١٠١٦ - ١٠٦٦
لم يكن الملك كنوت فاتحًا وكفى، بل كان إلى هذا حاكمًا قديرًا. ولسنا ننكر أنه لوث بداية حكمه بأعمال القسوة: فقد طرد من البلاد أبناء إدمند إيرنسد Edmund Ironside وأمر بذبح أخي إدمند ليمنع بذلك عودة الملوك الأنجيسكسون إلى العرش. لكنه لما رأى أن أرملة إثلرد وأبناءه لا يزالون أحياء في رون Rouen، تغلب على كثير من المشاكل بأن خطب إما Emma لنفسه (١٠١٧). وكانت هي وقتئذ في الثالثة والثلاثين من عمرها، وقبلت الخطبة وحصل كنوت بضربة واحدة على زوجة، وحلف مع دوق نورمندية أخي إما، وعلى عرش مكين أمين. وأصبح عرشه من تلك اللحظة نعمة على إنجلترا وبركة. فقد كبح جماح الأعيان المشاكسين الذين حطموا روح إنجلترا وفرقوا وحدتها، ووقى البلاد شر الغزاة في المستقبل، ووهبها أثني عشر عامًا من السلم غير المنقطعة واعتنق الملك الدين المسيحي، وشاد كثيرًا من الكنائس، وأقام نصبًا تذكاريًا
[ ١٤ / ٢٨٦ ]
أسندون Assndun إحياء لذكرى الأنجليسكسون والدنمرقيين الذين حاربوا في ذلك المكان، وحج بنفسه إلى قبر إدمند، ووعد بأن يتبع قوانين إنجلترا وأنظمتها القائمة فيها، ووفى بوعده فيما عدا حالتين اثنتين: فقد أصر على أن تكون حكومة المقاطعات التي أفسدها الأعيان الأتوقراطيون تحت سيطرة عملائه هو، واستبدل بكبير الأساقفة وزيرًا من غير رجال الدين ليكون كبير مستشاري التاج، وأنشأ طائفة من العمال الإداريين والموظفين المدنيين كان لهم الفضل في جعل حكومة البلاد ثابتة مستمرة، وكان عماله كلهم تقريبًا، بعد سني حكمه الأولى المزعزعة، من الإنجليز. وقد جمع بين تاجي الدنمرقة وإنجلترا، ثم أصبح في عام ١٠٢٨ ملكًا على النرويج، ولكنه كان يحكم مملكته الثلاثية من مدينة ونشستر.
وكان الغزو الدنمرقي حلقة في سلسلة الغزوات الأجنبية الطويلة وفي الامتزاج العنصري اللذين انتهيا بالفتح النورمندي وأنتجا آخر الأمر الشعب الإنجليزي. فقد امتزجت دماء الكلت والغاليين، والإنجليز والسكسون والجوت، والدنمرقيين والنورمان، بالزواج أو بغيره من الوسائل، فخلقت من البريطانيين أهل البلاد في زمن الرومان، وهم الذين ليست لهم ميزة ولا قدرة على الابتكار، خلقت منهم قراصنة عهد الملك إلزبث الصخابين، وفاتحي العالم الصامتين في القرون التالية. ولقد جاء الدنمرقيون إلى إنجلترا، كما جاء إليها الألمان وأهل الشمال، بحب للبحر يكاد يبلغ درجة الوجد والهيام، واستعداد لقبول دعوة البحر الغادرة إلى المغامرة والاتجار في أقاصي البلاد، أما من الجهة الثقافية فقد كانت غزوات الدنمرقيين كارثة على البلاد، وقف في أثنائها فن البناء فلم يخط خطوة إلى الأمام، وانحل فن زخرفة الكتب فيما بين عامي ٧٥٠، ٩٥٠؛ كما وقفت النهضة العلمية والأدبية التي شجعها ألفرد، وفعلت غزوات الشماليين ما فعلته في غالة نفسها فأخذت تقضي على أعمال شارلمان المجيدة.
