١٦٨٥ - ١٦٨٨
من ذا الذي كان يستطيع أن يتخيل حين يقع بصره على الصورة (١) التي رسمها فانديك في اللونين الأزرق والذهبي لدوق يورك وهو في الثانية من عمره أن هذا الطفل البريء الحي سيقضي قضاء مبرمًا على أسرة ستيوارت ويكمل آخر الأمر، وفي "الثورة الجليلة" انتقال السلطة من الملك إلى البرلمان، وهو ما كان أبوه قد بدأه بشكل مخز من قبل؟ ولكن في الصورة التي رسمها ريلي (٢) للشخص عينه تحت اسم جيمس الثاني، نجد أن الحياء قد انقلب إلى ذهول وارتباك. وأن الحساسية تغيرت إلى عناد وتصلب، وأن البراءة تحولت بين أعضاء العشيقات المذعنات الطيعات إلى لاهوت جامد لا ينثني. فما كان إلا أن حدد هذا الخلق لصاحبه مصيرًا كان كل فريق يناضل من أجل ما يبدو له هو أنه حق، ومن ثم يستحق منا بعض العطف.
لقد أوردنا من قبل ذكر فضائل جيمس الثاني، فكم من مرة عرض نفسه لخطر الموت في عمله في البحرية. ووازن الناس بينه وبين أخيه، موازنة مرضية، في النشاط الحكومي والإداري، والاعتدال في الإنفاق، وفي ارتباطه بكلمته. أنه استمسك بما أوصاه به شارل وهو يحتضر، من العناية بأمر نل جوين، فسدد ديونها، وخصص لها ضيعة تكفل لها رغد العيش. وبعد ارتقائه العرش ظل لبعض الوقت على علاقته مع آخر عشيقاته كاترين سدلي. ولكنه بناء على اعتراضات الأب بنز أجزل لها العطاء على
[ ٣٢ / ١٧٥ ]
خدماتها وأقنعها بمغادرة إنجلترا، لأنه اعترف بأنه إذا وقع بصره عليها ثانية فإنه لا يملك فكاكًا من سلطانه عليه (٣). إن الأسقف بيرنت الذي ساعد على خلعه، حكم عليه بأنه "صريح مخلص بطبيعته، ولو أنه في بعض الأحيان متلهف محب للانتقام، صديق ثابت على العهد، إلى أن أفسدت عقيدته الدينية مبادئه وميوله الأولى (٤) "وكان مقتصدًا ينمي ثروته بسرعة، ولم يعمد قط إلى غش العملة، كما كان رحيمًا بالشعب في موضوع الضرائب (٥). إن ماكولي بعد أن دون ثمانمائة صحيفة عن حكم جيمس الذي لم يدم لأكثر من ثلاثة أعوام، انتهى إلى "أنه تنحى بمناقب كثيرة، إلى حد أنه لو كان بروتستانتيًا، لا بل كاثوليكًا معتدلًا، لكان عصره عصرًا زاهرًا مجيدًا (٦) ".
وتفاقمت أخطاؤه بنمو سلطانه. وكان مغرورًا متعجرفًا حتى قبل اعتلائه العرش، ينظر إلى معظم الناس باحتقار، لا يفتح قلبه إلا لقلة منهم، وتمسك تمسكًا حرفيًا بنظرية أبيه، وهي أنه ينبغي أن يكون للملك مطلق السلطة، ولم يكن له المزاج الواقعي الذي كان لأخيه والذي أدرك به الحدود العملية لهذه السلطة المطلقة. ويجدر بنا أن نقدر حق التقدير غيرته الدينية، ورغبته في منح إخوانه الكاثوليك في إنجلترا حرية العبادة والمساواة في الحقوق السياسية. وكان مخلصًا لأمه وأخته الكاثوليكتين، وكان طوال الخمسة عشر عامًا السابقة محاطًا بالكاثوليك في بيته، وكان موضع استغراب عنده أن الديانة التي أنجبت مثل هذا العدد الكبير من أفاضل الرجال وفضليات النساء، يضع الإنجليز أمامها العراقيل ويبغضونها ويحدون من انتشارها. ولم يشاطر البروتستانت ما تناقلوه من ذكريات حية في أذهانهم عن مؤامرة البارود، أو خوفهم من أن يولي عليهم ملك كاثوليكي، يميل عاجلًا أو آجلًا ويقتنع، بانتهاج سياسة ترضي البابا الإيطالي. أن إنجلترا البروتستانتية كانت تشعر بأن أي ملك كاثوليكي لا بد أن يعرض للخطر استقلالها الديني والفكري والسياسي.
