١٢٠٤ - ١٦٢٦
كانت الحرب القديمة بين الكنيسة والدولة أهون الدرامات الدينية الثلاث التي اضطر بها حكم لويس. فقد فاقها عمقًا ذلك الصراع الذي احتدم بين الكاثوليكية السنية التي دانت بها الدولة والأكليروس، وكاثوليكية الجانسفيين والبور-رويال القريبة من البروتستنتية، وكان أعمق هذه المسرحيات وأشدها فجيعة هو القضاء على الهيجونوت في فرنسا. ولكن ما هو البور-رويال هذا، ولم هذا الضجيج الكثير من حوله في التاريخ الفرنسي؟ لقد كان ديرًا لراهبات الطريقة السسترسية Cistercian على نحو ستة عشر ميلًا من باريس وستة أميال من فرساي، في مكان وطيء تكتنفه المستنقعات، وصفته مدام دسفينييه بأنه "واد رهيب، هو بالضبط المكان الذي يجد فيه الإنسان خلاصة (٩) ". وأسس حوالي ١٢٠٤، ونجا بشق الأنفس من التقلبات الكثيرة التي تعرض لها في حرب مائة العام والحروب الدينية. وقد اضمحل نظامه وتناقصت راهباته، ولعل الدير كان يختفي عن الأنظار لولا أنه خضع لرآسة جاكلين آرنو، وجرد للدفاع عنه قلم بليز بسكال.
لقد صنع أنطوان آرنو الأول (١٥٦٠ - ١٦١٩) التاريخ ببلاغته ووفرة ذريته. ففي ١٥٩٣، بعد أن حاول باريير اغتيال هنري الرابع، وجه آرنو إلى برلمان باريس خطابًا غاضبًا طالب فيه بطرد اليسوعيين من فرنسا. ولم يصفحوا عنه بعدها، وكانوا ينظرون بعين نقادة منذرة بالشر إلى ما تقوم به أسرته في البور-رويال. وكان لأربعة على الأقل من بين أبنائه-البالغين نيفًا وعشرين-دور في قصة ذلك الدير. فقد عينت جاكلين آرنو
[ ٣١ / ٨١ ]
مساعدة لرئيسة دير البور-رويال وهي في السابعة (١٥٩٨) وبعد عام أصبحت شقيقتها جان، البالغة ستة أعوام، ريسة لدير سان-سير. وكان التعيينات بأمر هنري الرابع، وثبتهما مرسومان بابويان أمكن الحصول عليهما بتزييف عمر الفتاتين (١٠). ولعل أباهما التمس لابنتيه هاتين الوظيفتين بديلًا عن العثور على زوجين ومهرين لهما.
فلما أصبحت جاكلين، بوصفها الأم آنجليك، رئيسة اسمية للبور-رويال (١٦٠٢) لم تجد غير أرخى النظم بين راهباته الثلاث عشرة، فقد كانت كل منهن تحتفظ بثروتها، وتكشف شعرها، وتستعمل مستحضرات التجميل، وتتبع أحدث الأزياء. وقل أن تناولن الأسرار المقدسة، ولم يستمعن لأكثر من سبع عظات خلال ثلاثين عامًا (١١). فلما ازداد وعي الرئيسة الشابة بالحياة التي ألزمها إياها أبوها، سخطت ونوت الهروب (١٦٠٧). "فكرت في مغادرة البور-رويال والعودة إلى العالم-دون إحاطة أبي أو أمي بنيتي، لأهرب من هذا النير الذي لا يطاق، ولأتزوج". (١٢) ومرضت، فحملت إلى بيتها، وهناك مرضتها أمها بكثير من الرعاية الحانية حتى عادت إلى البور-رويال عقب إبلالها وهي مصممة على الوفاء بنذورها الديرية حبًا في أمها. على أنها أوصت بمشد من عظم الحوت لتحفظ لقوامها نحافته (١٣). وظلت تخفي نفورها من الحياة الدينية إلى أن سمعت في عيد القيامة عام ١٦٠٨ عظة ألقاها راهب كبوشي عن آلام المسيح، وكانت يومها في معية الصبا. قالت تروي الحدث فيما بعد "خلال هذه العظمة لمسني الله لمسة جعلتني منذ تلك اللحظة بأنني أسعد حالًا في حياة الرهبنة … ولا أدري أي شيء كنت أحجم عن فعله لله إذا واصل تعالى هذه الحركة التي منحتني إياها نعمته (١٤) ". ذلك، في لغتها، كان "أول عمل للنعمة" (أي اللطف الإلهي).
