لقد كانت الكنيسة في واقع الأمر دولة أوروبية فوق الدول جميعها، تضطلع بشؤون العبادات، والأخلاق، والتعليم، والزواج، والحروب العامة، والحروب الصليبية، والموت، والوصايا، لنصف سكان قارة من القارات، وتشترك اشتراكًا فعليًا في تصريف الشؤون الزمنية، وتقيم أكثر الصروح نفقة في تاريخ العصور الوسطى، ولهذا كله لم تكن تستطيع أن تقوم بهذه الوظائف كلها إلا باستغلال مائة مصدر من مصادر الإيراد.
وكانت العشور أكبر مصادر هذا الإيراد: ذلك أن قانون الدولة فرض بعد شارلمان على جميع الأراضي التي يمتلكها غير رجال الدين أن تؤدي عشر مجموع غلتها أو ريعها عينًا أو نقدًا إلى الكنيسة المحلية؛ كذلك فرض على كل أبرشية بعد القرن العاشر أن تبعث بجزء من عشورها إلى مطران الأسقفية. وأجازت مبادئ الإقطاع أن تقطع عشور الأبرشية للغير، وترهن، ويوصي بها، وتباع، شأنها في هذا الشأن جميع الأملاك أو الإيراد، فلم يكد يحل القرن الثاني عشر حتى نشأت شبكة مالية معقدة كانت الكنيسة المحلية وقسيسها هما القائمين على جمع عشورها ولم يكونا من مستهلكيها، وكان ينتظر من القس أن "يصب اللعنات من أجل عشوره" على حد قول الإنجليز - أي أن يخرج من الدين من يحاولون التملص من أدائها أو يزورون في إيرادهم؛ لأن الناس في تلك الأيام كانوا يكرهون أداء العشور للكنيسة التي يرون أن أعمالها لازمة لنجاتهم، كما يكرهون في هذه الأيام أداء الضرائب للدولة. فنحن نسمع عن ثورات يقوم بها دافعوا العشور من آن إلى آن، فقد حدث في رجيو إميليا Reggio Emilia عام
[ ١٦ / ٦٨ ]
١٢٨٠، كما يقول الراهب سلمبين Salimbene، أن تحدي الناس قرارات الحرمان والتحريم، وتعاهدوا على "ألا يؤدي أحد منهم أي عشور إلى رجال الدين وألا يجلسوا معهم على مائدة الطعام وألا يقدموا لهم طعامًا أو شرابًا - وهو حرمان معكوس، اضطر معه الأسقف إلى أن يترضاهم (١٣٧).
وكان مصدر إيراد الكنيسة الأساسي هو أراضيها التي حصلت عليها بالهبة أو الوصية، وبالبيع أو إغلاق الرهن، أو بإصلاح الأراضي البور بأيدي جماعات الرهبان أو غيرها من الجماعات الدينية. وكان ينتظر من كل مالك حسب السنن الإقطاعية أن يوصي حين مماته بجزء من ماله للكنيسة؛ وكان الذين لا يفعلون هذا يرتاب في صدق إيمانهم، ويتعرضون لعدم الدفن في الأراضي المخصصة للموتى الصالحين (١٣٨). وإذا كان الذين يعرفون الكتابة من غير رجال الدين نسبة ضئيلة من الأهلين، فإن القس كان هو الذي يدعى في العادة إلى كتابة الوصايا. وقد اصدر البابا إسكندر الثالث في عام ١١٧٠ قرارًا يحرم على أي إنسان عمل وصية صحيحة من الوجهة القانونية إلا في حضرة قسيس، وينص على أن كل موثق من غير رجال الدين يجرؤ على كتابة وصية بغير