دخل الملك شارل الثاني لندن في اليوم التاسع والعشرين من مايو ١٦٦٠، أي بعد ثلاثين سنة كاملة من مولده، وسط مظاهر فرح وابتهاج، تفوق كل ما تعيه ذاكرة إنجلترا من مثلها، يواكبه عشرون ألفًا من حرس المدينة، ترفرف أعلامهم اعتزازًا وزهوًا، ويلوحون بأسيافهم وسط شوارع انتشرت فيها الأزهار، تتدلى فيها البسط المزدانة بالرسوم والصور، تدوي فيها الطبول والنواقيس وهتافات الترحيب، وتكتظ بنصف سكان المدينة. وكتب ايفلين: "وقفت على الشاطئ، ورأيت هذا المشهد وحمدت الله (١) ". وهو مشهد كشف عن مزاج إنجلترا، وخيبة البيوريتانيين وإخفاقهم، فقد اقتضى خلع شارل الأول ست سنوات من الحروب والاضطرابات، على حين لم ترق نقطة دم واحدة في سبيل عودة ابنه إلى العرش. وتقاطر الإنجليز على قصر هويتهول لتحية الملك، طوال هذا الصيف الذي غمرته البهجة. وقال أحد شهود العيان: "كان تلهف الرجال والنساء والأطفال على رؤية جلالته وتقبيل يده، شديد إلى حد أنه لم يكد يجد فسحة من الوقت لتناول الطعام لعدة أيام … ولما كان الملك راغبًا كل الرغبة في إرضاء نفوسهم، فإنه لم يرد عنه أحدًا، ولم يغلق الأبواب من دون أي من الناس (٢) " وصرح بأنه يريد أن يكون كل شعبه سعيدًا مثله.
ولو أن الملك أخذ أي مشكلة مأخذ الجد في أيام الظفر هذه، لجللت
[ ٣٢ / ١٠١ ]
الشدائد والمصاعب التي ورثها شهر العسل بالسواد والقتام. فقد بلغ رصيد الخزانة ١١ جنيهًا و٢٨ شلنًا و١٠ بنسات، وكانت الحكومة مدينة بمليوني جنيه. ولم تسدد رواتب الجيش والبحرية لعدة سنوات، وكانت إنجلترا في حرب مع أسبانيا. وأخذت مينا دنكرك، بشكل غير مستقر، لقاء مائة ألف جنيه سنويًا، وطالب بالتعويض آلاف من الفرسان الذين حاربوا من قبل في صفوف شارل فسلبهم كرومول أموالهم. ثم أن عشرات الآلاف من الرجال الوطنيين قدموا ظلامات يلتمسون فيها إلحاقهم بالوظائف ذوات الرواتب الكبيرة والعمل اليسير، وأجاب شارل على كل هذا بالإيجاب، في غير اكتراث، تراوده الثقة في أن يوفر البرلمان الاعتمادات.
وكان البرلمان، بدوره سعيدًا، سيطرت عليه للوهلة الأولى، نزعة الامتثال الموسوم بالابتهاج للملك العائد: إننا وأبناءنا من بعدنا نضع أنفسنا تحت تصرف جلالتكم ونلتزم بطاعتكم إلى الأبد (٣) "وقرر مجلس العموم "أن أعضاءه أنفسهم وشعب إنجلترا بأسره لن يبرءوا من الجريمة البشعة، جريمة الثورة الأخيرة غير الطبيعية، ولن ينجوا من العقوبات المترتبة على هذا الجريمة إلا إذا حظوا بصفح صاحب الجلالة وعفوه وبناءًا على ذلك قصد إليه البرلمان بكامل هيئته وجثوا أمام الملك الضاحك المبتهج، لينالوا غفرانه (٤). وأحس مجلس العموم بمزيد من الإثم لأنه اجتمع دون دعوة من الملك، أو دون موافقته، ولذلك أطلق المجلس على نفسه تواضعًا أسم "اجتماع أو مؤتمر"، حتى تطيب نفس الملك، فيعلن أنه برلمان شرعي (٥). وبعد انتهاء هذه المراسم، ألغي البرلمان كل التشريعات التي أصدرها البرلمان ولم يكن قد وافق عليها شارل الأول، ولكنه أكد على الامتيازات التي كان ذلك المجلس قد منحها للبرلمان، بما في ذلك سيادة البرلمان في كل ما يتعلق بالضرائب، وثبت شارل الثاني هذه الامتيازات. وشارك البرلمان الملك الانتصار الحاسم الذي أحرزته السلطة المدنية على
[ ٣٢ / ١٠٢ ]
السلطة العسكرية، فدفعت الرواتب المتأخرة للجيش الذي حكم إنجلترا لمدة عقدين من السنين، وسرح الجنود البالغ عددهم أربعين ألفًا، وانصرفوا إلى بيوتهم.