[ ٣٢ / ١٧٦ ]
إن تصرفات جيمس الأول بعد ارتقائه العرش خفضت من هذه المخاوف شيئًا قليلًا: أنه عين هاليفاكس رئيسًا لمجلس الملك، وسندرلند وزيرًا، وهنري هايد (أرل كلاروندن الثاني) حاملًا لأختام الملك، وكل هؤلاء من البروتستانت. وفي أول خطاب له في هذا المجلس وعد بالإبقاء على نظم الكنيسة والدولة، وعبر عن تقديره لتأييد كنيسة إنجلترا لاعتلائه العرش، ووعد بأن يوليها عناية خاصة. وعند تتويجه أدى اليمين المألوفة لدى ملوك إنجلترا الحديثين، بالمحافظة على الكنيسة الرسمية وحمايتها. وحظي الملك جيمس الثاني لعدة شهور بشعبية لم تكن متوقعة.
وأول إجراء مؤيد للكاثوليكية اتخذه جيمس، لم يكن يحمل عدوانًا مباشرًا على البروتستانت. أنه أمر بالإفراج عن كل المسجونين بسبب رفضهم تأدية قسم الولاء والسيادة. وبهذا أفرج عن آلاف من الكاثوليك، بل أخلى معهم سبيل ألف ومائتين من الكويكرز وكثير من المنشقين غيرهم. ومنع إقامة الدعوى بعد ذلك في المسائل الدينية. وأطلق سراح دانبي واللوردات الكاثوليك الذين أودعوا السجن بناء على اتهامات تيتسي أوتس. وحوكم أوتس من جديد وأدين بتهمة الإيمان الكاذبة التي أدت إلى إعدام عدد من الأبرياء، وأعربت المحكمة هن أسفها لأنها لم تستطع الحكم عليه بالإعدام، وحكمت عليه بغرامة قدرها ألفان من الماركات، وأن يربط خلف عربة ويجلد بالسياط مرتين علانية، والأولى من أولدجيت إلى نيوجيت، والمرة الثانية بعد الأولى بيومين، من نيوجيت إلى تايبيرن، وأن يوضع على آلة التعذيب، المشهرة، خمس مرات سنويًا طيلة بقائه على قيد الحياة. وعاش أوتس بعد هذا التعذيب، وأعيد إلى السجن (مايو ١٦٨٥) وطلبوا إلى الملك إعفاءه من الجلد للمرة الثانية، ولكنه رفض.
وتحطمت الهدنة المزعزعة بين الشيع الدينية بثورة مزدوجة. ذلك أنه في مايو نزل أرشيبالد كامبل، إرل أرجيل التاسع، في اسكتلنده، وفي
[ ٣٢ / ١٧٧ ]
يونيه رسا جيمس ودوق مونموث على الشاطئ الجنوبي الغربي لإنجلترا، وفي مسعى مشترك لخلع الملك الكاثوليكي. وأصدر مونموث بلاغًا وصم فيه الملك جيمس بأنه غاصب طاغية سفاح، كما اتهمه بإحراق لندن والمؤامرة البابوية، ودرس السم لشارل الثاني، وتعهد الغزاة ألا يضعوا السلاح أو يكفوا عن القتال حتى يخلصوا البروتستانتية وحريات الشعب والبرلمان. ومني أرجيل بالهزيمة في ١٧ يونية، وأعدم في ٣٠ يونية، وبذلك أخفق الجناح الشمالي للثورة. ولكن أهالي دورستشير-وهم بيوريتانيون شديدو التمسك بمذهبهم-رحبوا بمونموث وحيوه مخلصًا ومنقذًا لهم. وانضم تحت لوائه عدد كبير جدًا من الناس، إلى حد أنه في ثقة وجلال ومهابة، اتخذ لقب جيمس الثاني ملك إنجلترا. ولم يقدم له الأشراف والطبقات الغنية أي عون أو تأييد. وهزم جيشه المختل النظام على يد القوات الملكية في سدجمور (٦ يولية ١٦٨٥) وهذا آخر حرب جرى فيها القتال على تراب إنجلترا قبل الحرب العالمية. ولاذ مونمورث بالهرب، وتوسل إلى الملك أن يعفو عنه فأبى، وضرب عنقه.
