تألقت في الكريكرز كل فضائل البيوريتانيين، وهم فرع منهم، ولو أخفاها لبعض الوقت الخيال الجامح والتعصب الأعمى. وكانت خشية الله والخوف من الشيطان قويين جدا فبهم إلى حد يصيب أجسامهم برعدة. وقال واحد منهم هو روبرت باركلي ١٦٧٩.
أن قوة الله سوف تقتحم الاجتماع الشامل، ومن ثم سوف يكون هناك جهد باطني، حين يحاول كل فرد أن يقهر قوى الشر في النفوس، إلى حد أنه بأعمال هاتين القوتين المتعارضتين، وكأنهما تياران متضادان، بجهد الإنسان وكأنه في يوم المعركة، ومن هذا يكون اهتزاز الجسم وحركته في معظم الناس إن لم يكن كلهم وهي هزات وحركات، تنتهي بعد أن تسود قوة الحق، من الوخزات والأنات، بصوت رخيم من الشكر والحمد. ومن هنا أطلق اسم الكويكرز، أي المهتزين علينا، وكان هذا من باب اللوم والتأنيب والسخرية في بداية الأمر (٥٠).
وتفسير مؤسس الطائفة جورج فوكس يختلف اختلافًا يسيرًا عن هذا
[ ٣٢ / ٢٧ ]
إن القاضي بنت دن دربي هو أول من أطلق علينا هذا الاسم، لأننا كنا نأمرهم بالاهتزاز عند ذكر كلمة الله. وهذا كان في ١٦٥٠ (٥١) أما الاسم الذي أطلقوه هم أنفسهم على طائفتهم فكان "أنصار الحق". وبعد ذلك أكثر تواضعا، فقالوا "مجتمع الأصحاب".
وواضح أنهم كانوا في بداية الأمر بيوريتانيين، مع اقتناع شديد بصفة خاصة بأن ترددهم بين الفضيلة والخطيئة لم يكن إلا صراعا، في عقولهم وأجسامهم، بين قوتين روحيتين، قوة الخير وقوة الشر، تحاول كل منهما أن تسيطر عليهم هنا، وإلى مالا نهاية. إنهم تقبلوا المبادئ الأساسية عند البيوريتانيين: نزول الأسفار المقدسة عن طريق الوحي الالهي، خطيئة آدم وحواء، كون الإنسان خطاء بطبيعته، موت المسيح بن الله لتخليص البشر، إمكان نزول الروح القدس من السماء لتنوير نفس الإنسان وتشريفها. أن إدراك هذا "النور الباطن"، والإحساس به والترحيب بإرشاده وتوجهيه، كان جوهر الدين عند الكويكرز. وإذا نهج الإنسان سنن ذاك "النور" لم تعد به حاجة إلى واعظ أو كنيسة. فان إذا "النور" أسمى من العقل البشري، بل من الكتاب المقدس نفسه، لأنه صوت مباشر من عند الله إلى النفس.
لم يتلق جورج فوكس من التعليم إلا أيسره ولكن "مذكراته" التي دبجها من الآثار الأدبية في الانجليزية، التي تكشف عن القوة الأدبية في الكلام غير الأدبي، إذا كان بسيطا جادا مخلصا وكان جورج ابن أحد النساجين، والتحق للعمل بمصنع أحذية، ثم ترك سيده وأقرباؤه، "بأمر من الله" وبدأ في سن الثالثة والعشرين (١٦٤٧)، الوعظ المتجول الذي لم يتوقف إلا بوفاته (١٦٩١). وفي سنيه الأولى حيرته وأقضت مضجعه المغربات فراح يلتمس النصح والمشورة لدى رجال الدين، فأشار عليه أحدهم بالدواء وفصد الدم، وأوصاه آخر بالتدخين وتلاوة الترانيم
[ ٣٢ / ٢٨ ]
الدينية (٥٢). وفقد جورج ثقته بالقساوسة، ولكنه وجد السلوى والعزاء حيثما فتح الكتاب المقدس.
غالبا ما حملت الكتاب المقدس وقصدت لآخذ مكاني في إحدى الأشجار المجوفة في مكان منعزل حتى يرخى الليل سدوله، وكثيرًا ما سرت في الليل محزونا وحدي، لأني كنت رجلا مثقلًا بالأحزان في أيام أعمال الله الأولى في نفسي .. ثم وجهني الله إلى الطريق، ويسر لي إدراك حبه، وهو حب خالد لا نهاية له، يفوق كل معرفة تتيسر للناس في حالتهم الطبيعية أو يمكنهم الحصول عليها من صفحات من التاريخ أو من بطون الكتب (٥٣).
