والآن نجمع في قائمة غير نابضة بالحياة بعض الشخصيات الأصغر شأنًا الذي أمدوا هذه الفترة بالحياة وبالأدب، ولكنا لن نستطيع أن نمكث معهم طويلًا لنتتبع جرى حياتهم.
وأعظم قصيدة في الجانب الوثني من فترة عودة الملكية كانت ملحمة بيوريتانية، ولكن أشهره هي ملحمة هجاء ساخر ضد البيوريتارية: " هو دبراس" (١٦٦٣ - ١٦٧٨). ذلك أن الشاب الفاجر، صمويل بتلر، قضى عدة سنوات مضنية في خدمة سير صمويل لوك، وهو مشيخي (برسبتيربان) متحمس غيور، ضابط برتبة زعيم في جيش كرومول، كان مقره في "كوبل هو"، وهي قلعة بيوريتانية للسياسة والعبادة. وعندما عادت الملكية ثأر بتلر لنفسه بنشر هجاء مرح، يصور فيه كيف أن سير هو دبراس الفارس المغوار يقود سيده صاحب الأرض "رالفو" إلى حرب
[ ٣٢ / ٢٣٩ ]
صليبية ضد الخطيئة والإثم. وتستطيع أن تحكم منذ بداية القصيدة عليها.
"حين اشتدت ثورة الغضب والحقد بين الناس لأول مرة وتشاجروا لأنهم لم يدركوا السبب، وحين أشعلت الكلمات النابية والأحقاد والمخاوف نار الحرب بين الجماعات وجعلتهم يقتتلون كالمجانين أو المخمورين، من أجل "السيدة: الديانة" وكأنما يقتتلون من أجل عاهرة فاجرة … وحين أعلن نافخ البوق الإنجيلي يحيط به الرعاع ذوو الآذان الطويلة، النفير من أجل الحرب، ودقت طبول المنبر والكنيسة بجماع الأيدي بدلًا من العصي. عندئذ غادر السيد الفارس مسكنه وامتطى صهوة جواده متزعمًا الركب … وكان كثيرون من الناس يرون، أنه كما اشتكى مونتاني من أن قطته حسبته، وهو يداعبها، حمارًا، فلابد أن القطة تحسب هو دبراس حمارًا أو أكثر من حمار، وإنا لنسلم بأنه على الرغم مما أوتى من ذكاء شديد، فإنه يخجل من استخدامه، وكأنما يكره أن يستنفذه ويبليه، ولذلك لم يظهره أو لم يلبسه إلا في أيام العطلة أو ما يشابهها، كما يرتدي الناس أحسن ملابسهم … وكان من الملائم، من أجل عقيده، أن يوفق بين علمه وذكائه، وكان مذهبه مشيخيًا صادقًا متشددًا، لأنه كان من بين العصبة العنيدة من القديسين الضالين الذي يقر الناس جميعًا بأنهم المناضلون الصادقون عن الكنيسة المجاهدة التي يبنون عقيدتهم على الرمح والمدفع، ويحسمون كل الخلافات بمدفعية لا تخطئ المرمى، ويثبتون صحة نظريتهم بالضربات واللكمات الرسولية … فرقة تتمثل أعظم تقواهم في كراهياتهم الحمقاء الضالة، الشاذة فرقة تحرص على الخطأ في يوم العطلة أكثر من حرص سائر الناس على الصواب، مجمعة على الخطايا التي فطرت عليها، تلعن أولئك الذي لا يفكرون فيها (٤٣).