وتعقب جيش الملك، بقيادة برس كيرك، فلول الثوار، وشنق الأسرى دون محاكمة. وشكل جيمس لجنة يرأسها قاضي القضاة جفريز، لتذهب إلى المنطقة الغربية لتحاكم الأشخاص المتهمين بالإنضمام إلى الثورة أو التحريض عليها. وسمح للمحلفين بالاشتراك في المحاكمات، باعتبار أن هذا من حق المتهمين، ولكن جفريز قذف المحلفين الرعب، حتى أن قلة قليلة من المتهمين هي التي أصابت شيئًا من الرحمة لدى هذه "المحكمة الدموية" (سبتمبر ١٦٨٥) (^١). وشنق نحو أربعمائة، وحكم على ثمانمائة بالعمل الإجباري في مزارع جزر الهند الغربية (٧). وكانت اليزابيث في ١٥٦٩ وكرومل في ١٦٤٨، وقد اتهما قبل ذلك هذه الأعمال الوحشية،
_________________
(١) Assiszes الجلسات الدورية للمحاكم العليا في كل مقاطعة.
[ ٣٢ / ١٧٨ ]
ولكن جفريز تفوق عليهما في إرهاب المتهمين والمحلفين والتجهم والعبوس، وصب اللعنات على ضحاياه، والتحديق في وجوههم في كثير من الخبث، والإدانة لمجرد الشك، إلا إذا ساعدت رشوة مجزية على إقناعه بالبراءة (٨). وبذل جيمس جهودًا متواضعة ليضع حدًا للوحشية، ولكن ما أن تمت الإبادة الكاملة وخمدت النار المحرقة حتى رفع جفريز إلى مرتبة النبلاء، وعينه رئيسًا لمجلس اللوردات (٦ سبتمبر ١٦٨٦).
وأسهم هذا الإجراء الانتقامي في إبعاد النبلاء عن الملك. وعندما كلب من البرلمان إلغاء "قانون الاختيار" (الذي يقضي بإقصاء الكاثوليك عن الوظائف ومقاعد البرلمان) وتعديل قانون "حق التحقيق في قانونية الاعتقال" وإنشاء جيش تحت إمرة الملك، لم يستجب البرلمان لشيء من هذا. فعطله جيمس (٢٠ نوفمبر) وأخذ يعين الكاثوليك في الوظائف العامة. ولما أعترض هاليفاكس على امتهان البرلمان على هذا النحو، عزله جيمس من المجلس. وأحل محله، رئيسًا للمجلس، سندرلند الذي أعلن تحوله إلى الكاثوليكية على الفور (١٦٨٧). وحين امتدح جيمس إلغاء لويس الرابع لرسوم نانت (٩) استنتجت إنجلترا أنه لو تمتع جيمس بمثل هذه السلطة المطلقة التي يتمتع بها البوربون، لما تردد في اتخاذ خطوات مماثلة ضد البروتستانت في إنجلترا. ولم يخف جيمس اعتقاده بأن سلطته الآن باتت مطلقة بالفعل، وأن لويس الرابع عشر في نظره هو لمثل الأعلى للملك. وقبل الإعانات من لويس لفترة من الزمن، ولكنه أبى عليه أن يملي سياسة الحكومة الإنجليزية. فتوقفت الإعانات.
