The Kings' Saga
يلوح أن أهل الشمال كانوا من التيوتون الذين انتقل أسلافهم إلى بلاد السويد والنرويج بعد أن اخترقوا الدنمرقة وعبروا مضيق أسكجراك Skaggerak وكتجات Kattegat، وحلوا في البلدين محل الكلت الذين حلوا من قبل محل شعب شيبه باللابلانديين والإسكيمو (٤٥). وأطلق زعيم قديم يدعى دان مكلاتي Dan Mikillati اسمه على الدنمرقة- ومعناها منقع دان أو ولايته؛ وتركت قبيلة أسويونس Suiones، إحدى القبائل القديمة التي وصفها تاستس Tacitus بأنها كانت تسيطر على شبه الجزيرة العظيمة، تركت هذه القبيلة اسمها في اسم بلاد السويد Sweden (اسفريج Sverige)، وفي اسم كثير من الملوك الذين يسمون اسوين Sweyn؛ وليس معنى لفظ النرويج (نورج Norge إلا الطريق الشمالي. وأصبح لفظ سكاني Scan (وهو الاسم الذي أطلقه بلني Pliny الأكبر على بلاد السويد اسكانديا Scandia في اللغة اللاتينية، ونشأ منه لفظ إسكنديناوة Scandinavia الذي يشمل الآن ثلاث أمم وثيقة الصلة في دمائها ذات لغات يفهم المتحدثون بها بعضهم بعضًا. وزادت خصوبة النساء أو زاد خيال الرجال في الأقطار الثلاثة على خصوبة التربة، فعمد الشبان أو غير الراضين عن مصيرهم إلى زوارقهم، وأخذوا يحومون حول السواحل يطلبون الطعام، أو العبيد، أو الأزواج، أو الذهب، ولم يكونوا لجوعهم يرعون قانونًا أو حدودًا للأقاليم، فاجتاح أهل
[ ١٤ / ٣٠٨ ]
النرويج اسكتلندة، وأيرلندة، وأيسلندة وجرينلندة؛ وأهل السويد الروسيا؛ والدنمرقيون إنجلترا وفرنسا.
ولا يسعنا لقصر أجل الحياة البشرية أن نذكر في هذه العجالة آلهة تلك البلاد وملوكها بالتفصيل؛ وحسبنا أن نقول هنا إن جورم Gorm (٨٦٠ - ٩٣٥) وهب دنمرقة وحدتها، وإن ابنه هارلد بلوتوث (صاحب السن الزرقاء) Harald Bluetooth (٩٤٥ - ٩٨٥) جعل المسيحية دينها، وإن سوين فورك بيرد ذا اللحية المتشعبة Sweyn Forkbeard (٩٨٥ - ١٠١٤) فتح إنجلترا ورفع دنمرقة مدى جيل من الزمان إلى منزلة من دول أوربا الكبرى. وجعل الملك أولاف اسكتكوننج Olaf Skottconung (٩٩٤ - ١٠٢٢) المسيحية دين السويد، ومدينةن أبسالا Uppsala عاصمة ملكة، وكانت بلاد النرويج في عام ٨٠٠ مؤلفة إحدى وثلاثين إمارة، تفصلها بعضها عن بعض الجبال، والأنهار، والخلجان الطويلة الضيقة العميقة (الفيوردات)، ويحكم كلًا منها زعيم من المحاربين، وظلت كذلك حتى عام ٨٥٠ حين زحف هلفدان الأسود Halfdan the Black أحد هؤلاء الزعماء من عاصمته ترندهيم Trondheim وأخضع لحكمه معظم الزعماء الآخرين، وصار أول ملوك النرويج. وخرج على ولده هارلد هارفاجر Harald Haarfager (٨٦٠ - ٩٣٣) الزعماء المتمردون، ورفضت جيدا Gyda التي خطبها لنفسه الزواج به إلا بعد أن يفتح جميع بلاد النرويج، وأقسم ألا يقص شعره أو يمشطه حتى يتم هذا الفتح، وأتمه بالفعل في عشر سنين، وتزوج بعدها بجيدا وبتسع نساء غيرها. ثم قص شعره وسمى باسمه المميز له- "صاحب الشعر الأشقر" (٤٦). وحكم هاكون الصالح Haakon the Good (٩٣٥ - ٩٦١) أحد أبنائه الكثيرين بلاد النرويج حكمًا صالحًا دام سبعًا وعشرين سنة، قال فيها أحد قراصنة البلاد إن "السلم طالت حتى أصبحت أخشى أن توافيني منيتي في شيخوختي وأنا على فراشي في عقر داري" (٤٧).