هذا الشرط يطرد من حظيرة الدين (١٣٩)، وكانت الكنيسة وحدها هي المختصة بإثبات صحة الوصايا. وكانت الهبات أو الوصايا لكنيسة ما في نظر الناس هي أول الطرق الموثوق بها للنجاة من آلام المطهر. وكان عدد كبير من الوصايا للكنيسة، وبخاصة قبل عام ١٠٠٠ م يبدأ بهذه العبارة: Adventante mudi vespero، ومعناها أنه "لما كانت أمسية العالم قريبة" (١٤٠). ولقد سبق القول إن بعض الملاك كانوا ينزلون عن أموالهم إلى الكنيسة بوصف ذلك تأمينًا لهم من العجز: فكانت الكنيسة تؤدي للراهب راتبًا سنويًا وترعاه في حالتي المرضى والشيخوخة، على أن تتسلم تركته خالية من جميع الحقوق العينية حين وفاته (١٤١). وكانت بعض الأديرة "تؤاخي" المحسنين إليها فتمنحهم نصيبًا من تخفيف عذاب المطهر، وهو
[ ١٦ / ٦٩ ]
التخفيف الذي ناله الرهبان بفضل صلواتهم وصالح أعمالهم (١٤٢). ولم يكتف الصليبيون ببيع أراضيهم إلى الكنيسة بأثمان بخسة ليحصلوا ببيعها على ما يحتاجونه من المال، بل إنهم استدانوا الأموال من الهيئات الكنسية بضمان ممتلكاتهم أو برهانها لها؛ وكثيرًا ما كانت هذه الممتلكات تؤول إلى تلك الهيئات لعجز أصحابها عن أداء ما عليها من الديون. ومن الناس من كانوا يموتون وليس لهم ورثة طبيعيون فيتركون أملاكهم كلها للكنيسة، من ذلك أن ما تلدا دوقة تسكانيا Gountess Matilda of Tuscany حاولت أن توصي للكنيسة بما يكاد يبلغ ربع مساحة إيطاليا كلها.
وإذا كانت أملاك الكنيسة مما لا يجوز انتقاله إلى غيرها، وكانت قبل عام ١٢٠٠ معفاة في الأحوال العادية من الضرائب الزمنية (١٤٣)، فقد أخذت هذه الأملاك تنمو على مر القرون، فلم يكن من الأمور غير العادية أن تمتلك كنيسة كبرى، أو يمتلك دير للرجال أو النساء، عدة آلاف من الضياع تشمل فيما تشمله نحو أثنتى عشرة بلدة، بل تشمل أحيانًا مدينة كبرى أو مدينتين (١٤٤). فقد كان أسقف لانجر Langres مثلًا يمتلك المقاطعة كلها. وكان دير القديس مارتن في تور يحكم عشرين ألفًا من أرقاء الأرض، وكان أسقف بولونيا يمتلك ألفي ضيعة، وكان لدير لورسش Lorsch مثل هذا القدر من الضياع؛ وكان لدير لاس هولجاس Las Huelgas في أسبانيا أربع وستون بلدة (١٤٥)، وكانت الكنيسة في قشتالة تمتلك حوالي عام ١٢٠٠ م ربع الأراضي الزراعية، وكانت في إنجلترا تمتلك خمسها، وفي ألمانيا ثلثها، وفي ليفونيا Livonia نصفها (١٤٦). على أنه يجدر بنا أن ننبه القارئ إلى أن هذه التقديرات تقريبية، وليست كلها مما يوثق بصحته. وأضحت هذه الثروة المكدسة موضع حسد الدولة ومطمعها. فقد صادر شارل مارتل أملاك الكنيسة ليمول بها حروبه، وأصدر لويس التقي القوانين التي تحرم على من كان له أبناء أن يوصي بأملاكه إلى الكنيسة (١٤٧).