وكان لويس أكثر تعقلًا فيما يتعلق بإنجلترا منه بالنسبة لبلاده. وعلى حين أنه أضعف فرنسا باضطهاده الهيجونوت، نراه يحذر جيمس من مغبة التسرع في تحويل إنجلترا إلى الكاثوليكية. كما أن البابا إنوسنت الحادي عشر زود جيمس بمثل هذه النصيحة. وعندما أرسل إليه الملك الإنجليزي يعده بقرب انضواء إنجلترا تحت راية الكنيسة الكاثوليكية في رومة (١٠)،
[ ٣٢ / ١٧٩ ]
نصحه الباب بأن يقنع بالحصول على التسامح الديني للكاثوليك الإنجليز، كما حذر هؤلاء أن يكفوا عن الأطماع السياسية، ووجه رئيس الجزويت لتعنيف الأب بنزولومه على القيام بمثل هذا الدور الخطير في الحكومة (١١). إن البابا أنوسنت لم يخفف من غيرته الكاثوليكية، ولكنه كان يخشى قوة لويس الرابع عشر التي تبتغي التطويق والسيطرة، كما كان يأمل في إمكان تحويل إنجلترا من مجرد تابع أو خادم ذليل للسياسة الفرنسية ومشروعاتها إلى قوة متوازنة ضدها. وأوفد البابا مبعوثًا بابويًا-للمرة الأولى منذ عهد ماري تيودور-ليوضح لجيمس أن أي تصدع في العلاقة بين البرلمان والملك لا بد أن يضر بالكنيسة الكاثوليكية (١٢).
ولم يستفد جيمس من هذا النصح. إنه أحس، وكان في الثانية والخمسين حين اعتلى العرش، أنه قد لا يتيسر له فسحة من الأجل لتنفيذ التغييرات الدينية التي ينشدها والتي يجيش بها صدره، ولم يؤمل كثيرًا في أن ينجب ابنًا، وهنا قد تخلفه ابنته البروتستانتية، وتقلب عمله رأسًا على عقب، إلا إذا أقيم هذا العمل على أساس وطيد راسخ قبل موته. وطغت آراء الأب بنز والملكة وسلطانهما على كل نصح بالتروي والتريث. ولم يكتف الملك بالذهاب إلى القداس، تحفه الجلالة والمهابة لملكية، بل طلب كذلك إلى مستشاريه أن يلحقوا به لحضور القداس. وتكاثر الأساقفة حول الحاشية، وعين الكاثوليك في المناصب العسكرية، وحرض القضاة (الذين كان له حق تعيينهم وعزلهم) على توكيد حقه في إعفاء هؤلاء المعينين من العقوبات التي فرضها عليهم "قانون الاختبار". وجند، تحت إمرة ضباط أغلبهم من الكاثوليك، جيشًا قوامه ثلاثة عشر ألف رجل لا يخضعون إلا لأوامره هو، وواضح أن مثل هذا الجيش كان يهدد استقلال البرلمان. وعطل العمل بالقانون الذي يفرض العقوبات على حضور العبادة الكاثوليكية علانية. وأصدر في يونية ١٦٨٦ مرسومًا يحرم على رجال الدين إلقاء عظات في الخلافات المذهبية. ولما خطب الدكتور جون شارب في "دوافع
[ ٣٢ / ١٨٠ ]
المرتدين" أمر جيمس بوصفه الرئيس الشرعي للكنيسة الإنجليزية، هنري كمبتون أسقف لندن، بفصل شارب مؤقتًا من سلك رجال الكنيسة الأنجليكانية، فرفض كمبتون. فعين جيمس، متجاهلًا قانونًا صدر في ١٦٧٣، "محكمة كنسية" جديدة، سيطر عليها سندرلند وجفريز، وحاكمت كمبتون بتهمة شق عصا الطاعة على التاج، وعزلته من وظيفته. وبدأت الآن الكنيسة الأنجليكانية، التي كانت قد التزمت من قبل بالطاعة المطلقة، نقول بدأت للملك ظهر المجن.