وكان شارل قد وافق على الصفح عن كل أعدائه، فيما عدا من يستثنيهم البرلمان من العفو العام. وقضى البرلمان عدة أسابيع في جدل حول من يسلمهم إلى يد الجلاد، ومن يبقي على حياتهم. وفي ٢٧ يوليو ١٦٦٠، شخص الملك إلى مجلس اللوردات، مناشدًا إياهم أن يصدروا قرارًا سريعًا حكيمًا:
"أيها اللوردات، إنكم إذا لم تشاركوني في القضاء على الخوف الذي استولى على قلوب الناس وأرقهم، … فإنكم بذلك تحولون بيني وبين الوفاء بالوعد الذي قطعنه على نفسي، وأنا مقتنع بأنه لما كنا، لا أنا ولا أنتم هنا الآن … ولقد أدركت جيدًا أن هناك أناسًا لا يمكن أن يغفروا لأنفسهم ما اقترفوه، ولا أن نغفر لهم نحن ذلك .. وإني لأشكر لكم عدالتكم مع هؤلاء -القتلة المباشرون لوالدي-، ولكني- وسأكون صادقًا معكم- لم أفكر قط في استثناء أحد غيرهم في العفو العام. أن هذه الرحمة، وهذا التسامح هما خير وسيلة تجعل الناس يستشعرون خالص الندم. وتجهلهم رعايا صالحين مخلصين، كما تجعلهم أصدقاء وجيرانًا صالحين لكم أنتم (٦) ".
ورغب البرلمان في التوسع في عملية الانتقام، ولكن شارل أصر على ألا يستثني من العفو إلا من وقعوا الحكم بإعدام والده (٧). وكان ثلث هؤلاء قد فارقوا الحياة، كما لاذ الثلث الثاني بالهروب، وقبض على ٢٨ وحوكموا، وحكم على ١٥ بالسجن مدى الحياة، وشنق ١٣ ثم مزقوا أربًا (١٣، ١٧ أكتوبر ١٦٦٠). ويقول شاهد العيان بيبز: أن توماس هاريسون، وهو أول من نفذ فيه الحكم، "كان يبدو مرحًا، كما يمكن أن يفعل أي رجل في مثل هذا الموقف" وتحدث بشجاعة من فوق المشنقة
[ ٣٢ / ١٠٣ ]
قائلًا أن دوره في الاقتراع على إعدام شارل الأول أملاه الله عليه (٨). ويضيف بيبز: وفي الحال مزق أربًا، وعرض رأسه وقلبه على الجمهور، فتعالت صيحات الفرح (٩) وفي ٨ ديسمبر أصدر البرلمان أمرًا بإخراج جثث كرمول وأيرتون وجون برادشو من كنيسة وستمنستر، وتعليقها على أعواد المشانق. وتم ذلك بالفعل غي ٣٠ يناير ١٦٦١، وكأنما كان هذا لونًا من الاحتفال بذكرى موت شارل الأول، وعرضت رؤوسهم طيلة يوم كامل في أعلى قاعة وستمنستر (حيث اجتمع البرلمان). ودفنت الأشلاء في حفرة مشنقة تبيرن، كل أولئك جعل جون ايفلين يبتهج ويهلل "لحكم الله، وهو حكم هائل تحار فيه الألباب (١٠) ". وثمة ضحية أخرى، هاري فين، الذي كان يومًا محافظًا لمستعمرة خليج ماساشوست، فقد شنق في ١٦٦٢، لأنه كان أداة فعالة في تدبير إعدام سترافورد. وفي هذه القضية أغمضت رحمة الله جفونها، فقد وعد من قبل بالإبقاء على "سير هاري" الرجل الشعبي المحبوب، ولكن جراءة السجين وشجاعته أثناء المحاكمة أوغرت صدر الملك فتحجر قلبه.
