئيسي في تحضير الشعب وحكم الدولة.
وجاءت المسيحية إلى ألمانيا هدية من الرهبان الأيرلنديين والإنجليز. ذلك أن وليبرورد Willibrord الراهب النورثمبري الذي تلقى تعليمه في أيرلندة اجتاز هو واثنا عشر من أعوانه المغامرين بحر الشمال في عام ٦٩٠، واتخذ
[ ١٤ / ٣٧١ ]
مقره الديني في أوترخت Utrecht، وظل أربعين عامًا يعمل لهداية الفريزيين إلى المسيحية. ولكن أولئك الملاك ذوي النزعة الواقعية رأوا في وليبرورد يد بيبين الأصغر حاميه ونصيره؛ ولم يكن يرضيهم أن يقال لهم إن جميع أسلافهم غير المعمدين مثواهم الجحيم. ويروي أن ملكًا فريزيًا عرف هذا وهو يوشك أن يعمد، فامتنع عن التعميد وقال إنه يفضل أن يخلد مع آبائه (٤١).
وواصل رجل أقوى من وليبرورد هذه الحملة في عام ٧١٦. ذلك أن نبيلًا إنجليزيًا وراهبًا بندكتيًا يدعى ونفريد (٦٨٠؟ -٧٥٤) منحه البابا جريجوري الثاني اسم بنيفاس ولقبَّه خلفاؤه الصالحون لقب "رسول ألمانيا". وقد وجد ونفريد هذا بالقرب من فرتزلار Fritzlar في هس Hesse شجرة بلوط يعبدها الناس على أنها موطن لإله من الآلهة، فما كان منه إلا أن قطع الشجرة، ودهش الناس حين رأوا أنه ظل حيًا فهرعوا إليه يطلبون التعميد. وأقيمت بعدئذ أديرة عظيمة في ريخنو Reichenau (٧٢٤)، وفلدا Fulda (٧٤٤)، ولورسخ Lorsch (٧٦٣) . وعيَّن بنيفاس كبيرًا لأساقفة مينز في عام ٧٤٨، فنصب عددًا من الأساقفة ونظم الكنيسة الألمانية فجعلها أداة قوية لتقويم الأخلاق وتوطيد دعائم النظام الاقتصادي والسياسي. ولما أتم رسالته في هس وثورنجيا، أراد أن يختم حياته بالاستشهاد في سبيل الدين، فدخل فريزيا يعتزم أن يتم العمل الذي بدأه وليبرورد. وبعد أن ظل يكدح في هذا العمل سنة أو نحوها هاجمه الوثنيون وقتلوه. وبعد عام من مقتله نشر شارلمان الدين المسيحي بين السكسون بالسيف والنار، ورأى الفريزيون المعاندون أن لا مناص من الخضوع، وتم بذلك فتح بلاد الذين فتحوا روما على أيدي المسيحية الروماتية.
وكان آخر انتصارات الدين في أوربا هو هداية الصقالبة. وتفصيل ذلك أن رستسلاف Roslislav أمير مورافيا رأى المسيحية اللاتينية تدخل بلاده وتغفل في شعائرها لغة البلاد، فطلب إلى بيزنطية أن ترسل لبلاده مبشرين
[ ١٤ / ٣٧٢ ]
يستخدمون اللغة العامية في عظاتهم وصلواتهم، فبعث إليه الإمبراطور بأخوين همامثوديوس Methodius وسيريل Cyril كانا نشآ في سلانيك، ولذلك كان من السهل عليهما أن يتكلما لغة الصقالبة. ورحب بهما أهل البلاد ولكنهما وجدا أن الصقالبة ليست لهم حروف هجائية يعبرون بها عن لغتهم تعبيرًا كاملًا بالكتابة، وأن العدد القليل الذين يكتبون يستخدمون في كتابة حديثهم الحروف اليونانية واللاتينية. ولهذا ابتكر الحروف الهجائية الصقلبية وطريقة كتابتها، وذلك باستخدام الحروف اليونانية مع التحسينات التي دخلت عليها نتيجة استخدام اليونان إياها حتى القرن التاسع، فكان حرف B ينطق كما ينطق V، H ينطق حرف I (وحرف E في الإنجليزية)، Ch ينطق الأسكتلنديون Ch، وابتكر حروفًا صقلبية للأصوات التي لا تعبر عنها الحروف اليونانية. وترجم سيريل بهذه الحروف الهجائية الترجمة اليونانية السبعينية للعهد القديم ونصوص الطقوس اليونانية، وبدأ بهذا العمل لغة مكتوبة جديدة وأدبًا جديدًا.