أن الملك جيمس كان يأمل في كسب الكنيسة الأنجليكانية إلى جانب المصالحة والتراضي مع روما، ولكن تصرفه المتهور قضى الآن على هذه السياسة. وبدلًا من ذلك انتهج سياسة التوحيد بين الكاثوليك والمنشقين ضد الكنيسة الرسمية. أن وليم بن الذي وجد طريقه إلى قلب الملك وأحرز ثقته، نصحه بأنه يستطيع أن يظفر بالتأييد الحار من جانب كل البروتستانت الإنجليز، فيما عدا الأنجليكانيين إذا هو بجرة قلم ألغى القوانين التي تحرم العبادة العلنية على فرق المنشقين وفي ٤ أغسطس ١٦٨٧ أصدر جيمس أول "إعلان للتسامح" في عهده. ومهما تكن دوافع الملك، فإن هذه الوثيقة تحتل مكانًا في تاريخ التسامح الديني. إنه ألغى كل قوانين العقوبات فيما يتعلق بالديانة، وأبطل كل الاختبارات الدينية، ومنح الحرية الدينية للجميع، وحظر التدخل في شئون الاجتماعات الدينية المسالمة. وأخلى سبيل كل المسجونين بسبب الخلافات الدينية. أن هذا الإعلان ذهب إلى أبعد مما ذهبت إليه إعلانات التسامح في عهد شارل الثاني، التي كانت قد أبقت على الاختبار الديني لمن يتولون الوظائف، وسمحت بالعبادة الكاثوليكية داخل الدور الخاصة فقط. وأكد للكنيسة الرسمية أن الملك سيواصل حمايته لها في كل حقوقها القانونية. ومما يدعو إلى الأسى والأسف أن هذا الإجراء قدر له أن يكون إعلانًا ضمنيًا للحرب على البرلمان، الذي كان قد سن من قبل كل القيود وعدم الأهلية التي ألغيت الآن. ولو سلم
[ ٣٢ / ١٨١ ]
البرلمان بسلطة الملك في إلغاء التشريعات البرلمانية لكان لزامًا أن تنشب الحرب الأهلية من جديد.
ودخل هاليفاكس الذي كان في هاتيك الأيام ألمع عقلية في إنجلترا، المعركة بكتيب لا يحمل اسم المؤلف بعنوان "رسالة إلى منشق" (أغسطس ١٦٨٧) -"أكثر النشرات توفيقًا في هذا العصر (١٣) " حث فيه البروتستانت أن يكونوا على يقين من أن هذا التسامح الذي قدم إليهم الآن، صدر عن ملك موال لكنيسة تدعي العصمة من الخطأ، وتنكر التسامح صراحة. وهل يمكن أن يكون ثمة انسجام دائم بين حرية الفكر والضمير وبين كنيسة لا تخطئ؟ وكيف يطمئن المخالفون إلى أصدقائهم الجدد الذين دمغوهم بالأمس القريب بأنهم هراطقة؟ "كنتم بالأمس أبناء الشيطان، وأنتم اليوم ملائكة النور (١٤) ". ومن سوء الحظ أن الكنيسة الأنجليكانية كانت قد اتفقت مع روما فيما يتعلق بأبناء الشيطان، وأنها في السنوات السبع والعشرين الأخيرة أخضعت مخالفيها لألوان من الاضطهاد والتعذيب تعفيهم من قبول الحرية حتى على أيد كاثوليكية. وأسرع رجال الدين الأنجليكانيون إلى التماس التصالح مع المشيخيين والبيورتانيين والكويكرز، وتوسلوا إلى هؤلاء جميعًا أن يرفضوا التسامح الراهن، ووعدوهم على الفور بتسامح يحظى بموافقة كل عن البرلمان والكنيسة الرسمية. وبعث بعض المخالفين بخطابات شكر إلى الملك، ولكن الأغلبية كانت بجانبها في تحفظ. وعندما حانت ساعة الفصل نبذ الجميع الملك.