وفي ٢٩ ديسمبر ١٦٦٠ حل "المؤتمر" (البرلمان) نفسه، حتى يمهد الطريق لانتخاب أعضاء أكثر تمثيلًا للشعب، وفي غضون ذلك واجهت الحكومة أول مظاهرة عدائية تنازع في شعبيتها العاصمة. أن هذه الحكومة لم تفعل شيئًا لإسكات الشيع الدينية التي ظلت تأمل في نظام جمهوري: فكان المشيخيون وأنصار تجديد العماد والمستقلون وأصحاب مذهب الملكية الخامسة يخطبون ضد الملكية، وتنبأوا بأن الانتقام الإلهي سيحل بها سريعًا، فيرسل الزلازل والذم والضفادع تنقض على بيوت موظفي الملك. وفي ٦ يناير ١٦٦١، وبينما كان الملك في تورتسموث يودع أخته الحبيبة هنريتا في طريقها إلى فرنسا، نادي بالتمرد والعصيان أحد المشتغلين بصناعة دنان النبيذ في مجمع "لقديسي الملكية الخامسة"، وعندئذ سلح سامعوه المهتاجون أنفسهم، وأسرعوا إلى الشوارع يرددون أن المسيح
[ ٣٢ / ١٠٤ ]
وحده هو الذي ينبغي أن يكون ملكًا، ويعملون القتل في كل من أعترض سبيلهم، وعاشت المدينة في ظل الإرهاب طيلة نهارين وليلتين، وانتشر "القديسون" في كل مكان يقتلون الناس في حماسة بالغة، حتى تمكنت آخر الأمر فرقة صغيرة من الحرس كانت الحكومة الواثقة من نفسها تعتمد عليها في حفظ الأمن، من تطويق المشاغبين واقتيادهم إلى حبل المشنقة. وعاد شارل مسرعًا إلى العاصمة، ونظم فرقًا جديدة من الشرطة للمحافظة على الأمن فيها.
وفي ٢٣ أبريل، في يوم عيد سانت جورج راعي إنجلترا وحاميها، توج الملك السعيد في كنيسة وستمنستر، في كل مظاهر العظمة والجلال، ذات القيمة الكبرى لدى الملوك والتي يعتز بها الشعب، وحرص رجال الكنيسة الأنجليكانية التي استعادت مكانتها، وهم يمسحون الملك الداعر بالزيت المقدس، على التوكيد على تعهد الملك والتزامه بالدفاع عن العقيدة وعن الكنيسة. وفي مايو اجتمع "برلمان الفرسان" الذي سمي كذلك لأن غالبية أعضائه كانوا ملكيين أكثر من الملك، متلهفين على الانتقام من البيوريتانيين. ووجد شارل مشقة في أن يثنيهم عن الاسترسال في إعدام أعداء والده، واسترد البرلمان، من الوجهة النظرية، كثيرًا من الامتيازات التي كان قد فقدها شارل الأول: من ذلك أنه لا يصبح أي تشريع نافذ المفعول إلا بعد أن يوافق عليه المجلسان كلاهما، والملك. وكانت للملك السلطة العليا على القوات الإنجليزية المسلحة في البر والبحر، وأعاد البرلمان تنظيم مجلس اللوردات، وأعاد إليه أساقفة الكنيسة الرسمية، ولكنه رفض تجديد قاعة النجم أو محكمة اللجنة العليا وأبقى على حق التحقق في قانونية القبض على المسجونين بغير محاكمة، وأعيدت إلى الفرسان أملاكهم التي صادروها كرومول من قبل، مع تعويض ضئيل لمن اشتروها، واسترجعت الأرستقراطية القديمة ثراءها ونفوذها. وانقلبت الأسرات التي جردت من أملاكها على ملوك آل ستيوارت، وانضمت فيما بعد إلى صغار النبلاء وأبناء
[ ٣٢ / ١٠٥ ]
الطبقات الوسطى ليشكلوا "الأحرار" ضد "المحافظين" .. إن شارل في النصف الأول من حكمه بلغ من الضعف والوهن حدًا لم يستطع معه أن يفرض أي قدر من السلطة المطلقة، من ذلك أنه أجاز "لبرلمان الفرسان" أن يستمر لمدة سبعة عشر عامًا، على الرغم من حقه الشرعي في حله. أنه كان من الناحية العملية ملكًا دستوريًا. فإن النتيجة الجوهرية لثورة ١٦٤٢ - ١٦٤٩، وانتقال السلطة العليا من يد الملك إلى البرلمان، ثم من مجلس اللوردات إلى مجلس العموم، كل أولئك عاش بعد عودة الملكية، على الرغم من قيام الملكية المطلقة من الوجهة النظرية.