[ ١٦ / ٧٠ ]
وجرد هنري الثاني إمبراطور ألمانيا كثيرًا من الأديرة من أراضيها، وقال في تبرير هذا العمل إن الرهبان قد نذروا أن يعيشوا فقراء، ووضعت بعض القوانين الإنجليزية الخاصة بالأموال المرصودة قيودًا على انتقال الأملاك إلى "الهيئات" أي الجماعات الكنسية. واستولى إدوارد الأول من الكنيسة الإنجليزية في عام ١٢٩١ على عشر أملاكها، كما استولى منها في عام ١٢٩٤ على نصف دخلها السنوي. وبدأ فيليب الثاني سنة فرض الضرائب على أملاك الكنيسة في فرنسا، وجرى القديس لويس على هذه السنة وجعلها فيليب الرابع شريعة مقررة. ولما تقدمت الصناعة والتجارة، وكثرت النقود، ارتفعت الأثمان، أصبح دخل الأديرة والأسقفيات الآتي معظمه من الرسوم الإقطاعية التي كانت مقدرة من قبل على أساس مستوى الأثمان المنخفضة، والتي لم يكن يستطاع رفعها في هذه الأيام، نقول أصبح دخل الأديرة والأسقفيات لا يفي بمعيشة من فيها، دع عنك ترفهم (١٤٨)، فلم يحل عام ١٢٧٠ حتى كانت كثرة الكنائس والأديرة في فرنسا مستغرقة في الدين، ذلك أنها كانت قد استدانت من أصحاب المصارف بفوائد مرتفعة لتفي بمطالب الملوك، وكان هذا من أسباب ضعف نشاط البناء في فرنسا في آخر القرن الثالث عشر.
وزاد البابوات في فقر الأسقفيات بما فرضوه من الضرائب على أملاكها وإيرادها ليمولوا الحروب الصليبية في بادئ الأمر وليوفوا بنفقات الكرسي البابوي المطردة الزيادة فيما بعد؛ وكان لابد من وجود مصادر للدخل المركزي كلما وسعت البابوية مجال أعمالها وزادتها تعقيدًا. وتحقيقًا لهذه الغاية أمر البابا إنوسنت الثالث (١١٩٩) جميع الأساقفة أن يرسلوا إلى كرسي للقديس بطرس جزءًا من أربعين جزء من إيرادهم في كل عام، وفرضت ضرائب على جميع أديرة الرجال والنساء، وعلى الكنائس الداخلة في دائرة الحماية البابوية مباشرة. وفرض البابوات على كل أسقف في أول اختياره لمنصبه ضريبة تعادل من الوجهة
[ ١٦ / ٧١ ]
النظرية جميع إيراده في السنة الأولى، ولكنها كانت من الوجهة العملية تصف هذا الإيراد؟ وذلك نظير تثبيته في منصبه. وكذلك كانت مبالغ كبيرة تنتظر ممن يعينون رؤساء أساقفة، وكان يطلب إلى كل بيت من البيوت المسيحية أن يرسل إلى الكرسي بنسًا سنويًا (٩٠ slash ١٠٠ من الريال الأمريكي) يعرف باسم "بنسات بطرس". وقد جرت العادة على أن تفرض رسوم على القضايا التي تعرض على المحكمة البابوية. وكان البابوات يدعون لأنفسهم حتى لخروج على القانون الكنسي في بعض الحالات، كالإذن بزواج من يحرم زواجهم من ذوي القربى إذا بدا لهم أن ثمة غاية سياسية طيبة تبرر هذا الخروج، وفرضت أجور على الإجراءات القضائية التي يتطلبها هذا العمل. كذلك جاءت إلى البابوات أموال طائلة ممن ينالون صكوك الغفران البابوية، ومن الحجاج القادمين إلى روما. وقد حسب دخل الكرسي البابوي في عام ١٢٥٠ فكان أكثر من دخل رؤساء الدول الأوروبية الزمنين مجتمعين (١٤٩). ولقد تلقى البابا من إنجلترا في عام ١٢٥٢ ثلاثة أمثال إيراد التاج (١٥٠).