[ ١٤ / ٢٨٧ ]
ولو أن أجل كنوت طال لأمكنه أن يصلح الأضرار التي أنزلها مواطنوه بالبلاد، ولكن شئون الحرب والحكم تبلى الناس سراعًا، فلقد مات كنوت عام ١٠٣٥ ولما يتجاوز سن الأربعين؛ وخلعت النرويج نير الدنمرقيين على الفور، واضطر هارثكنوت Harthacnut بن كنوت الذي عينه قبل موته وليًا لعهده أن يكرس كل جهوده لحماية الدنمرقة من غزو النرويجيين؛ وحكم ابن آخر من أبنائه يدعى هيرلت هيرفوت Herald Harefoot إنجلترا خمس سنين؛ ثم مات؛ وحكمها هارثكنوت عامين توفي بعدها سنة ١٠٤٢، واستدعى من نورمنديا قبل وفاته ابن إثرل وإما الباقي على قيد الحياة، واعترف بهذا الأخ الأنجليسكسوني غير الشقيق وارثًا لعرش إنجلترا.
ولكن إدورد المعترف Edward the Confessor (١٠٤٢ - ١٠٦٦) كان غريبًا عن البلاد بقدر ما كان أي دنمرقي آخر غريبًا عنها. فقد نقله أبوه إلى نورمندية وهو في العاشرة من عمره، وقضى ثلاثين عامًا في بلاط النورمنديين، وتربى على أيدي أعيانهم وقساوستهم ونشئوه على التقي والصراحة. وجاء الملك الجد إلى إنجلترا بلغته وعاداته الفرنسية وأصدقائه الفرنسيين، وأصبح هؤلاء الأصدقاء من كبار موظفي الدولة ورؤسائها الدينيين؛ وتلقوا هبات ملكية، وشادوا في إنجلترا قصورا نورمندية منيعة، ولم يخفوا ازدراءهم للغة الإنجليزية وأساليب الحية الإنجليزية، وبدءوا الفتح النورمندي قبل وليم الفاتح بجيل من الزمان.
ولم يكن يستطيع في التأثير في الملك الرقيق المطواع إلا رجل واحد هو إيرل جدون Earl Gowdin حاكم وسكس ومستشار الدولة الأول في عهد كنوت وهرلد وهارثكنوت وكان إيرل جدون واسع الثراء حكيمًا، داهية في الديبلوماسية صبورًا عليها، فصيح اللسان، قوي الحجة، بارعًا في الأعمال الإدارية؛ فكان بذلك أول الساسة العظام من غير رجال الدين في التاريخ
[ ١٤ / ٢٨٨ ]
الإنجليزي. وقد رفعت تجاربه في شئون الحكم منزلته فوق منزلة الملك نفسه. وأضحت ابنته إديت Edilh زوجة إدوارد، ولولا إن إدوارد لم يكن له خلف لكان من المحتمل أن يصبح جدون جد ملك من الملوك. ولما أن تزوج تستنج Tostig ابن جدون يوديث Judith ابنة كونت فلاندرز، وأصبح سوين Soweyn ملكًا على الدنمرقة أنشأ إيرل جدون بهذه الصلات الزوجية حلفًا ثلاثيًا جعله أقوى رجل في أوربا الشمالية كلها لا نستثني من ذلك التعميم مليكه نفسه. لكن أصدقاء إدوارد النورمنديين أثاروا في نفسه عوامل الغيرة، فعزل دون، وفر الإيرل إلى فلاندرز، كما خرج ابنه هرولد Harold إلى إيرلندة وحشد فيها جيشاُ ليقاتل به إدوارد المعترف (١٠٥١). ولم يكن أعيان الإنجليز راضين عن سيادة النورمنديين عليهم، فطلبوا إلى جدون أن يعود، ووعده بتأييد جنوده له. وغزا هرولد إنجلترا، وهزم جيوش الملك، ونهب ساحل إنجلترا الجنوبي الغربي وعاث في أرضه فسادًا، ثم انضم إل والده وزحفا معًا إلى أعالي نهر التاميز، وثار الشعب في لندن على حكامه واستقبل الغزاة بالترحاب، وفر الموظفون ورجال الدين النورمنديون، واجتمع وتناجمور (مجلس) من أعيان الإنجليز وأساقفتهم، واستقبل جدون استقبال الظافرين؛ واسترد جدون سلطانه السياسي وما صودر من أملاكه (١٠٥٢)، ولكنه مات بعد عام واحد بعد أن أنهكه الاضطراب والنصر.