وتابع جيمس خطواته. لقد تطلبت جامعات إنجلترا لعدة سنوات مضت من أساتذتها وطلبتها الالتزام بمذهب الكنيسة الأنجليكانية، ولم يستثن من ذلك إلا منح درجة لطالب لوثري، ومنح درجة فخرية لدبلوماسي مسلم، على أن القساوسة الأنجليكانيين رأوا في أكسفورد وكمبردج هيئات وظيفتها الرئيسية إعداد الرجال لقبول المذهب الأنجليكاني، وتقرر ألا يلتحق بهما أي كاثوليكي. ورغبة في كسر هذا القيد أرسل جيمس، إلى نائب رئيس
[ ٣٢ / ١٨٢ ]
جامعة كامبردج رسالة يلزمه فيها بأن يستثني من الأنجليكاني راهبًا بندكتيًا يعي للحصول على درجة الأستاذية. ورفض نائب رئيس الجامعة ففصل بأمر من لجنة المحكمة الكنسية. فأرسلت الجامعة وفدًا من بين أعضائه ايزاك نيوتن، ليشرح للملك موقف لجامعة. ولكن الراهب حل المشكلة بالانسحاب (١٦٨٧). وفي نفس العام رشح الملك لرياسة كلية مجدلن في أكسفورد، رجلًا لا يتمتع بغزارة العلم، ولكنه ذو ميول كاثوليكية، فرفض الزملاء انتخابه، وبعد نزاع طويل اقترح الملك مرشحًا ليس عليه إلا اعتراض أيسر من سابقه، وهو باركر أسقف أكسفورد الأنجليكاني، ولكن الزملاء الذين يشكلون الهيئة الانتخابية رفضوه كذلك، ففصلوا بأمر من الملك، وعين الأسقف باركر قسرًا.
واشتدت وطأة الاستياء عندما ارتمى الملك أكثر فأكثر في أحضان مستشاريه الكاثوليك. وكان إعجابه بالأب بتر شديدًا إلى حد الإلحاف على البابا برسمه أسقفًا، بل كاردينالًا، ولكن أنوسنت أبى. وفي يوليه ١٦٨٧ عين جيمس الجزويتي القدير، ولكن المستهتر، عضوًا في المجلس المخصوص (الملكي)، فاحتج كثير من الكاثوليك الإنجليز بأن هذا تصرف طائش، ولكن جيمس كان في عجلة من أمره ليصل بالنضال إلى غايته. وكان في هذا المجلس الآن ستة من الكاثوليك، مكنت لهم حظوتهم لدى الملك من السيطرة والغلبة (١٥). وفي ١٦٨٨ عين أربعة من الأساقفة الكاثوليك لإدارة شئون الكنيسة الكاثوليكية في إنجلترا، وخصص جيمس لكل منهم راتبًا سنويًا قدره ألف جنيه، والواقع أن الكاثوليك شاركوا الآن الأنجليكانيين في أنه أصبح لكل من الفريقين كنيسة تساندها وتعاونها الدولة.
ووفي ٢٥ أبريل ١٦٨٨ جدد جيمس نشر "إعلان التسامح" الذي مضى على صدوره عام واحد، وأكد فيه من جديد عزمه على توفير حرية الفكر والضمير" لكل الإنجليز إلى الأبد. فمن الآن فصاعدًا لا بد أن
[ ٣٢ / ١٨٣ ]
يعتمد التعيين في الوظائف والترقي فيها على الجدارة الشخصية لا المذهب الديني. وتنبأ بأن الإقلال من الخلافات الدينية لا بد أن يفتح أسواقًا جديدة للتجارة الإنجليزية، ويزيد من ازدهار الأمة ورخائها. وتوسل إلى رعاياه أن يطرحوا جانبًا كل الأحقاد، وينتخبوا البرلمان الجديد دون تمييز بين المذاهب الدينية، والتحقق من انتشار هذا الإعلان الموسع على أوسع نطاق ممكن، أصدر مجلس الملك توجيهاتها إلى كل الأساقفة ليرتبوا مع كل رجال الدين أمر تلاوته في كل كنيسة في الأقاليم في إنجلترا، يوم ٢٠ أو ٢٧ مايو. واستخدم رجال الدين على هذا النحو، وسيلة للاتصال بالجماهير، أمر له سوابقه الكثيرة في إنجلترا. ولكن لم تكن الرسالة قط يومًا بغيضة إلى الكنيسة الرسمية إلى مثل هذا الحد. وفي ١٨ مايو رفع سبعة أساقفة أنجليكانيين إلى الملك ظلامة أو ضحوا فيها أنهم لم ترتض ضمائرهم أن يوصوا قساوستهم بتلاوة الإعلان، لأنه يخرق قرار البرلمان بأنه لا يجوز إلغاء تشريع برلماني إلا بموافقة البرلمان نفسه، فأجاب جيمس بأن رجال اللاهوت هم الذين كانوا يلحون على عظاتهم وخطبهم دومًا على ضرورة الامتثال للملك وطاعته بوصفه رئيسًا للكنيسة، وأنه ليس في الإعلان ما يخدش أو يسيء إلى كرامة أحد. ووعد بأنه سوف ينظر في ظلامتهم، ولكنهم إن يتلقوا منه ردًا في الغد فعليهم أن يذعنوا لأمره.