وكان من حسن حظ البرلمان أن شارل كان عزوفًا عن الحكم، وكأنه بعد أربعة عشر عامًا من التشرد والشقاء، قد منحته العناية الإلهية الحق في السعادة والهناءة، وأدخل جنات عدن التي وعد بها المسلمون. وكان الملك أحيانًا ينهمك بجد وكد في شؤون الدولة، وقد بولغ في إهماله لها (١١). وقبيل نهاية حكمه دهشت الأمة إذ رأته يأخذ كل شيء على عاتقه، وينصرف بكليته إلى إدارة شئون البلاد في كفاية وعزيمة صادقة. ولكنه في أعوام العسل كان قد فوض إلى إرل كلارندون في ١٦٦١، إدارة دفة الحكم، بل تقرير السياسة.
وتسربت شخصية الملك، بشكل مؤثر على عادات العصر وأخلاقه وسياسته وغلب الطابع الفرنسي على أصله وتعليمه. فأمه فرنسية، وأبوه ابن حفيدة ماري جيز أو اللورين، أضف إلى هذا جدًا اسكتلنديًا ودنمركيًا وإيطاليًا، ومن ذلك نجد خليطًا ضافيًا ولكنه غير راسخ. أنه عاش من سن السادسة إلى سن الثلاثين في القارة، حيث تعلم الأساليب الفرنسية ثم رآها في أبهى صورها في أخته هنريتا آن. وكان عره الأسود وجلده الأسمر يذكران بجدته الإيطالية ماري دي مديتشي، وكان مزاجه لاتينيًا مثل والدة جدته لأمه ماري ملكة إسكتلندة، وربما ورث عن جده الغسقوني هنري نافار، شفتيه الشهوانيتين وعينيه البارقتين وأنفه المتطفل،
[ ٣٢ / ١٠٦ ]
بل وربما ميله إلى النساء كذلك.
أما فيما يتعلق بالناحية الجنسية، فقد كان شارل الثاني أخزى قادة زمانه، وأسوأهم، فإن تصرفاته كانت أسوأ مثال تحتذيه حاشيته والمجتمع الإنجليزي والمسرح بعد عودة الملكية، فانفلت الزمام للفجور والخلاعة في هذه كلها، وآن لنعرف أسماء ثلاث عشرة من خليلاته، أنه وهو في الثامنة عشرة، حين جاء كمن هولندا إلى إنجلترا ليقاتل من أجل والده، وجد فسحة من الوقت لينجب من "السمراء الجميلة الجريئة" لوسي وولتر، وادًا كبر وترعرع تحت أسم جيمس سكوت، أعترف شارل ببنوته فيما بعد، وعينه دوق موغوث. ولحقت لوسي بشارل في القارة، وخدمته بإخلاص، والواضح أنه كان معها مساعدون آخرون لا نعرف الآن أسماؤهم. وفور أن أستقر به المقام في القصر الملكي، دعا بربارا بالمر لتسري عنه همومه وتخفف عنه متاعبه. وكانت بربارا هذه -مثل بربارا فلييرز- قد أقامت لندن وأقعدتها بجمالها. وفي سن الثامنة عشر (١٦٥٩) تزوجت من روجر بالمر الذي أصبح إرل كاسلمين. وفي سن التاسعة عشر وجدت طريقها إلى مخدع الملك، ومن ثم سيطرت على روحه الوادعة، إلى حد أنه خصص لها جناحًا في قصر هويتهول، وأنفق عليها أموالًا طائلة وأجاز لها بيع المناصب السياسية، والتحكم في مصائر الوزراء. وولدت له ثلاث أبناء وابنتين أعترف ببنوتهم جميعًا، وساورته الشكوك على أية حال، لأنها وسط حبها الشديد للملك، لم تتورع عن الاتصال برجال آخرين (١٢)، وازدادت تفوهًا بازدياد علاقاتها غي المشروعة. وفي ١٦٦٣ - أعلنت تحولها إلى الكاثوليكية. وألتمس أقاربها من الملك أن يثنيها عن عزمها، فأجابهم بأنه لم يتدخل قط في "نفوس" السيدات (١٣).