وعُيّن هرولد إيرل وسكس، وخلف أباه في بعض ما كان له من سلطان. وكان وقتئذ في الحادية والثلاثين من عمره، طويل القامة، بهي الطلعة، قوي البنية، شهمًا، مقدامًا جريئًا، قاسيًا في الحرب، كريمًا في السلم شن حملة جريئة خاطفة على ويلز انتهت بضمها إلى إنجلترا، وقدم رأس جروفيد Gruffyodd زعيم ويلز هدية إلى الملك المسرور المروع (١٠٦٣). وفي فترة هادئة من حياته العاصفة جاد بالمال الكثير لبناء كنيسة ولتام Watham، (١٠٦٠) وإعانة
[ ١٤ / ٢٨٩ ]
الكلية التي نشأت من مدرسة هذه الكنيسة، واجهت أنظار إنجلترا كلها إلى هذا الشاب الذي لا يفترق في شيء عن أبطال الروايات.
وأهم ما حدث في عهد إدوارد من الناحية المعمارية هو الشروع في بناء دير وستمنستر (١٠٥٥). وكان الملك قد ألِفَ الطراز المعماري النورمندي أثناء حياته في رُوَن Rouen، فلما أمر ببناء الدير الذي أًبح فيما بعد مزارًا مقدسًا ومقبرة لعباقرة إنجلترا، أمر أو أجاز أن يقام على الطراز النورمندي الرومانسي على نسق كنيسة الدير العظيمة التي بدئ في تشييدها قبل ذلك الوقت بخمس سنين لا أكثر في جومييج Jumi (ges، وكان هذا أيضًا فتحًا نورمنديًا قبل أيام وليم. وكان بناء دير وستمنستر إيذانًا ببداية نهضة معمارية أوجدت في إنجلترا أجمل المباني الرومانسية في أوربا بأجمعها.
وفي مقبرة وستمنستر دفن إدوارد في بداية سنة ١٠٦٦ ذات الأحداث الجسام، واجتمع الويتناجمور في السادس من يناير واختار هرودلد ملكًا على إنجلترا. وما كاد التاج يوضع على رأسه حتى جاءت الأخبار بأن وليم دوق نورمندية يطالب بالعرش ويستعد للحرب. وكانت حجة وليم أن إدوارد قد وعده في عام ١٠٥١ أن يوصي له بتاج إنجلترا جزاء له على إيوائه وحمايته في نورمندية ثلاثين عامًا. ويخيل إلينا أن هذا الوعد قد بذل حقًا (٢٨)؛ ولكن إدوارد إما أن يكون قد نسيه، وإما أنه ندم على ما بذله، فأوصى قبل وفاته بقليل أن يخلفه هرولد على عرش إنجلترا. وسواء كان هذا أو ذاك فإن هذا الوعد لم تكن له قيمة إلا إذا أقره الويتان Witan، ولكن هرولد-كما يقول وليم-قد قبل منه مرتبة الروسية أثناء زيارة له في رون (في تاريخ لا نعرفه الآن)، فأصبح بذلك "رجل" وليم يدين له بالطاعة حسب قانون الإقطاع، وأنه وعد بأن يعترف به وارثًا لعرش إدوارد ويؤيده في المطالبة به. واعترف هرولد بهذا الوعد (٢٩) ولكن قَسَمه أيًا كان لم يكن من شأنه في هذه المرة أيضًا أن يقيد الأمة الإنجليزية بشيء،
[ ١٤ / ٢٩٠ ]