وسرعان ما أحس بأن الحب الإلهي قد اختاره ليبشر الجميع بالنور الباطن ويعظهم. وفي اجتماع الأنصار العماد في لبسترشير "حل الله عقدة لساني فأعلنت لهم جميعا الحقيقة الخالدة، وظللتهم جميعا قوة الله (٥٤) "وذاع عنه أنه يتمتع "بروح بصيرة"، ومن ثم جاء الناس أفواجا ليستمعوا إليه. "حلت قوة الله وكان لها إيحاءات وإلهامات وتنبؤات عظيمة (٥٥) ". بينما كنت أسير في الحقول قال لي الله: اسمك مكتوب في سجل الحياة لدى المسيح، الذي وجد قبل خلق العالم (٥٦). أي أن جورج قر الآن عينا بما وقر في نفسه من أنه بين القلة التي اختارها الله قبل الخليقة، لتتلقى نعمته ورحمته وبركته الأبدية. وأحس آنذاك أنه مساو لأي إنسان. ومنعه زهوه بهذا الاصطفاء الإلهي من "أن أخلع قبعتي لأي من كان: حقيرًا أو أميرًا، وأنتم في حاجة إلى، أيها الرجال والنساء، دون اعتبار لغني أو فقير، وعظيم أو حقير (٥٧) ".
وإذا اقتنع بأن الدين الحق لا يوجد في الكنائس بل في القلب المستنيرة، فإنه دلف إلى كنيسة في نوتنجهام وقاطع الموعظة صائحا بأن الاختبار الحق ليس في الأشعار المقدسة بل في "النور الباطن". وقبض عليه في
[ ٣٢ / ٢٩ ]
١٦٤٩، ولكن عمدة البلدة أطلق سراحه، وصارت زوجة هذه العمدة من أول المعتنقين. وأستأنف فوكس جولاته التبشيرية ودخل كنيسة أخرى وهناك كما قال "دفعت لأعلن الحق للكاهن والناس، ولكنهم انهالوا علي "في غضب شديد وطرحوني على الأرض. وضربوني ضربا مبرحًا وآذوني إيذاء شديدا بأيدهم وكتبهم المقدسة وعصيهم" فاعتقل مرة ثانية، وأخلى الحاكم سبيله، ولكن الأهالي قذفوه بالحجارة إلى الخارج البلدة (٥٨). وفي دربي تحدث مهاجما الكنائس والأسرار المقدسة على أنها تقرب لإغناء فيه إلى الله. فحكم عليه بالإقامة في الإصلاحية لمدة ستة شهور (١٦٥٠)، وعرضوا عليه إخلاء سبيله شريطة الالتحاق بخدمة الجيش، فكان جوابه مهاجمة فكرة الحرب. عند ذلك أودعه سجانوه معتقلا قذرا كريه الرائحة غائرا في الأرض، ليس فيه فراش، مع ثلاثين من المجرمين، "حيت قضيت قرابة نصف عام (٥٩). ومن سجنه كتب إلى القضاة وبالحكام معترضا على عقوبة الإعدام. وربما ساعدت شفاعته على إنقاذ امرأة شابة محكوم عليها بالإعدام بتهمة السرقة من حبل المشنقة.
وبعد عام قضاه في السجن استأنف التجوال لنشر تعاليمه. وفي ويكفيلد حول جيمس نايلر، وفي بفرلي دخل كنيسة، وجلس منصتا حتى انتهت الموعظة ثم سأل الواعظ: هل لم يشعر بالخجل "حين يتقاضى ثلاثمائة جنيه سنويا ليبشر بالأسفار المقدسة (٦٠)؟ "وفي بلدة أخرى دعاء القسيس لإلقاء عظة في الكنيسة فأبى، ولكنه تحدث في فنائها إلى جمع من الناس.
أعلنت إلى الناس أني لم أحضر لأعترض سبيل معابدهم الوثنية ولا قساوستهم، ولا عشورهم … ولا احتفالاتهم وتقاليدهم اليهودية الوثنية لأني أنكرت هذا كله. وقلت لهم أن هذا المكان ليس أكثر قدسية من أي مكان آخر .. لذلك نصحت الناس أن ينبذوا كل هذه
[ ٣٢ / ٣٠ ]
الأشياء، وأرشدهم إلى روح الله ونعمته فيهم أنفسهم، وإلى نور المسيح في قلوبهم (٦١).
وفي سوورثمور في يوركشير حول إلى مذهبه مرجريت فل، ثم زوجها القاضي توماس فل، وأصبحت دارهما، قاعة سوورثمور، أول مركز أساسي لاجتماع الكويكرز، وهو إلى يومنا هذا مزار يحج إليه الأصحاب.