ونشأ وقتئذ بين المسيحية اليونانية واللاتينية نزاع تبغي به كلتاهما أن تستحوذ على الصقالبة، فاستدعى البابا نقولاس الأول سيريل ومثوديوس إلى روما، حيث ترهب سيريل، ومرض، ومات (٨٥٩) أما مثوديوس فعاد إلى مورافيا كبيرًا لأساقفتها من قبل البابا. وأجاز البابا يوحنا الثامن استخدم الطقوس الصقلبية، ثم حرمها استيفن الخامس، واكتسبت الكنيسة اللاتينية وشعائرها مورافيا، وبوهيميا، وسلوفاكيا (وهي التي تتألف منها دولة تشكوسلوفاكيا الحاضرة)، كما كسبت بعدئذ بلاد المجر وبولندا، أما بلغاريا، والصرب، وروسيا قد ارتضت الطقوس والحروف الهجائية الصقلبية، وقدمت ولاءها للكنية اليونانية، وأخذت ثقافتها عن بيزنطية.
ولقد تأثرت هذه التغييرات الدينية بالاعتبارات السياسية. ذلك أن اعتناق الألمان المسيحية كان يقصد بهم ضمهم إلى مملكة الفرنجة وربطهم وإياها برباط
[ ١٤ / ٣٧٣ ]
وثيق. وفرض الملك هارولد بلوتوث (صاحب الناب الأزرق) الدين المسيحي على الدنمرقة (٩٧٤)، ليكون جزءًا من الثمن الذي طلبه الإمبراطور أتو الثاني للصلح. وانحاز بوريس Boris ملك بلغاريا إلى جانب الكنيسة اليونانية (٨٦٤) بعد أن ظل يداعب البابوية وقتًا ما، وكان انضمامه إليها لرغبته في الاحتماء بها من توسع ألمانيا، وجعل فلاديمير Vladimir الأول روسيا بلادًا مسيحية (٩٨٨) ليستطيع الزواج بأنا Anna أخت بازيل الثاني إمبراطور الروم، وليحصل على جزء من بلاد القرم بائنة لها (٤٢) وظلت الكنيسة الروسية قرنين من الزمان تعترف بسلطان بطرق القسطنطينية، ثم أعلنت استقلالها عنه في القرن الثالث عشر، وأضحت الكنيسة الروسية بعد سقوط الإمبراطورية الشرقية (١٤٥٣) ذلك الشأن الأكبر في العالم الأرثوذكسي اليوناني.
وكان الجنود المظفرون في هذا الفتح المسيحي لأوربا هم الرهبان، كما كانت الراهبات هن الممرضات في هذه الحرب الدينية. ذلك أن الرهبان قد عاونوا الزراع على استصلاح الأراضي البور وزراعتها، وتقطيع أشجار الغابات وتنظيف الأرض من الأعشاب، وتجفيف المستنقعات، وإقامة الجسور على الجداول، وشق الطرق، ولقد أقاموا في البلاد مراكز للصناعة، وأنشئوا المدارس، ونظموا الصدقات، ونسخوا المخطوطات وجمعوا مكتبات متواضعة، وبثوا النظام الأخلاقي وروح الشجاعة والطمأنينة في نفوس الحائرين الذين انتزعوا من عاداتهم وشعائرهم أو بيوتهم القديمة. وكان بندكت الأنياني يكدح، ويحفر، ويحصد بين رهبانه، كما ظل الراهب ثيودولف يسوق المحراث بالقرب من ريمس مدى اثنين وعشرين عامًا، وقد بلغ من إخلاصه في هذا العمل أن احتفظ بعد وفاته بهذا المحراث وكان موضعًا للإكبار والإجلال.