وهكذا مما آلم البيوريتانيين أيما إيلام وسر الملك كل السرور. ومنح شارل المؤلف جائزة قدرها ثلاثمائة جنيه. وامتدح كل الملكيين القصيدة فيما عدا بيبز الذي لم يستطع "أن يتبين موضع العبقرية فيها"، على الرغم من أنها تعتبر الآن من أحدث طراز من الهزل والسخرية (٤٤)، وبادر بتلر
[ ٣٢ / ٢٤٠ ]
إلى الاستزادة من الكتابة (١٦٦٤ - ١٦٧٨)، ولكن لم يعد في جعبته سهام، ولم تسعفه القوافي. وحل النزاع بين البروتستانت والكاثوليك محل النزاع بين الملكيين والبيوريتانيين. ونسي القوم بتلر، وقضى نحبه مغمورًا معدمًا (١٦٨٠). وبعد أربعين عامًا أقيمت له لوحة تذكارية في كنيسة وستمنستر، تحمل هذه العبارة "طلب الخبز فمنح حجرًا (٤٥) ".
وخير من هذا الشعر الهزلي المعتل الوزن الذي يتصيد القوافي، نثر كلارندون الفخم في كتابه "تاريخ الثورة" الذي ظهر في ١٧٠٢ على الرغم من أنه كتب في ١٦٤٦ - ١٧٦٤ - وشهد الناس في عهد الملكة آن مقدار العناية التي بذلت في تأليف هذه المجلدات الثمانية، وروعة أسلوبها، وكيف كان تصوير الشخصيات أخاذًا، وكيف كانت روح قاضي القضاة الذي ضرب قديمًا، عالية. وبالمثل لعب جلبرت بيرنت دورًا ليس بهزيل في كتابه "تاريخ زمانه" الذي لم ينشر، بأمر منه، إلا بعد وفاته ١٧٢٤. أما كتابه "تاريخ إصلاح كنيسة إنجلترا" (١٦٧٩، ١٦٨١، ١٧١٥) فكان عملًا أضخم، وكان ثمرة بحث طويل، وظهر في وقت كانت فيه إنجلترا البروتستانتية تخشى إحياء الكاثوليكية. وقدم له مجلسا البرلمان كلاهما الشكر عليه. ووجد فيه الأعداء والمحررون ألفًا من الأخطاء. ولكنه لا يزال يحظى بمن يشايعه وينتصر له، وفي بعض الأحيان يكون موضع ذم وطعن. ولكنه يظل أعظم مرجع في موضوعه، وحاول بيرنت أن يوسع دائرة التسامح الديني، فكسب عداء السوق.
وسعى ثلاثة رجال آخرين إلى تكبير الحاضر بأن يضيفوا إليه صورًا من الماضي. وطاف توماس فولر Faller بأرجاء الأرض الحبيبة متنقلًا من بلد إلى بلد، حيث جمع كتابه "تاريخ مشاهير الرجال في إنجلترا (١٦٦٢)، وأحيا أبطاله الأموات بما روي عنهم من فذلكات وحكايات ودعاية وذكاء، وبما كتب على شواهد قبورهم. وقص أنتوني وود تاريخ أكسفورد، وجمع ثبتًا حوى سير حياة خريجيها، والمؤلفات القيمة
[ ٣٢ / ٢٤١ ]
التي اقتبس منها كثير من المؤلفين خلسة. وجمع جون أوبري شذرات ممتعة عن نحو ٤٢٦ من مشاهير الإنجليز، على أمل أن ينسق هذه المادة المجموعة في تاريخ كامل، ولكن الخمول والمنية حالتا دون طبع "سير الحياة" قبل ١٨١٣ (٤٦). وقد شجعتنا ذخائره على المضي في طريقنا. وهناك الكولونيل (الزعيم) جون هشتشون، وهو بيوريتاني أيد إعدام شارل الأول، وزج به شارل الثاني في السجن، وما أن أخلى سبيله حق عاجلته المنية، وخلدت أرملته لوسي ذكراه في كتاب "حياة كولونيل هتشنسون" وهو كتاب لطيف رفع من مكانة صاحب السيرة. ولكن لوسي كان يعيبها الوقفات الطويلة فكانت عباراتها أحيانًا تمتد إلى صحيفة كاملة. أما جون آريوتنوت، الطبيب البارع، والصديق المخلص لسويفت وبوب والملكة آن ولكثيرين غيرهم، فإنه انضم إلى حملة المحافظين لوقف الحرب مع فرنسا، بأن أصدر في ١٧١٢ سلسلة من النشرات يهجو فيها الأحرار، ويصف شخصية خيالية هي "جون بول" الذي أصبح منذ ذاك رمزًا على إنجلترا. ويقول جون آريوتنوت عن جون بول:
"أنه شخص أمين شريف صريح في التعامل مع الناس، سريع الغضب، جرئ، متقلب المزاج .. إذا تملقته ولاطفته كان سلس القياد، إن مزاج جون يعتمد كثيرًا على الهواء، فيرق مزاجه أو يتكدر تبعًا لحالة الجو. وكان جون ذكيًا. يدرك مهمته تمام الإدراك، ولكن ليس على قيد الحياة إنسان أشد منه إهمالًا في إمعان النظر في حساباته، ولا أكثر انخداعًا بشركائه أو غلمانه أو خدمه. ذلك لأنه رقيق مرح، مولع بالخمر واللهو والتسلية. والحق أنه لا يوجد إنسان أشد عناية ببيته ولا أكثر سخاء في الإنفاق من جون (٤٧) ".
