وهذه الفترة- من فتح النورمان إلى إدوارد الثاني- هي التي اتخذ فيها قانون إنجلترا واتخذت فيها حكومتها الصورتين اللتين احتفظتا بهما حتى القرن التاسع. فقد أصبح القانون الإنجليزي قوميًا للمرة الأولى بعد أن بسط القانون الإقطاعي النورماني سلطانه على القانون الإنجليسكسوني المحلي. فلم يعد القانون الإنجليزي بعدئذ هو قانون إسكس Essex أو مرسيا Mercia أو القانون الدنمرقي بل أصبح "قانون البلاد وعاداتها"، وإن من العسير علينا أن ندرك الآن ما تنطوي عليه هذه العبارة السالفة الذكر حين نطق بهما رانلف ده جلانفيل Ranulf de Glanville (المتوفى عام ١١٩٠) (٤٣). ولقد اشتهر القانون الإنجليزي والمحاكم الإنجليزية بفضل الدفعة القوية التي دفع بها هنري الثاني وبفضل قيادة جلانفيل كبير القضاة، اشتهرا بالإنصاف وسرعة الفصل في المنازعات (مع شيء من الفساد والرشوة) شهرة حملت ملوك أسبانيا المتخاصمين على أن يعرضوا منازعاتهم على محاكم إنجلترا (٤٤). ولربما كان جلانفيل هو مؤلف "رسالة في القانون" Tractatus de Legibus التي تعزوها إليه الرواية المأثورة، وسواء كان ذلك أو لم يكن فإن هذه الرسالة هي أقدم ما لدينا من الكتب في القانون الإنجليزي. وبعد نصف قرن من ذلك الوقت (١٢٥٠ - ١٢٥٦) أخرج هنري ده براكتن Henry de bracton أول خلاصة منظمة للقانون الإنجليزي في كتابه "في قوانين إنجلترا وعاداتها" Delegibus et Consuetudinibus Anglise وهو كتاب في خمسة مجلدات ومرجع من أهم المراجع في القانون الإنجليزي.
[ ١٥ / ٢٠٣ ]
وكانت حاجة الملك المتزايدة إلى المال والجند هي التي أدت إلى اتساع الوتنجموت Witengemot الإنجليسكسوني حتى أصبح هو البرلمان الإنجليزي. ذلك أن هنري الثالث أراد أن يحصل على المال أكثر مما يرغب في أن يمدوه به، وألا يصبر حتى يوافقوا على طلباته، فاستدعى فارسين من كل مقاطعة لينضموا إلى البارونات والمطارنة في المجلس العظيم الذي عقد في عام ١٢٥٤. ولما تزعم سيمون ده منت فورت Simon de Montfort، وهو ابن محارب صليبي من الأسرة الألبجنسية، ثورة قام بها النبلاء على هنري الثالث في عام ١٢٦٤، أراد أن يضم الطبقات الوسطى إلى قضيته، فلم يكتف بدعوة فارسين من كل مقاطعة بل دعا أيضًا اثنين من المواطنين البارزين من كل قصبة مقاطعة أو كل بلدة لينضموا إلى البارونات في جمعية وطنية. وكان خليقًا بهؤلاء الرجال أن يستشاروا هل يؤدون المال أو يكتنفون بالكلام، وذلك لأن البلدان كانت آخذة في النماء، وكان التجار ذوي مال. وأفاد إدوارد الأول من المثل الذي ضربه له سيمون، فلما أن تورط في الحرب مع اسكتلندة، وويلز، وفرنسا في وقت واحد، اضطر أن يطلب المال من جميع طبقات الأمة، فدعا لهذا الغرض "البرلمان النموذجي" في عام ١٢٩٥ وهو اول برلمان كامل في تاريخ إنجلترا. وقال في مرسوم الدعوة إن "ما يمس الناس جميعًا يجب أن يوافقوا جميعًا عليه، وإن الأخطار العامة يجب أن تقابل بوسائل يتفقون عليها جميعًا" (٤٥). ولهذا دعا إدوارد اثنين من أهل "كل مدينة، وقصبة مقاطعة، وبلدة كبيرة" للحضور في المجلس الأكبر الذي سيعقد في وستمنستر، ونص على أن يختار أولئك الرجال ذوو المكانة من المواطنين في كل منطقة، ذلك أنه لم يكن أحد يحلم وقتئذ بحق الانتخاب العام في مجتمع لا تعرف القراءة فيه إلا أقلية صغيرة، بل إن "العامة" في "البرلمان النموذجي" نفسه لم يكن لهم من السلطان ما للأشراف. ولم يكن قد وجد بعد برلمان سنوي يجتمع بمحض
[ ١٥ / ٢٠٤ ]
إرادته ويكون هو المصدر الوحيد للتشريع. ولكن اتفق في عام ١١٩٥ على المبدأ القائل بأن القانون الذي يقره البرلمان لا يمكن أن يلغيه إلا البرلمان، ثم اتفق في عام ١٢٩٧ على ألا تجبى الضرائب إلا بعد موافقة البرلمان؛ هذه هي المبادئ البسيطة التي قامت عليها أكثر الحكومات ديمقراطية في تاريخ العالم.
