ينزع المؤرخ-كما ينزع الصحفي-إلى فقدان الخلفية العادية للعصر وسط الواجهة المثيرة للصورة التي يرسمها، لأنه يعلم أن قراءه سيستطيبون الشاذ ويحبون تجسيد العمليات والأحداث. ولكن وراء حكام فرنسا، ووزرائها، وحاشيتها، ومحظياتها، ومقاتليها، كان هناك رجال ونساء يتنافسون على الرزق والرفقاء، يزجرون أبناءهم ويحبونهم، يأثمون ويعترفون بإثمهم، يلهون ويتشاجرون، يذهبون إلى أعمالهم متثاقلين وإلى المواخير متسترين، وإلى الصلاة متواضعين متذللين. وكان طلب الخلاص الأبدي يقطع بين الحين والحين كفاح البقاء اليومي، والحلم بالجنة ينتعش كلما ذبلت شهوة الحياة، وصحن الكنيسة الظليل يربح هنيهة من وطيس الصراع. وكانت أساطير المعجزات شعر الجماهير، والقداس مسرحية خلاصهم المعزية، وسميت الرسالة التي يحملها الكاهن بقلوب الفقراء المهزومين ولو كان هو ذاته رجلًا دنيويًا جشعًا. وظلت الكنيسة المنافس للدولة ركيزة للمجتمع والسلطة، لأنه بالرجاء أذعن الناس في صبر للعمل الشاق، والقانون، والحرب.
وعرف كبار الأكليروس الكاثوليك أهميتهم في معجزة النظام، وشاركوا النبلاء والملك موارد الأمة وبهاء البلاط. وخالط الأساقفة ورؤساء الأساقفة في ألفة مهذبة أعلام القوم من طراز كونديه، ومونبنسييه،
[ ٣١ / ٧٥ ]
وسفينييه، وداعب المئات من الآباء-أنصاف المكرسين، أنصاف المتزوجين-داعبوا النساء والأفكار. على أنه يمكن القول بوجه عام أن عقلية رجال الأكليروس الكاثوليك وأخلاقهم كانت خيرًا مما عهدناه خلال قرون قبل ذلك، ربما بحافز من منافسة القساوسة الهيجونوت (١).
لم تكن أديار الراهبات "مراتع الرذيلة" التي صورها جنون خلق الأساطير، المنبعث من الكراهية للدين. فالكثير منها كان صوامع للورع الصادق، الزاهد أحيانًا، كدير الكرمليات الذي اعتكفت فيه لويز دلافاليير، وبعضها الآخر ملاذا لشابات الأسر الكريمة اللاتي لم يجد آباؤهن لهن أزواجًا أو مهورًا، أو اللاتي اقترفن إثمًا، أو أسأن إلى حاكم أو ملك. في أديار كهذه لم ير نزيلاتها حرجًا في استقبال زائر من العالم الخارجي، أو مراقصة بعضهن البعض، أو في قراءة الأدب الدنيوي، أو في تخفيف سأمهن في لعب البليارد أو الورق. وبإصلاح دير من هذه جعلت جاكلين آرنو دير البور-رويال أشهر دير في تاريخ فرنسا.
على أننا لا نستطيع مثل هذا الحديث المترفق عن الطرق الديرية، فالكثير منها أرخى نظمه، وعاش حياة التبطل، والعبادة الصورية، والإلحاف في التسول. وقد أصلح "أرمان جان درانسيه" دير نوتردام دلا تراب بنورمنديا، وأسس الطريقة الترابية الصارمة التي مازالت حية في صمت. ودخل اليسوعيون دخولًا أنشط في حياة فرنسا وتاريخها. كانوا في بداية القرن السابع عشر موضع توجس وريبة باعتبارهم مدافعين عن قتل الملك، أما في نهاية القرن فقد كانوا كهنة اعتراف ومرشدين للملك-ثم أنهم كانوا خبراء في علم النفس. فحين أسست الراهبة مارجريت ماري ألاكوك بوحي من رؤيا صوفية تراءت لها (١٦٧٥) جمعية منقطعة للعبادة العلنية لـ"قلب يسوع المقدس"، شجع اليسوعيون الحركة باعتبارها منفذًا وحافزًا لتقوى الجماهير. وفي الوقت نفسه يسروا الدين للخطاة إذ سلموا بأن
[ ٣١ / ٧٦ ]
الخطيئة في طبيعة البشر، ووضعوا علم "الإفتاء" سبيلًا للتخفيف من عسر الوصايا العشر وللتلطيف من عصاب تأنيب الضمير، وما لبث أن اشتد الطلب عليهم آباء اعتراف للخطاة، واكتسبوا سلطة "مرشدي الضمائر"، لا سيما بين النساء اللاتي سدن المجتمع الفرنسي، واللاتي أثرن أحيانًا في السياسة القومية للبلاد.