وفي ١٦٦١ فكر شارل في أنه قد حان الوقت للزواج، ومن بين المرشحات أختار كاترين براجنزا ابنة جون الرابع ملك البرتغال التي قدمت إليه مع صداق هيأته الإلهية ليفي بحاجات ملك مبذر ودولة تاجرة:
[ ٣٢ / ١٠٧ ]
٠٠٠ر٥٠٠ جنيه نقدا"، وميناء طنجة، وجزيرة (والمدينة الصغيرة فيما بعد) بومباي، وحرية الاتجار مع كل ممتلكات البرتغال في آسيا وأمريكا وتعهدت إنجلترا في مقابل ذلك، بمساعدة البرتغال في المحافظة على استقلالها ولما وصلت الأميرة العروس الغالية إلى بورتسموث كان شارل في استقبالها للترحيب بها، وتزوجا في ٢١ مايو وفقًا للطقوس الكاثوليكية أولًا ثم الأنجليكانية، وكتب شارل إلى والدتها يقول أنه "أسعد إنسان في العالم" وأحسن معاملة حاشيتها من السيدات ذوات "التنورات" الواسعة المطوقة، ومن الرهبان الوقورين، ووقعت الأميرة في غرامه لأول نظرة، وسارت الأمور سيرًا حسنًا لعدة أسابيع، ولكن في يوليو وضعت كاسلمين ولدًا شهد شارل تعميده على أنه "العراب" (أبوه في العماد) -وتلك مناسبة أخرى يستخدم فيها أسم الله عبثًا ولغوًا. ومنذ هجرت باربارا زوجها، أصبحت الآن تعتمد كل الاعتماد على الملك، وتوسلت إليه ألا يتخلى عنها، فاستسلم لرجائها، وسرعان ما استأنف علاقته بها، وفي إخلاص موصوم بأشد الخسة والعار. ونسي الملك قواعد السلوك القويمة المألوفة، فقدم باربارا علانية إلى زوجته. فنزفت أنف كاترين دمًا وانتابها إغماءه، من فرط الشعور بالمهانة والإذلال، وحُملت إلى خارج القاعة وبناء على إلحاح من الملك، أوضح لها كلارندون أن عملية الزنى امتياز ملكي معترف به للملوك في أعرق أسرات أوربا، وبمرور الوقت كيفت الملكة نفسها مع أساليب زجها الشرقية، ولمنها كانت تزوره ذات يوم، فوقعت عيناها على "شبشب" صغير بجوار سريره، فانسحبت في رفق وتلطف "حتى لا تصاب الحمقاء الجميلة الصغيرة المختفية وراء الستائر بالبرد (١٤) "، وكانت هذه المرة الممثلة -هول دافيز. هذا في الوقت الذي حاولت فيه كاترين كثيرًا أن تنجب لشارل طفلًا، ولكنها -مثل كاترين أراجون مع ملك سابق- أجهضت عدة مرات. وفي ١٦٧٠ أقر البرلمان قانونًا بالتوسع في أحكام الطلاق. وأشار بعض رجال البلاط المتلهفين على وريث بروتستانتي، على
[ ٣٢ / ١٠٨ ]
شارل بأن يطلق كاترين، ولكنه أبى، حيث كان قد عرف آنذاك كيف يحبها حبًا عميقًا على طريقته الخاصة.
ويصف بيبز البلاط في ٢٧ يوليو ١٦٦٧ فيقول:
"يقص على فن Fenn أن الملك وسيدتي كاسلمين قد حدثت بينهما فجوة شديدة، وأنها ستفارقه، ولكن بين جنبيها جنين، إن الملك لابد معترف ببنوته، وغلا فإنها ستحمل الوليد إلى قصر هويتهول، وتهشم رأسه أمام عيني الملك. ثم يضيف أن الملك والحاشية لم يكونوا في أي زمان في العالم بأسره أسوأ منهم الآن، بسبب اللهو والدعارة والفجور والسكر والعربدة، وغيرها من أحط الرذائل البغيضة، مما لم ير العالم مثيلها، وهذا أمر يجر الهلاك والدمار على الجميع، لا محالة (١٥) ".