ولم يحضر رجال هذا البرلمان الواسع إلا وهو كارهون. وكانوا يجلسون فيه منفصلين عن سائر الطبقات، ويأبون أن يقترعوا على الأموال المطلوبة إلا في جمعياتهم الإقليمية، وظلت المحاكم الكنسية تنظر في جميع القضايا التي للقانون الكنسي شأن فيها، وفي معظم القضايا التي يكون أحد رجال الدين طرفًا فيها. وكان في الاستطاعة محاكمة رجال الدين إذا ارتكبوا جناية كبرى أمام السلطات الزمنية؛ أما من يحكم عليهم في جرائم أقل من جريمة الخيانة العظمى فكانوا حسب "ميزات رجال الدين" يسلمون إلى محكمة كنسية من حقها وحدها أن تعاقبهم على جرائمهم. يضاف إلى هذا الكثرة الغالبة من القضاة كانت من رجال الكنيسة، لأن دراسة القانون كانت مقصورة في الغالب على رجال الدين. ثم أصبحت المحاكم الدينية في عهد إدوارد الأول أكثر مدنية مما كانت قبله، ولما امتنع رجال الدين عن أن ينضموا إلى غيرهم من الطبقات في الاقتراع على الأموال المطلوبة، قال إدورد الأول إن على الذين يتمتعون بحماية الدولة أن يتحملوا نصيبهم من أعبائها، ثم أمر محاكمه ألا تنظر في القضايا التي يكون المدعي فيها أحد رجال الكنيسة، وأن تنظر في كل قضية يكون أحد رجال الكنيسة هو المدعي عليه فيها (٤٦). وزاد مجلس إدوارد المنعقد في سنة ١٢٧٩ على هذا بأن حرم بمقتضى قانون مورتمين Mortmain أن تمنح الهيئات الكنسية أرضًا بغير موافقة الملك.
ونما القانون الإنجليزي نموًا سريعًا في أيام وليم الأول، وهنري الثاني، وجون، وإدوارد الأول على الرغم من تعدد جهات الاختصاص على النحو
[ ١٥ / ٢٠٥ ]
السالف الذكر. وكان هذا القانون إقطاعيًا محضًا شديد الوطأة على رقيق الأرض، فقد كانت الجرائم التي يرتكبها الأحرار على أرقاء الأرض يعاقب عليها بالغرامة؛ وكان القانون يجيز للنساء أن يمتلكن المال ويورثنه ويتصرفن فيه بالوصية، كما أجاز لهن أن يتعاقدن، ويقاضين غيرهن ويُقاضين، وجعل من حق المرأة أن ترث ثلث أملاك زوجها العقارية بعد وفاته، ولكن جميع المنقولات التي جاءت بها إلى البيت وقت زواجها، أو حصلت عليها في أثناء الزواج، تصبح ملكًا للزوج (٤٧). وكانت الأرض كلها من الناحية القانونية ملكًا للملك ينالها أصحابها منه إقطاعيًا. وكانت ضيعة السيد الإقطاعي كلها في العادة يوصي بها لأبنه الأكبر، ولم يكن يقصد بهذا أن تبقى الأملاك غير مجزأة، بل يقصد به فوق ذلك حماية السيد الإقطاعي الأعلى من تجزئة التبعة الإقطاعية في جباية المكوس وأداء التزامات الحرب. أما الفلاحون الأحرار فلم يكن ثمة قانون يلزمهم بأن يورثوا أملاكهم أكبر أبنائهم.