ولم يكن لكلمة "الإفتاء" في القرن السابع عشر ذلك المدلول المهين الذي ألصقته بها رسائل بسكال الإقليمية. فقد كان يفترض في كل قسيس، بوصفه أب اعتراف أو مرشدًا روحيًا، أن يعرف بالضبط ما الذي يجب أن يعتبر خطيئة مميتة، أو خطيئة هينة، أو لا خطيئة على الإطلاق، وكان عليه أن يستعد لتطبيق علمه، والملاءمة بين حكمه، ونصحه، والعقوبة الكنسية التي يشير بها، وبين الحالة الماثلة أمامه (Casus) . وكان معلمو الناموس اليهود قد طوروا هذا الفن، في التمييزات الخلقية، بتفصيل مستفيض في الأجزاء القانونية من التلمود، وحذا حذوهم التشريع والطب النفسي العصريان. وقبل أن تنشأ جماعة اليسوعيون بزمن مديد، وضع اللاهوتيون الكاثوليك الأبحاث الضخمة في الإفتاء لإرشاد الكاهن في أمر المبدأ الخلقي والتطبيق الإعترافي. ففي أي الحالات مثلًا يجوز أن يبدى على حرفية القانون الخلقي روحه أو قصده؟ ومتى يجوز للإنسان أن يكذب أو يسرق أو يقتل، أو يحنث بوعد حنثًا معقولًا، أو ينتهك يمينًا، أو حتى ينكر العقيدة؟
وطالب بعض المفتين بتفسير القانون الخلقي تفسيرًا صارمًا، ورأوا أن الصرامة أجدى في المدى الطويل من التساهل. ولكن غير هؤلاء-ولا سيما اليسوعيين مولينا، وإسكوبار، وتوليدو، وبوزنباوم-حبذوا دستورًا أخلاقيًا متسامحًا، وحضوا على ضرورة التماس العذر للطبيعة البشرية، ومؤثرات البيئة، والجهل بالقانون، والمشقة البالغة في الامتثال الحرفي للقانون، وعنف سورات العاطفة عنفًا شبيهًا بالجنون، وسائر الظروف
[ ٣١ / ٧٧ ]
التي تعطل حربة الإرادة. وتيسيرًا لهذه الأخلاقيات اللينة، وضع اليسوعيون مبدأ الترجيح-ومؤداه أنه إذا استحسن حجة معروف في اللاهوت الخلقي رأيًا بعينه، جاز لكاهن الاعتراف أن يحكم طبقًا لهذا الرأي إذا استصوب ذلك، ولو عارضته كثرة الخبراء. (وكانت كلمة Probabilis تعني في ذلك الوقت المستحسن، أو الذي يسمح بالاستحسان (٢». يضاف إلى هذا، في رأي بعض المفتين اليسوعيين، أنه من المباح أحيانًا أن يكذب الإنسان، أو يمسك عن قول الحق بـ"تحفظ عقلي"؛ مثال ذلك أن للمسيحي الأسير، إذا أكره على الخيار بين الإسلام والموت، أن يتظاهر بقبول الإسلام دون أن يحسب ذلك خطيئة عليه. ثم إن أخلاقية عمل ما، في رأي إسكوبار، ليست في الفعل نفسه، الذي في ذاته أخلاقيًا أولًا أخلاقي، بل في نية الفاعل الخلقية، فليس هناك خطيئة ما لم يكن هناك خروج واع، مختار، عن القانون الخلقي.
والكثير من إفتاء اليسوعيين كان توفيقًا معقولًا رحيمًا بين القواعد التي يغلب عليها زهد العصر الوسيط، وبين مجتمع اكتشفت مشروعية اللذة. ولكن اليسوعيين في فرنسا بصفة خاصة، وفي إيطاليا بدرجة أقل، طوروا الإفتاء حتى بلغوا به من التسامح مع ضعف الطبيعة البشرية مبلغًا حمل رجالًا جادين كبسكال في باريس، وسار بي في البندقية، وكثيرًا من اللاهوتيين الكاثوليك، ومنهم عدة يسوعيين (٣) -حمل هؤلاء جميعًا على الاحتجاج على ما رأوا فيه استسلامًا من المسيحية للخطيئة. وصدم هذا التراخي اليسوعي مع العالم والجسد مشاعر هيجونوت فرنسا الذين ورثوا دستور كالفن الخلقي الصارم. وقامت حركة قوية داخل الكاثوليكية ذاتها-وهي الجانسنية-فرفعت في دير البور-رويال لواء أخلاقية شبه كالفنية، في حرب مناهضة لليسوعيين أهاجت فرنسا والأب الفرنسي قرنًا كاملًا. وجرت هذه الحرب لويس الرابع عشر إلى معركة، لأن كهنة اعترافه كانوا يسوعيين وتطبيقه للدين لم يكن متزمتًا. وفي ١٦٧٤ اضطلع الأب لاشيز بالإشراف
[ ٣١ / ٧٨ ]
على ضمير الملك، وقد وصفه فولتير بأنه "رجل هادئ الطبع يسهل عنده التوفيق دائمًا. (٤) " وقد شغل المركز اثنين وثلاثين سنة، غفر خلالها كل شيء وحظي بمحبة كل إنسان. وقد قال لويس عنه "بلغ من طيبته أنني كنت أحيانًا ألومه عليها (٥) ". ولكنه بطريقته الهادئة الصابرة كان له تأثير بالغ على الملك، وأعان على توجيهه إلى الاقتصار على امرأة واحدة آخر المطاف، وإلى طاعة البابا.