وفي أول نوفمبر من ذلك العام ملأنها عظة أخرى-هي "ثاني أعمال
[ ٣١ / ٨٢ ]
النعمة" شعورًا بالخزي من شدة تراخيها وتراخي راهباتها في الوفاء بما نذرن من فقر وعزلة. وإذ كانت ممزقة بين حبها للراهبات ورغبتها في فرض نظام الطريقة السسترسية، فقد رانت عليها الكآبة، ومارست ألوانًا من التقشف لم يقو عليها جسدها، فأصابتها الحمى. ولابد أنها كانت لطيفة محببة إلى النفوس، وآية ذلك أنه حين سألها الراهبات عن السر في حزنها، وصارحتهن برغبتها في أن يرجعن إلى التزام رهبتهن بحذافيره، ارتضين حكمها، وجمعن كل ممتلكاتهن الخاصة، وأخذن العهد على أنفسهن بالفقر الدائم.
أما الخطوة الثانية، وهي اعتزال العالم، فكانت أشد إيلامًا. فقد حظرت الأم أنجليك على الراهبات أن يغادرن الدير، أو يستقبلن الزوار-حتى أقرب الأقرباء-دون إذن صريح، فإذا استقبلنهم ففي قاعة الاستقبال دون غيرهما. وشكون مما سيكلفهن هذا من عنت شديد. ولكي تعطيهن القدوة الحسنة المشددة لعزائمهن صممت ألا ترى أبويها في زيارتهما التالية إلا من نافذة ذات شباك أو "شيش" في الباب الفاصل بين قاعة الاستقبال وحجرات الدير. فلما حضر أبواها راعمهما أنها لا تريد التحدث إليهام إلا من خلال هذا الشباك … وأصبح "يوم الشباك" Journee du Guichet (٢٥ سبتمبر ١٦٠٩) يومًا مشهورًا الدائر حول البور-رويال.
وهدأ غضب الأسرة المقصاة، وتأثر أفرادها بورع الأم أنجليك (التي بلغت الآن الثامنة عشرة) تأثرًا حمل الفتاة تلو الفتاة من بيت آرنو على دخول البور-رويال. ففي ١٦١٨، أخذت شقيقتها آن أوجني على نفسها عهد الرهبنة. ولحقتها شقيقات أخريات بعد قليل-كاترين، وماري، ومادليز،. وفي ١٦٢٩، جثت أمهن الأرملة عند قدمي الأم أنجليك ملتمسة قبولها مبتدئة في الرهبنة ثم أخذت العهد في الوقت المناسب، وعاشت في تواضع وسعادة
[ ٣١ / ٨٣ ]
تحت رئاسة أبنتها، وراحت تدعوها منذ الآن بالأم. وقد حمدت الله وهي تحتضر (١٦٤١) لأنها قدمت من بناتها للحياة الدينية. ودخلت خمس من حفيداتها البور-رويال في فترة لاحقة. وأصبح ابناه روبير وثلاثة من حفدتها "متوحدين" هناك، وأصبح ألمع أبنائها، وهو انطوان آرنو الثاني، عضو السوربون، فيلسوف البور-رويال ولاهوتيه. وإنا ليأخذنا العجب لهذه الخصوبة، ولا نملك غير الاحترام لمثل هذا العمق في التعبد والولاء والإيمان (^١).