وظل قانون التعاقد غير ناضج في هذا التشريع الإقطاعي. وكانت محكمة للمقاييس والموازين تحدد مستوى الموازين، والمقاييس، والنقود؛ وتفرض رقابة الدولة على استعمالها. وبدأ التشريع التجاري المستنير في إنجلترا "بقانون التجار" (١٢٨٣) و"عهد التجار" Carta Mercatoria (١٢٠٣) - وهما عملان جليلان آخران من الأعمال التي تمت في عهد إدوارد الأول.
وتحسنت طرق الإجراءات القانونية تحسنًا بطيئًا، واتبعت لتنفيذ القوانين عدة وسائل، فجعل لكل حي "رقيب" ولكل حاضرة إقليم شرطي (كنستبل Constable) ولكل إقليم حاكم. وكان القانون يفرض على جميع الرجال أن يرفعوا عقيرتهم "بصرخة وزعقة" إذا شهدوا اعتداء على القانون، وأن يشتركوا في مطاردة المعتدي، وأجيزت الكفالة. ومن فضائل القانون الإنجليزي أن التعذيب لم يكن يلجأ إليه في مناقشة المتهمين أو الشهود. من ذلك أنه لما أغرى
[ ١٥ / ٢٠٦ ]
فليب الرابع ملك فرنسا إدوارد الثاني بأن يقبض على فرسان المعبد الإنجليز، ولم يجد هذا الملك دليلًا يأخذهم به، كتب البابا كلمنت الخامس، بتحريض فليب بلا ريب، إلى إدوارد يقول: "ترامى إلينا أنك تحرم التعذيب لأنه مخالف لقانون بلدك، ولكن ما من قانون للدولة يمكن أن يسمو على القانون الكنسي، قانوننا. ولهذا آمرك أن تعذب هؤلاء الرجال" (٤٨). وخضع إدوارد لأمر البابا، ولكن التعذيب لم يلجأ إليه مرة أخرى في الإجراءات القانونية الإنجليزية إلا في عهد ميري "اللعينة" (١٥٥٣ - ١٥٥٨).
وأدخل النورمان إلى إنجلترا نظام الفرنجة القديم، نظام التحقيق القضائي أمام المحلفين، وهم طائفة من المواطنين المحليين، وذلك في شئون الأقاليم المالية والقانونية. وارتقت محكمة كلارندن (حوالي عام ١١٦٦) بنظام "المحلفين" بأن أجازت للمتقاضين ألا يقرروا صدقهم أو كذبهم عن طريق القتال، بل أمام لجنة محكمين مؤلفة من اثني عشر فارسًا يختارهم من بين المواطنين في الإقليم أمام المحكمة نفسها أربعة من الفرسان يعينهم حاكم الإقليم. وكانت هذه هي الدورة القضائية الكبرى، أما في الدورة الصغرى التي كانت تعقد للنظر في القضايا العادية فكان حاكم الإقليم نفسه يختار اثني عشر من أحرار الإقليم المجاور للمحكمة. وكان الناس وقتئذ يعارضون في نظام المحلفين كما يعارضونه الآن، ولم يكن يدور بخلدهم قط أن هذا النظام سيصبح أساسًا من أسس الديمقراطية. ولم ينته القرن الثالث عشر حتى كان حكم المحلفين قد حل في إنجلترا كلها تقريبًا محل أنظمة التحقيق القديمة التي كانت تجري حسب الشريعة الهمجية.