ذلك أن لويس لم يكن دائمًا "بابويًا" صادقًا. كان متدينًا على طريقته الرسمية، وندر أن قصر في حضور القداس اليومي (٦). قال لولده في مذكراته:
" … واصلت تدريبات التقوى التي نشأتني عليها أمي، من جهة لأشكر الله على كل الحظ الطيب الذي نلته، ومن جهة لأكسب محبة شعبي … والحق يا بني أننا لا نفتقر إلى عرفان الجميل والإنصاف فحسب، بل إلى الحكمة والفطنة أيضًا، حين نقصر في عبادته تعالى، الذي لسنا إلا نوابًا له. وما خضوعنا له إلا القاعدة والمثل للخضوع الذي نستحقه (٧) ".
على أن هذا لم يشمل الخضوع للبابوية. ذلك أن لويس ورث التقليد "الغالي" بمقتضى تفويض بورج البرجماتي (١٤٨٣) وكونكوردا فرنسوا الأول (١٥١٦) -ذلك التقليد الذي اقر حق ملوك فرنسا في تعيين أساقفة فرنسا ورؤساء أديارها، وتحديد دخولهم، والتعيين في جميع الوظائف الكنسية ذات الدخول في الفترة بين موت الأسقف وتنصيب خلفه. وقد آمن لويس أنه خليفة لله أو ممثله في فرنسا، وأن خضوعه للبابا (بوصفه هو أيضًا خليفة لله) يجب أن يقصر على شؤون العقيدة والأخلاق، وأن على رجال الأكليروس الفرنسيين أن يطيعوا الملك في كل أمر يتصل بالدولة الفرنسية.
واستنكر فريق من الأكليروس هذه الدعوى-وهم المناصرون للسيادة
[ ٣١ / ٧٩ ]
البابوية المطلقة-وأيدوا سلطان الباباوات المطلق على الملوك والمجامع وتعيين الأساقفة، ولكن الغالبية-وهو الحزب الغالي-دافعوا عن استقلال الملك الكامل في الأمور الزمنية، وأنكروا عصمة البابا إلا إذا وافق عليها مجمع مسكوني، ورأوا في الروغان من سيطرة روما منفعة للأكليروس الفرنسي. وصرح أمير كونديه أن من رأيه أنه لو طاب للملك أن يتحول إلى المذهب البروتستانتي لكان رجال الأكليروس الفرنسي أول من يتبعه (٨). وفي ١٦٦٣ أصدرت السوربون-وهي كلية اللاهوت في جامعة باريس-ست مواد تؤكد الموقف الغالي. واتخذت "البرلمانات" الفرنسية ذات الموقف، وأيدت لويس في دعواه بحقه في أن يقرر أي المراسيم البابوية ينبغي نشره وقبوله في فرنسا. وفي ١٦٧٨ احتج البابا أنوسنت السادس على هذه النزعة الغالية، وحرم رئيس أساقفة تولوز لأنه عزل أسقفًا قاوم هذه النزعة. ودعا الملك مجمعًا من الأكليروس، كلهم تقريبًا من اختباره. وفي مارس ١٦٨٢ أعاد المجتمع تأكيد مواد السوربون الست، ووضع لنفسه المواد الأربع الشهيرة، التي كادت تفصل الكنيسة الفرنسية عن روما:
١ - للبابا سلطان في الأمور الروحية، وليس له سلطان غزل الأمراء أو حل رعاياهم من طاعتهم.
٢ - للمجامع المسكونية سلطان فوق سلطان البابا.
٣ - الحريات التقليدية للكنيسة الفرنسية لا يجوز انتهاكها.
٤ - لا عصمة للبابا إلا بموافقة مجمع الأساقفة.
وأعلن أنوسنت بطلان قرارات المجمع، ورفض التنصيب القانوني لجميع الأساقفة الجدد الذين وافقوا على المواد. وإذ كان لويس لا يعيين إلا أمثال هؤلاء المرشحين، فقد شغرت في ١٦٨٨ نحو خمس وثلاثين أسقفية من أساقفتها القانونيين. على أن الشيخوخة ومدام دمانتنون كانا قد ألانا جانب الملك، ثم أراحه الموت من ذلك البابا العنيد. وفي ١٦٩٣ سمح لويس
[ ٣١ / ٨٠ ]
لمرشحيه أن ينكروا المواد، وأقر البابا أنوسنت الثاني عشر حق الملك في التعيينات الأسقفية، وأصبح لويس من جديد "الملك المسيحي جدًا" Rex Christianissimus.