ومهما تكن ثروة الكنيسة متناسبة مع اتساع وظائفها، فقد كانت هذه الثروة أهم أسباب الإلحاد في هذا العصر. فقد أعلن آرنلد البرشيائي Arnold of Brescia أن كل قس أو راهب يموت وله ملك مآله النار لا محالة (١٥١). وزاد البجوميل Bogoniles والولدنس Waldenses والباترين Paterines والكاثاري Cathari على ذلك فشنوا حملة شعواء على ثروة أتباع المسيح. وكان من قصائد الهجاء المتداولة في القرن الثالث عشر قصيدة عنوانها "الإنجيل حسب الماركات الفضية" مطلعها: "وقال البابوات للرومان في تلك الأيام: إذا جاء ابن الإنسان إلى مقعد جلالتنا فيكن أول ما تقولون: أيها الصديق لم جئت إلى هذا المكان؟ فإذا لم يعطكم شيئًا فألقوا به في الظلمات الخارجية" (١٥٢). وإنا لنجد في جميع آداب ذلك الوقت - في الأقاصيص الخرافية؛ وفي الأغاني، وفي قصة الوردة Roman de La Rose
[ ١٦ / ٧٢ ]
وفي قصائد الشعراء الجاهلين، وأشعار شعراء الفروسية الغزليين، وفي قصائد دانتي، وفي أقوال مؤرخي الأديرة الإخباريين أنفسهم شكاوي من بخل رجال الدين أو ثرائهم (١٥٣). وقد ندد ماثيو باريس Mathew Paris أحد الرهبان الإنجليز بجشع رجال الدين الإنجليز والرومان الذين يعيشون منعمين من أملاك المسيح (١٥٤). وكتب هيوبرت ده رومان Hubert de Romans رئيس طائفة الرهبان الدمنيك عن "بائعي صكوك الغفران البابوية الذين يفسدون المحاكم الدينية بما يقدمونه من الرشا" (١٥٥). ويتحدث بترس كانتور Petrus Cantor وهو نفسه قسيس، عن القساوسة الذين يبيعون القداس أو أدعية الغروب (١٥٦)، وشنع بكت Beckte رئيس أساقفة كنتر بري بمجلس القضاء البابوي الذي يباع ويشتري، وينقل عن هنري الثاني قولا له يفخر فيه بأن جميع أعضاء مجلس الكرادلة يتقاضون منه أجورًا (١٥٧). والحق أن تهم الرشوة والفساد قد وجهت إلى كل حكومة ظهرت في التاريخ، وإن في هذه التهم لشيئًا من الحقيقة في جميع الأحوال، غير أن فيها كذلك بعض المبالغة في حوادث منشؤها أمثلة صاخبة حدثت في بعض الأوقات، ولكن هذه التهم تثير أحيانًا غضبًا يكاد يبلغ حد الثورة ـ، ولقد كان يسع الأهلين الذين أقاموا بدريهماتهم الكنائس لمريم العذراء أن يحتجوا وهم غضاب على جشع الكنيسة مجتمعة، وكم من مرة قتلوا قسًا عنيدًا (١٥٨).
واشتركت الكنيسة نفسها في نقد جشع رجال الدين، وبذلت كثيرًا من الجهود للقضاء على شره رجالها وترفهم. فلقد حاول مئات من رجال الدين من القديس بطرس داميان St. Peter Damian والقديس برنار St. Bernard والقديس فرانسس، والكاردينال فترى Cardinal de Vitry إلى صغار الرهبان تقليل هذه المساوئ (١٥٩)، وإن ما كتبه هؤلاء المصلحون من رجال الكنيسة لهو أهم المصادر التي عرفنا منها ما نعرفه عن هذه المساوئ. وقام عدد من طوائف الرهبان ينادون بضرورة إصلاحها، ويضربون بأنفسهم المثل لما
[ ١٦ / ٧٣ ]
يجب أن يكون عليه هذا الإصلاح، وندد البابا إسكندر الثالث ومجلس لاتران الذي عقد في عام ١١٧٩ بفرض الأجور على أداء مراسم التعميد، أو مسح المشرفين على الموت، أو القيام بمراسم الزواج، ودعا جريجوري العاشر مجلس ليون الجامع سنة ١٢٧٤ خاصة لاتخاذ الإجراءات اللازمة لإصلاح الكنيسة. ولم يكن البابوات أنفسهم في ذلك العصر ممن يبدو عليهم ميل إلى الترف، وقد كسبوا مالهم بالانهماك في أداء واجباتهم المنهكة. وإن من المآسي التي تتعرض لها الروحانيات أنها تضمحل ويضعف شأنها إذا لم يعن بتنظيمها، وأنها تفسدها ما يتطلبه تنظيمها من ضرورات مادية.
[ ١٦ / ٧٤ ]
الباب الثامن والعشرون