وضاق شارل ذرعًا بغضبات كاسلمين، وفي إحدى زياراته الأخيرة لها، فاجأ عندها جون تشرشل -دوق مالبرو فيما بعد-، الذي قفز من النافذة حتى يتجنب لقاء الملك (١٦)، كما يروي الأسقف بيرت. على أن شارل خلع على كاسلمين لقب دوقة كليلند، ورتب لها مخصصات من الأموال العامة مدى الحياة.
وقد يشوقنا أن نقص كيف أن امرأة واحدة بعينها خيبت علانية أمل الملك المغرور المختال وصدته: تلك هي فرانسيس ستيوارت التي قيل إنها ربما كانت أجمل وجه وقعت عليه العين (١٧) ويقول أنطواني هاملتون "يندر أن يتيسر العثور على امرأة أقل ذكاء أو أكثر جمالًا (١٨) ". وظل الملك يلحف في الوصول إليها حتى بعد زواجها من دوق وتشموند ويصف بيبز الملك وهو يجدف وحده في الليل إلى قصر سومرست، "وهناك حيث وجد باب الحديقة موصدًا تسلق الجدران ليزور هذه المرأة وتلك فضيحة مخزية فظيعة (١٩) ".
وفي ١٦٦٨ رأى شارل "نل جوين" وهي تمثل في "مسرح دروري لين"، وهي التي نشأت في فقر مدقع، وكانت تسلي رواد الحانة بأغنياتها،
[ ٣٢ / ١٠٩ ]
وتبيع البرتقال في المسرح، وتقوم بالأدوار الصغرى أو الأدوار الرئيسية في الروايات الهزلية، واحتفظت طوال عملها، تلقائيًا بروح طيبة وإرادة طبية، مما سحر لب الملك الذي لا يبالي بشيء، والذي سئم اللذات، ولم تقم الممثلة أية عقبات في سبيل أن تكون عشيقة لجلالته. واستنزفت مبالغ طائلة من كيسه الذي يشكو خلو الوفاض، ولكنها أنفقت القدر الأكبر منها في أعمال البر والإحسان. ولكن سرعان ما كان عليها أن تنافس امرأة مغوية خطر موفدة من فرنسا (١٦٧١) لتثبت شارل على العقيدة الكاثوليكية والتقاليد الفرنسية، تلك هي لويز كيرووال التي قلدت نل مظاهرها الأرستقراطية تقليدًا ساخرًا شيطانيًا. وكل العالم يعرف، كيف أنه، حيث حسب سكان لندن خطأ أن نل هي منافستها الكاثوليكية، فسخروا منها، أخرجت رأسها الصغير من نافذة العربة وصاحت بهم "صه أيها الشعب الطيب، أنا البغي البروتستانتية (٢٠) " وظلت تحظى بعطف شارل إلى آخر حياته، ولم تبرح مخيلته حتى ساعة احتضاره. أما كيرووال التي عينت على الفور دوقة بورتسموث، فقد أثارت حفيظة لندن، حيث نظروا إليها هناك على أنها عميلة فرنسية باهظة التكاليف تبتز من الملك كل عام ٤٠ ألف جنيه، لتقتني المجوهرات وتعيش في ترف باذخ اهاج معدة جون ايفلين (٢١) وتقلص ظل سلطانها في ١٦٧٦ حين اكتشف شارل هورتنس مانسيني ابنة شقيق الكاردينال مازاران المرحة المفعمة بالحيوية والنشاط.
وكان لشارل سقطات أخرى، أنه في أيام شبابه التعس فقد كل الثقة في البشر، وحكم على الرجال والنساء جميعًا بأنهم كما وصفهم "لاروشفو كول" ومن ثم فإنه قلما استطاع أن يكون مخلصًا لأحد -اللهم إلا أخته- وضيع نفسه في أهوائه وغرامياته، ولم تكن ثمة ود خالص مقيم يلقى ضياء حقيقيًا على البريق الأجوف في حياته. وباع بلاده بنفس اليسر الذي اشترى به النساء. وضرب لحاشيته أكبر المثل في المقامرة بمبالغ طائلة. وعلى الرغم
[ ٣٢ / ١١٠ ]
من الجمال الطائش في سلوكه وعاداته، فانه أبدى في بعض الأحيان افتقاره إلى الرقة والكياسة اللتين كان من العسير التماسهما عند والده. من ذلك، على سبيل المثال، أنه لفت نظر جرامونت إلى خدمه يؤدون عملهم وهم راكعون (٢٢). ولم يكن كثير الإدمان على الخمر في أغلب الأحيان، ولكنه أدمن بشكل مخيف لعدة أيام عقب صدور قانون ضد تعاطي المسكرات (٢٣). وكان عادة يتقبل النقد بصدر رحب، ولكن حين جاوز سيرجون كوفنتري حده، وتساءل في البرلمان علانية "هل يجد الملك متعة بين الرجال أو بين النساء؟ ". أمر شارل رجال حرسه أن "يجعلوا منه عبرة" فكمنوا له وهاجموه وهشموا أنفه (٢٤).