فاختاره ممثلو الأمة بكامل حريتهم ملكًا عليهم، واعتزم هرولد أن يدافع عن ذلك الاختيار. ولجأ وليم إلى البابا، وحكم الكسندر الثاني بناء على مشورة هلدبراند Hildebrand بأن هرولد مغتصب، وحرمه هو ومناصريه من الكنيسة المسيحية، وأعلن أن وليم صاحب الحق الشرعي في عرش إنجلترا، وبارك غزوة وليم المرتقبة، وبعث إليه بعدم مدشن وخاتم يحتوي على شعرة من رأس القديس بطرس في داخل ماسة (٣٠). وقد سر هلدبراند أن يجعل هذه الحادثة سابقة لتصرف البابوات في عروش الملوك وفي خلعهم، وطبق هذه السابقة بالفعل بعد عشر سنين من ذلك الوقت على هنري الرابع ملك ألمانيا، ولم تكن ثمة صعوبة في استخدامها مع الملك جون عام ١٢١٣. وانضم لانفرانك رئيس دير بك إلى وليم في دعوة أهل نورمندية-أو على الأصح أهل جميع الأقطار-لشن حرب مقدسة على الملك المحروم.
ولاقى هرولد في كهولته الأخيرة جزاء ما ارتكبه في شبابه من آثام. ذلك أن أخاه تستج الذي نفاه الويتان من زمن بعيد لم يستدعه هرولد من منفاه بعد أن آل الأمر إليه، ولهذا انضم تستج إلى وليم، وحشد جيشًا في شمال البلاد، وأقنع هارولد هاردرادا Harald Hardrada ملك النرويج بأن ينضم إليه، ووعده في نظير ذلك بعرش إنجلترا. وبينما كانت عمارة وليم البحرية المؤلفة من ١٤٠٠ سفينة تقلع من نورمندية إذ أغار تستج وهاردرادا على نورثمبرلاند. واستسلمت لها مدينة يورك، وتوج فيها هاردرادا ملكًا على إنجلترا، وأسرع إليه هرولد بمن معه من الجند وهزم الغزاة من الشمال عند جسر استامفورد Stamford Bridge (في ٢٥ سبتمبر)، وقتل في هذه الواقعة تستج وهاردرادا، ثم اتجه هرولد نحو الجنوب ومعه قوة قليلة يعجز لقلتها عن الوقوف في وجه جيش وليم، وأشار عليه جميع ناصحيه بالتريث. ولكن وليم كان يحرق إنجلترا الجنوبية ويخربها تخريبًا، وكان هرولد يحس بأن من واجبه أن يحمي الأرض التي خربها هو من قبل والتي أصبح
[ ١٤ / ٢٩١ ]
يحبها اليوم. والتقى الجيشان عند سنلاك Senlac بالقرب من هيستنجس Hastinges (١٤ أكتوبر) ونشبت بينهما معركة دامت تسع ساعات. واخترق أحد السهام عين هرولد فأعماه الدم، ووقع على الأرض ومزق فرسان النورمنديين جسمه تمزيقًا؛ فقطع أحدهم رأسه، وآخر ساقه، ونثر ثالث أحشاء هرولد في ميدان القتال. ولما رأى الإنجليز قائدهم يخر صريعًا ولوا الأدبار؛ وأعقبت هذه الهزيمة مذبحة وفوضى بلغ من هولهما أن الرهبان الذين كلفوا فيما بعد بالبحث عن جثة هرولد لم يعثروا عليها إلا بعد أن جاءوا إلى الميدان بإديت سوانزنك Edith Swansneck التي كانت عشيقته، فتبينت جثة عشيقها المبتورة الأطراف، ودفنت قطعها في كنيسة ولتام التي بناها في حياته. ثم توج وليم الأول ملكًا على إنجلترا في يوم عيد الميلاد من عام ١٠٦٦.
[ ١٤ / ٢٩٢ ]
الفصل الثاني