[ ١٤ / ٣٠٩ ]
وحكم هاكون آخر- الإيرل الأكبر The Great Earl النرويج حكمًا حازمًا دام ثلاثين عامًا (٩٦٥ - ٩٩٥)، ولكنه أغضب الزراع الأحرار في شيخوخته باتخاذه بناتهم محظيات لهم ثم إعادتهن بعد أسبوع أو أسبوعين فاستقدم أولئك الزراع الأحرار أولاف ثرجفسون Olft Tryggvsson ونادوا به ملكًا عليهم.
وكان أولاف بن ترجف حفيد أحد أبناء هارلد ذا الشعر الأشقر. وكان "رجلًا شديد المرح والمجون"- كما يقول سنوري الأيسلندي Snori of Iceland- طروبًا، أنيسًا، محبًا للاجتماع بالناس، جوادًا كريمًا، متأنقًا في لباسه … بدينًا، قويًا، أجمل الناس خلقًا وأعظم براعة في الرياضة البدنية من كل من سمعنا به من أهل الشمال" (٤٨). وكان في مقدوره أن يتنقل على المجاذيف خارج سفينته والرجال يجذفون، ويلعب بثلاثة خناجر حادة الأطراف، ويقذف بحربتين في وقت واحد، و"يستطيع أن يحسن القطع بكلتا يديه بدرجة واحدة" (٤٩). وكان كثير المنازعات والمغامرات، وقد اعتنق المسيحية وهو في الجزائر البريطانية، وأصبح أعظم دعاتها قسوة، فلما جلس على عرش النرويج (٩٩٥) هدم المعابد الوثنية، وشاد الكنائس المسيحية، وظل يعيش مع عدد من الزوجات. وقاوم الزراع الأحرار الدين الجديد أشد مقاومة، وأصروا على أن يقرّب أولاف القربان إلى ثور Thor كما تقضي بذلك الشعائر القديمة، وأجابهم أولاف إلى ما طلبوا ولكنه عرض أن يقرب إلى ثور خير قربان يرتضيه وهو الزراع الأحرار أنفسهم، فلم يكن منهم إزاء ذلك إلا أن اعتنقوا الدين المسيحي. ولما استمسك واحد منهم يدعى راند Rand بدينه الوثني، أمر أولاف بشد وثاقه ودفع ثعبانًا في حلقه بأن كوى ذيل الثعبان بالنار، فاندفع الثعبان إلى بطن راند وجنبه. وقضى على حياته (٥٠). وخطب أولاف لنفسه سجريد Sigrid ملكة السويد، فوافقت على الخطبة، ولكنها أبت أن تتخلى عن دينها الوثني، فما
[ ١٤ / ٣١٠ ]
كان من أولاف إلا أن ضربها بقفازة في وجهها وقال لها: "وما الذي يرغمني على أن أتخذك زوجة وأنت عجوز شمطاء، سليطة كافرة؟ ". فردت عليه سجفريد بقولها: "سيكون فعلك هذا سببًا في موتك يومًا من الأيام". وبعد سنتين من هذه الحادثة شن ملكا السويد والدنمرقة، إرك وإيرل النرويجي Eric Earg of Norway الحرب على أولاف، وهزماه في معركة حربية حامية الوطيس بالقرب من روجن R (gen، وألقى أولاف وهو بكامل عدته وسلاحه إلى اليم، ولم يظهر له أي أثر بعد (١٠٠٠)، وقسمت بلاد النرويج على أثر ذلك بين الحليفين المنتصرين.
وأعاد أولاف آخر يدعى القديس بلاد النرويج إلى وحدتها (١٠١٦)، كما أعاد النظام، وعدل في قضائه، وأتم تحويل البلاد إلى الدين المسيحي. ويصفه اسنوري Snori بقوله إنه "كان رجلًا صالحًا دمث الأخلاق إلى حد بعيد، لا يتكلم إلا قليلًا، سخيًا، ولكنه شره في جمع المال" مدمن بعض الإدمان على الاستمتاع بالسراري (٥١). ومن أعماله أنه قطع لسان أحد الزراع الأحرار لأنه فضل الوثنية على المسيحية، وسمل عيني زارع آخر (٥٢). وإئتمر الزراع به مع كنوت ملك الدنمرقة وإنجلترا، فسيرا عليه خمسين سفينة وطردا أولاف من النرويج (١٠٢٨)؛ ولكن أولاف عاد إليها بجيش، وحار لاسترجاع عرشه عند استكل ساند Sticklesand، فهزم ومات متأثرًا بجراحه (١٠٣٠). وشاد من جاء بعده من النرويجيين كنيسة في موضع المعركة تخليدًا لذكره، واتخذوه القديس الشفيع للنرويج. واسترد ابنه ماجنس الصالح Magnus the Good (١٠٣٥ - ١٠٤٧) مملكته، ووهبها قوانين عادلة وحكمًا صالحًا. وحكم حفيده هارلد الصارم Harald the Stern (١٠٤٧ - ١٠٦٦) حكمًا عادلًا خاليًا من الرحمة دام وليم النورمندي على إنجلترا.