على أن فئة قليلة من الناس كانوا لا يملكون إلا أن يحيوه، ومنذ شباب هنري الثامن لم يوجد في إنجلترا ملك في مثل شعبية شارل بين حاشيته، وكانت حيويته الجسمية تبعث على الرضا والسرور، ولم يكن به شح أو بخل، بل كان يرعى الحقوق، عطوفًا كريمًا. بعد أن ينقد رجال حاشيته رواتبهم، كان يجد الوسيلة للبر والإحسان والصدقات. وجعل من المتنزه الخاص به مرتعًا لمختلف الحيوانات، ولم يلحقها أي أذى. وكانت كلبته المدللة تنام، ويفترسها رفيقها وتلد وترضع صغارها في حجرة نوم الملك (٢٥). وكان شارل بعيدًا عن التكلف، أنيسًا، حلو المعاشرة، يسهل الوصول إليه أو التحدث معه، سرعان ما يهدى من روع محدثيه ويطمئن بالهم. وذكر كل الذين تحدثوا عن شارل -فيما عدا كوفنتري، أنه "ملك ودود طلق المحيا (٢٦) "، وعده جرامونت "من ألطف الرجال وأرقهم وأكثرهم وداعة (٢٧) "، وقال عنه أوبري "إنه نموذج فذ في المجاملة (٢٨) " وكان شارل قد صقل عاداته وسلوكه في فرنسا، وكان، مثل لويس الرابع عشر يرفع قبعته لأية سيدة، حتى ولو كانت من أحط الطبقات وكان يفضل شعبه بكثير في التسامح مع أية آراء أو مذاهب دينية معارضة إلى حد أنه شرب نخب خصومة السياسيين، وسر كثيرًا بالهجاء حتى
[ ٣٢ / ١١١ ]
ولو كان موجهًا إلى شخصه. وكان حُسن التقدير فيه، مبعث ابتهاج لدى حاشيته. ووصفه بيبز بأنه كان يقود الحلقة في رقصة ريفية قديمة cuckold All Awry. وما كان يقطع عليه مرحه ولهوه الصاخب -لفترات قصار، إلا أنباء الطاعون أو الحريق أو الإفلاس أو الحرب.
ولم يكن الملك شارل الثاني عميق التفكير، ولكنه لم يتعلق بتوافه الأمور إلى حد كبير، وتخلص يومًا من رجل زعم أنه يتنبأ بالطالع، بأن أخذه إلى سباق الخيل، ولحظ أنه يخسر ثلاثة أشواط متتالية. وأولع ولعًا شديدًا بالعلوم، وأجرى التجارب، وأصدر براءة تشكيل "الجمعية الملكية" وأغدق عليها الهبات والمنح، وشهد كثيرًا من اجتماعاتها. ولم يهتم كثيرًا بالأدب، ولكنه أولى الفنون عناية كبيرة، واعتز برافائيل وتيشيان وهولبين وجمع أعمالهم. وتجلى في حديثه كثير من الحيوية والتنوع اللذين تميزت بهما الجماعات المثقفة في فرنسا. فتحدث جيدًا عن الشعر مع دريدن، وعن الموسيقى مع بورسل (الملحن)، وعن هندسة العمارة مع رن. وكان حاميًا ونصيرًا حسن التمييز في كل هذه المجالات، ولابد أنه كان ثمة قدر كبير من مناقب ومآثر حميدة محببة تحلى بها رجل قالت عنه أخته وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة "إني أحببته أكثر من حبي للحياة نفسها. وليس ثمة شيء آسف عليه في موتي، إلا إني أفارقه" (٢٩).