وكان الرهبان والراهبات يعودون إلى فطرتهم البشرية بين آونة وأخرى بعد أن يبقوا زمنًا طويلًا مثلًا عليا للفضيلة، والخشوع، والجد، وكان لا بد من قيام
[ ١٤ / ٣٧٤ ]
حملة في كل قرن تقريبًا لرفع الرهبان مرة أخرى إلى المستويات العليا غير الفطرية التي شرعوا لأنفسهم قواعدها. كذلك كان بعض الرهبان ينهمكون في نوبات موقوتة من التقي والخشوع ثم يصبحون غير صالحين لنظام الرهبنة بعد أن يفيقوا من نشوتهم وتضعف حماستهم. ومن الرهبان والراهبات من كانوا نذورًا جيء بهم إلى الأديرة وهم أطفال في سن السابعة أو بعدها، ومنهم من جيء بهم وهم رضع في المهد، وقد ظلت هذه النذور حرمات لا يحل النكث بها حتى أباحت القرارات البابوية في عام ١١٧٩ التحلل منها إذ بلغ الطفل الرابعة عشرة من عمره (٤٣). وهال لويس التقي ما رآه من ضعف النظام في الأديرة الفرنسية فدعا في عام ٨١٧ إلى عقد جمعية قومية من رؤساء الأديرة والرهبان في آخن، وعهد إلى القديس بندكت الأنياني أن يقرر السير في جميع في جميع أديرة بلاده على القواعد التي وضعها القديس بندكت النورسيائي St. Benedict of Nurcia. وأخذ بندكت الجديد يواصل العمل بجد، ولكن المنية وافته في عام ٨٢١، وما لبثت حروب الملوك أن أشاعت الفوضى في دولة الفرنجة، وخربت غارات النورمان، والمجر، والمسلمين مئات الأديرة، وهام الرهبان على وجههم في العالم غير الديني، ولما عاد بعضهم إلى أديرتهم بعد أن ارتدت موجة التخريب، جاءوا معهم إليها بطرائق الحياة في خارجها. يضاف إلى هذا أن السادة الإقطاعيين قد اغتصبوا الأديرة، وعينوا هم رؤساءها، واستولوا على إيرادها، ولم يحل عام ٩٠٠ حتى تدهورت أديرة الغرب، كما تدهورت الأنظمة كلها، إلا القليل الذي يستحق الذكر منها، في أوربا اللاتينية إلى الدرك الأسفل من حياتها أثناء العصور الوسطى. وليس أدل على هذا الانحطاط من قول سانت أدو رئيس دير كلوني (المتوفى عام ٩٤٢) "إن بعض رجال الدين في الأديرة وخارجها يستهترون بابن العذراء استهتارًا يستبيحون معه ارتكاب الفحشاء في ساحاته نفسها، بل في تلك البيوت التي أنشأها المؤمنون الخاشعون لكي تكون ملاذًا للعفة والطهارة في حرمها المسور،
[ ١٤ / ٣٧٥ ]
لقد فاضت هذه البيوت بالدعارة حتى أصبحت مريم العذراء لا تجد مكانًا تضع فيه الطفل عيسى" (٤٤). ومن دير كلوني جاءت حركة الإصلاح العظمى للأديرة.
ذلك أن اثني عشر راهبًا قد أنشئوا حوالي عام ٩١٠ ديرًا في هذا المكان بين تلال برغندية يكاد يكون موضعه على الحدود الفاصلة بين ألمانيا وفرنسا. وفي عام ٩٢٧ أعاد أدو رئيسه النظر في قواعده ليجعلها أشد صرامة من الناحية الأخلاقية وييسرها من ناحية الجهود الجسمية: فمنع التقشف الشديد، وأوصى بالاستحمام، ووفر الطعام، وأجاز شرب الجعة والنبيذ، ولكنه شدد في الاستمساك بالإيمان القديمة التي يلتزم بها الرهبان الفقر، والطاعة، والعفة. وأنشئت أديرة أخرى على غراره في أماكن أخرى من فرنسا، ولكنها لم تكن كالأديرة القديمة لكل منها قانونه الذي لا يقوم على أساس معروف، ولا يخضع إلا خضوعًا غير وثيق إلى أسقف محلي أو سيد من الأشراف، بل كانت الأديرة البندكتية الجديدة المتصلة بدير كلوني يحكمها رؤساء يخضعون لرؤساء دير كلوني وللبابوات. وانتشرت بزعامة مايول Mayeul (٩٥٤ - ٩٩٤)، وأوديلو Odilo (٩٩٤ - ١٠٤٩)، وهيو Hugh (١٠٤٩ - ١١٠٩) حركة تآخي الأديرة من فرنسا إلى إنجلترا، وألمانيا، وبولندة وهنغاريا، وإيطاليا، وأسبانيا، وانضمت كثير من الأديرة القديمة "إلى المجمع الكلوني"، فلم يحل عام ١١٠٠ حتى كان نحو ألفي دير تعترف بأن دير كلوني أبوها وحاكمها. وكانت السلطة المنظمة على هذا النحو البعيدة عن تدخل الدول ورقابة الكنيسة، سلاحًا جديدًا في يد البابوية تسيطر به على رجال الدين في خارج الأديرة، ويسرت في الوقت نفسه إصلاح نظام الرهبنة على أيدي الرهبان أنفسهم إصلاحًا ينطوي على الجرأة والشجاعة، فكبحت أيد قوية ما كان في الأديرة من اضطراب، وتعطل، وترف، وفساد أخلاقي، ومتاجرة بالدين وبالرتب الكهنوتية، وشهدت إيطاليا ذلك المنظر الغريب منظر راهب فرنسي في أراضيها، إذا دعى أدو إلى إيطاليا ليصلح دير مونتي كسينو نفسه (٤٥).
[ ١٤ / ٣٧٦ ]
الفصل السادس