وليس علينا أن نتبع قصة فوكس إلى أبعد من هذا. وكانت أساليبه فجة غير ناضجة ولكنه عوض بما تذرع به من صبر وجلد في ملاقاة سلسلة الإعتقالات والصدمات العنيفة، وهاجمه البيوريتانيون والمشيخيون والأنجليكانيون، لأنه نبذ الأسرار المقدسة والكنائس والقساوسة. وأرسل الحكام الكويكرز إلى السجون، لا لأنهم انتهكوا حرمة العبادات العامة وأغروا الجنود بالكف عن الاشتراك في الحرب، فحسب، بل كذلك لأنهم رفضوا تأدية يمين الولاء للحكومة. واحتج الكويكرز بأن اليمين أيا كانت عمل غير أخلاقي، ويكفي القول (بنعم) أو (لا). وتعاطف كرومول مع الكويكرز، واجتمع مع فوكس في لقاء ودي (١٦٥٤) وقال له عند انصرافه: "تعال إلي ثانية أننا، أنت وأنا، لو اجتمعنا ساعة من نهار، لاقترب الواحد منا من الآخر" (٦٢). في ١٦٥٧ أصدر (حامي الحمى) توجيهاته بالإفراج عن المسجونين من الكويكرز، كما أصدر تعليماته إلى القضاة بأن يعاملوا هؤلاء الوعاظ الذين لا كنائس لهم على انهم (أشخاص واقعون تحت تأثير وهم شديد) (٦٣). إن أسوأ اضطهاد وأشده هو ما أصاب شيعه جيمس تايلر الذي بلغ به الأيمان بنظرية النور الباطن، حد الاعتقاد أو الادعاء بأنه هو المسيح مجسدا من جديد، وأنبه فوكس على هذا ولكن بعض أتباعه المخلصين الغيورين عبدوهن وأكدت إحدى النسوة أنه أعادها إلى الحياة بعد أن ظلت يومين في عداد الموتى: وعندما ركب تايلر إلى بريستول، ألقت
[ ٣٢ / ٣١ ]
النسوة بأوشحتهن أمام جواده وأنشدن: "مقدس، مقدس، مقدس رب القربان المقدس" وقبض عليه بتهمة التجديف. ولما سألوه عن دعاواه أو الدعاوى التي نسبوها إليه، لم يكن جوابه سوى جواب المسيح "أنت قلت" وعرض البرلمان إذ ذاك، وكان البيوريتانيون يسيطرون عليه لقضية تايلر (١٦٥٦) وظل أحد عشر ويما يناقش موضوع إعدامه. وسقط القرار بأغلبية ٩٦ ضد ٨٢ صوتا. ولكن سادت روح تنادي بحل وسط إنساني فحكم عليه يقف ساعتين كاملتين وعنقه في آلة التعذيب (المشهرة)، ويجلد ١٣٠ جلدة، وتدمغ جبهته بالحرف الأول من لفظة مجدف (B في الإنجليزية)، وأن يثقب لسانه بقضيب من الحديد المحمي، واحتمل هذه الفظائع بشجاعة. وحياه أتباعه على أنه شهيد، وقبلوا جراحه وامتصوها واحتجزوه وحيدا في معتقل لا قلم ولا ورق ولا تدفئة ولا ضوء فيه وانهارت روحه المعنوي يوما بعد يوم، فاعترف بأنه غرر به، فأفرج عنه في ١٦٥٩، وقضى نحبه فقيرا معدما في ١٦٦٠ (٦٤).
ولقد تميز الكويكرز بما بدا لبعض معاصريهم بأنه أشياء غريبة تثير المتاعب. إنهم لم يجيزوا أي أثر للزخرف والتبرج في ملابسهم. وأبوا أن يخلعوا قبعاتهم لأي إنسان مهما كانت مكانته، حتى في الكنيسة أو القصر أو المحكمة. ولم يخاطبوا أي فرد بغير ضمير المفرد (أنت) بدلا من ضمير الجمع (أنتم) الذي يوحي أصلا بالتشريف والتكريم. ونبذوا الأسماء الوثنية لأيام الأسبوع وشهور السنة، فكانوا يقولون على سبيل المثال: "اليوم الأول من الشهر السادس" وأقاموا الصلوات في العراء أو بين الجدران بنفس السهولة واليسر وطيب النفس، وكان كل فرد من المصلين يدعى ليخبر بما أوحي به إليه الروح القدس أن يقول، ثم يروج الجميع بعد ذلك في صمت رهيب يكلله الجلال والوقار، وكأنما هذا الصمت عقار مهدئ مسكن بعد نوبة الحماس والغيرة - وهو صمت يعني في أساسه عندهم "إحساس بروح خيرة في أعماقهم". ورخص للنساء في الصلاة
[ ٣٢ / ٣٢ ]
الزوجية فوق أي لوم أو أية شائبة. وحد تكاثرهم ما تواضعوا عليه من الزواج بعضهم من بعض، وعلى الرغم من ذلك بلغ عدد الكويكرز في ١٦٦٠ في إنجلترا ستين ألف "صاحب" إن ما اشتهروا من أمانة وكياسة وجد وبعد عن الإسراف، ارتفع بهم من المراتب الوضيعة التي ظهروا فيها أول ما ظهروا إلى القبعات الوسطى التي ينتسب معظمهم الآن إليها.