وفي صبيحة اليوم التالي بيعت آلاف النسخ من هذه الظلامة في شوارع لندن، في الوقت التي ما زالت فيه قيد البحث عند الملك. وأحس جيمس بأن هذا يجافي قواعد اللياقة، وعرض الظلامة على القضاة الاثني عشر في المحكمة الملكية، فأشاروا بأنه تصرف في حدود حقوقه المشروعية. ومن ثم أغفل الرد على الظلامة. وفي ٢٠ مايو تليت الظلامة في أربع كنائس في لندن، وتجاهلوها في الكنائس الست والتسعين الباقية. وشعر الملك بأن سلطته قد امتهنت، وأمر الأساقفة السبعة بالمثول أمام المجلس. فلما جاءوا أبلغهم بأن عليهم أن يخضعوا للمحاكمة بتهمة نشر طعن أو قذف فيه تحريض
[ ٣٢ / ١٨٤ ]
على الفتنة، وعلى أية حال فإنهم لكي يتفادوا السجن في الحال، يمكن أن يقبل الملك منهم وعدًا كتابيًا بالحضور عند استدعائهم. فأجابوه بأنهم بوصفهم من أشراف المملكة، ليسوا في حاجة إلى تقديم أي ضمان سوى كلمتهم. وأحالهم المجلس إلى برج لندن (السجن) وحياهم الأهالي وهتفوا لهم على الجانبيين عند نقلهم عبر نهر التيمز.
وفي يومي ٢٩ و٣٠ يونيه حاكم الأساقفة السبعة-أمام محكمة الملك-أربعة قضاة مع هيئة المحلفين. وبعد يومين من مناقشات حادة في قاعه يحيط بها عشرة آلاف من أهالي لندن المهتاجين، أصدر المحلفون حكمًا بعدم الإدانة. وابتهجت كل إنجلترا البروتستانتية، وقال أحد النبلاء الكاثوليك "لن تع ذاكرة الإنسان قط مثل هذه الصيحات والهتافات ودموع الفرح التي حدثت اليوم (١٦) "وتوجهت الشوارع بالمشاعل والنيران التي أضرمت في الهواء الطلق. وسار الناس في موكب خلف شخوص من الشمع تمثل البابا والكاردينالات والجزويت، أحرقت وسط احتفالات صاخبة. إن هذا الحكم كان يعني عند البسطاء من الناس أنه لا ينبغي التسامح مع الكاثوليكية، وعند ذوي الإدراك الأوسع أو العقل الأنضج كان يعني تثبيت حق البرلمان في سن قوانين ليس للملك أن يبطلها، وأن إنجلترا، في الواقع، وحتى ولو لم تكن من الناحية النظرية، ملكية دستورية، لا ملكية مطلقة.
على أن جيمس الذي عراه الاكتئاب والحزن بسبب الهزيمة، أخذ يتعزى بالطفل الذي وضعته له الملكة في ١٠ يونيه، بل الموعد المتوقع للولادة بشهر، وفي مقدوره أن ينشئ هذا الولد النفيس تنشئة قوامها الولاء والإخلاص للكاثوليكية، وكان يمكن لوالد والولد، في وجه أية معارضة أو معوقات، أن يقتربا يومًا بعد يوم خطوة من الهدف المقدس-ألا وهو الملكية القديمة، تعيش في وئام ووفاق مع الكنيسة، وفي إنجلترا يسودها الهدوء والسلام والتراضي، في أوربا نادمة على
[ ٣٢ / ١٨٥ ]
ارتدادها عن عقيدتها، موحدة في ظل هذه العقيدة الحقه وحيدة العالمية.