وماذا عسى أن يقول سير وليم تمبل إذا وجد أنه اختزل في فقرة من فصل بلغ الذروة بسكرتيره؟ ربما قال- إذا سمحت له آدابه الرفيعة - إن المؤرخين أهملوه لأنه لم يحتفظ بامرأتين تطمعان في الزواج، حتى قضت
[ ٣٢ / ٢٤٢ ]
إحداهما نحبها، وأنهكت الأخرى، أو لأنه لم يبع قلمه لوزراء المحافظين استياء من الأحرار، أو لأنه لم يغمس هذا القلم في ذم البشر، ولكن خدم وطنه في هدوء بدبلوماسية ناجحة، وفي عصر ساده الفساد والفجور، ضرب لإنجلترا مثلًا صادقًا غير مصطنع لحياة أسرية تزينها الحشمة والوقار. وظل لمدة سبع سنين يتودد إلى دوروثي أوزيورن التي أصبحت رسائلها الرقيقة إليه قطعًا من الأدب الإنجليزي (٤٨) وارتضته زوجًا لها رغم معارضة أسرتيهما. وتزوجها بعد أن شوه الجدري جمالها. ودخل تمبل معترك الحياة السياسية، ولكنه آثر الأعمال التي نأت به عن حمى لندن، وتجنب "العبودية المضنية التي تثير البغض والحسد، والتي تحصى فيها الحركات والسكنات، والتي يطلقون عليها من قبيل السخرية والاستهزاء، والسلطة والنفوذ (٤٩). وكان من أوائل، من حذروا من أطماع لويس الرابع عشر التوسعية، وكان المخطط الرئيسي للحلف الثلاثي الذي وقف في طريق الملك الفرنسي ١٦٦٨، وعرضت عليه الوزارة في ١٦٧٤ و١٦٧٧ ولكنه آثر منصبه الدبلوماسي في لاهي. وأدت مفاوضاته الموسومة بالحصافة والنظر الثاقب إلى زواج ماري ابنة جيمس الثاني من وليم الثالث الذي أصبح ملكًا فيما بعد. وهو الزواج الذي مهد الطريق "للثورة الجليلة". وفي ١٦٨١ اعتزل السياسة وانصرف إلى الدراسة والتأليف في "موربارك" ضيعته في "سري" وحسبه سويفت جامدًا متحفظًا، على أنه ملاك الرحمة والكياسة واللطف. وأهم أبحاثه "المعرفة قديمها وحديثها" (١٦٩٠)، الذي رفع فيه من ذكر الأقدمين وانتقص من قدر العلم الحديث والفلسفة الحديثة، في شخص نيوتن وهويز وسبينوزا وليبنتز ولوك. وتصيد بنتلي الكاتب خطأً جسيمًا. فآوى سير وليم إلى حديقته، وتسلى بأبيقور ولسوف نلتقي به ثانية.
[ ٣٢ / ٢٤٣ ]