وحدث في عام ٨٦٠ أن أعاد جماعة من الشماليين قدموا من النرويج
[ ١٤ / ٣١١ ]
أو الدنمرقة كشف جزيرة أيسلندة، ولم يسوءهم كثيرًا أن يجدوها شديدة الشبه ببلادهم في ضبابها وفي واردتها. وهاجرت جماعات من النرويجيين إلى الجزيرة في عام ٨٧٤ فرارًا مما كانوا يعانونه من استبداد هارلد هارفاجر، ولم يحل عام ٩٣٤ حتى بلغ سكانها من الكثرة درجة لم تزد عليها في جميع تاريخها حتى الحرب العالمية الثانية. وكان لكل ولاية من ولاياتها الأربع ثنجها thing أو جمعيتها، ثم أنشئ في عام ٩٣٠ ثنجها العام أو برلمانها الموحد وكان من أقدم الهيئات في تاريخ الحكم النيابي، وبفضله كانت أيسلندة في ذلك الوقت هي الجمهورية الوحيدة الكاملة الحرية في العالم كله. ولكن ذلك العنفوان وتلك النزعة الاستقلالية اللذين كانا سببًا في الهجرة إلى الجزيرة، وقيام هذا المجلس النيابي فيها، أضعفا من سلطان الحكومة العامة والقوانين المشتركة، فكان من أثر ذلك أن أصبح الأفراد الأقوياء الذين ثبتت أقدامهم في ضياعهم الواسعة أصحاب الأمر والنهي في أراضيهم، وما لبثوا أن جددوا في أيسلندة المنازعات التي جعلت بلاد النرويج شوكة في جانب ملوكها. وجعل الثنج العام (Alltging) المسيحية الدين الرسمي للبلاد في عام ١٠٠٠. ولكن الملاك أولاف القديس ساءه أشد الاستياء ما سمعه من أن أهل أيسلندة لا يزالون يأكلون لحم الخيل ويئدون أطفالهم ولعل طول ليالي الشتاء وشدة بردها كانا السبب في نشأة أدب قوامه أساطير وأقاصيص لعلها تفوق من حيث الكم والكيف مثيلاتها من القصص والأساطير التي تروى في أرض الشماليين.
وبعد ستة عشر عامًا من إعادة كشف أيسلندة شاهد أحد ربابنة السفن النرويجيين ويدعى جنبجورن ألفسون Gunnbjorn Uulfsson سواحل جرينلندة وأنشأ فيها ثوروولد Thorwald وولده إرك الأحمر مستعمرة نرويجية عام ٩٨٥ ثم كشف بجرن هرجلفسن Bjerue Herjulfsson لبرادور Labrador في عام ٩٨٦، وفي عام ١٠٠٠ نزل ليف Leif بن إرك الأحمر إلى القارة الأمريكية؛
[ ١٤ / ٣١٢ ]
ولسنا نعرف أكان الموضع الذي نزل فيه هو لبرادور، أم نيوفوندلند Newtoundland، أم رأس كد Cod؛ وقضى ليف إركسن Lief Ericsson الشتاء "في فنلد Vinland" (أرض الخمر) ثم عاد بعدئذ إلى جريلندة؛ وفي عام ١٠٠٢ قضى أخوه ثوروولد هو وثلاثون رجلًا عامًا في فنلندة. وتروي حاشية لا يتأخر تاريخها عن عام ١٣٩٥ في "قصة أولاف ترجفسون" التي كتبها اسنري استرلوسون Snorri Sturluson (١١٧٩ - ١٢٤١) قصة خمس حملات مختلفة شنها أهل الشمال على قارة أمريكا بين عامي ٩٨٥ و١٠١١. وقد جاء كرستفر كولمبس Christopher Columbous، كما يقول هو نفسه، إلى أيسلندة، ودرس ما يتردد على لسان أهلها من أقوال على الدنيا الجديدة (٥٣).