وقادت الأم أنجليك قطيعها خطوة بخطوة عودًا إلى نظام الرهبنة السترسية الكامل فحفظت الراهبات، اللائى بلغ عددهن الآن ستًا وثلاثين، جميع الأصوام بدقة تامة، ومارسن الصمت فترات طويلة، واستيقظن في الثانية صباحًا لترتيل تسبحة الصباح، ووزعن الصدقات على فقراء الجيران من مالهن المشترك. وسرت الإصلاحات من البور-رويال، وأرسلت الراهبات اللائى دربن فيه للأديار في جميع أرجاء فرنسا لحضها على العودة إلى سابق نظمها. من ذلك أن ديرا في موبويسون كان شديد الانحلال، وقد استعمله هنري الرابع من قبل مكان لقاء مع خليلته جابرييل دستريه، وكانت رئيسته محاطة ببناتها غير الشرعيات، وكان الراهبات يغادرون ديرهن دون قيد ليلقين ويراقصن رهبان دير مجاور (١٦). وفي ١٦١٨ طلب رؤساء الأم انجليك إليها أن تحل محل رئيسة دير موبويسون، ومكثت هناك خمس سنوات، فلما عادت إلى البور-رويال تبعتها اثنتان وثلاثون راهبة إلى الدير الأم الذي انبعث منه نور الإصلاح.
وفي ١٦٢٦ ظهر وباء الملاريا في البور-رويال. وإذ نبه بعضهم أنجليك
_________________
(١) لاحظ سانت-بيف أن "عدة شابات ممن بينهن راهبات البور-رويال كن قد أصبن بالجدري فتشوهت وجوههن في سن مبكرة"، وأضاف في خبث "لا أريد أن أقول أننا لا نهب الله ما فقد قيمته في هذه الدنيا" (١٥).
[ ٣١ / ٨٤ ]
إلى ما في جوالدير الرطب من خطر، فإنها انتقلت مع راهباتها إلى منزل بباريس. وهناك، وتحت تأثير الجانسنيه، دخلن معركتهن التاريخية مع اليسوعيين والملك. ورعان ما احتل "المتوحدون" المباني المهجورة المتهدمة في البور-رويال-دي-شان، وكانوا رجالًا رغبوا في أن يحيوا حياة أقرب إلى الحياة الديرية وإن لم ينذروا أنفسهم للرهينة. ووفد على المكان نفر من آل آرنو-أنطوان الثاني وأخوه روبير آرنودانديي، وأبناء أختيه أنطوان لوميتر وسيمون دسريكور، وحفيده إسحاق للوي ساسي، وأنظم إليهم بعض رجال الكنيسة، وأمثال بيير نيكول وأنطوان ساجلان، لا بل بعض النبلاء أمثال الدوق دلون والبارون دبو نشانو. وراحوا يصرفون معا مياه المستنقعات. ويحفرون الخنادق، ويرممون المباني، ويعنون بالبساتين والحدائق. وكانوا-جماعة أو فرادى-يمارسون ألوانًا من الفنون، ويصومون، ويرتلون، ويصلون، ويلبسون لباس الفلاحين، ويمتنعون عن تدفئة غرفهم في البرد القارس. وكانوا يدرسون الكتاب المقدس وكتابات آباء الكنيسة، وقد ألفوا كتبًا فيها تعبد وتفقه، وأحد هذه الكتب، واسمه "فن التفكير"، وهو من تأليف نيكول وآرنو الصغير، ظل كتيبًا محببًا في المنطق حتى القرن العشرين.
وفي ١٦٣٨ افتح المتوحدون "مدارس صغيرة" دعوا إليها أطفالًا اختاروهم من سن التاسعة أو العاشرة، وعلموهم الفرنسية، واللاتينية، واليونانية، والنواحي السنية في فلسفة ديكارت. وطلب إليهم أن يجتنبوا الرقص والمسرح (وكلاهما وافق عليه اليسوعيون)، وأن يصلوا كثيرًا، ولكن ليس للقديسين، ولم تكن هناك صور في الكنيسة الصغيرة التي يسمعون فيها القداس. وفي البور-رويال-دي-شان، والبور-رويال-د-باري، وأصبح اعتراض تقوى آل آرنو على فساد البلاط،
[ ٣١ / ٨٥ ]
اعتراضًا آخر من اللاهوت والأخلاق الجانسبية الصارمة على تيسير اليسوعية بين للمسيحية حتى توائم الطبيعة البشرية.