لم يكن لويس بالرجل الخليع الفاجر، وعلينا أن نذكر دائمًا ونحن في معرض الحديث عن الملوك حتى إلى قرننا هذا، أن العرف اقتضاهم أن يضحوا بميولهم الشخصية ليعقدوا زيجات منفعة سياسية للدولة، ومن ثم كان المجتمع-والكنيسة أحيانًا كثيرة-يغضان إذا التمس الملك متعة الجنس وشاعرية الغرام عن الرباط الزوجي. ولو كان الأمر بيد لويس لبدأ حياته بزواج حب، فقد استهواه جمال ماري مانشيني ابنة أخ مازاران، وظرفها، فرجا أمه والكردينال أن يسمحا له بالزواج منها (١٦٥٨)، ولكن آن النمساوية وبخته لأنه سمح للعاطفة بأن تتدخل في شؤون السياسة، أما مازاران فقد أبعد ماري آسفًا لتتزوج رجلًا من آل كولونا، ثم راح الوزير الداهية يستخدم نفوذه الخفي ليحصل على
[ ٣١ / ٥٧ ]
عروس للويس هي ماريا تريزا، ابنة فيليب الرابع. أفليس من الجائز، إذا انقطع نسل الذكور في الملوك الأسبان، أن تأتي هذه الأميرة بأسبانيا كلها مهرًا لملك فرنسا؟ وهكذا زف لويس إلى ماريا في ١٦٦٠، وكلاهما في الثانية والعشرين، في كل البهاء والبذخ الذي سحر دافعي الضرائب.
أما ماري تريز فكانت امرأة متكبرة، ورعة فاضلة، وقد أعانت قدوتها ونفوذها على إصلاح أخلاقيات البلاط، على الأقل بين حاشيتها، ولكن النظام الصارم الذي نشئت عليه جعلها مكتئبة متبلدة، وكانت شهيتها القوية تزيدها حجمًا في الوقت الذي ترمق فيه حسناوات باريس زوجها الوسيم بنظرات الغرام وقد أنجبت له ستة أطفال، لم يتجاوز الطفولة منهم غير واحد هو الدوفن، وكان من سوء طالعها أن يكتشف لويس، في نفس سنة زواجهما، في زوجة أخيه هنرييتا آن، جميع المفاتن التي تجمل الأنوثة الغضة.
أما هنرييتا هذه فهي ابنة تشالز الأول ملك إنجلترا؛ وكانت أمها هنريتا ماريا "ابنة هنري الرابع ملك فرنسا" قد قاسمت زوجها مأساة الحرب الأهلية، فلما دنا جيش البرلمان من مقر قيادة تشالز في أكسفورد، فرت ملكة إنجلترا إلى أكسترا، وهناك اشتد بها المرض حتى أشرفت على الموت، ولدت (١٦٤٤) "أميرة صغيرة جميلة" (^١). وراح أعوان البرلمان يتعقبون الأم المريضة، ففرت ثانية، وتسللت إلى ساحل البحر، حيث استقلت سفينة هولندية إلى فرنسا بعد أن أفلتت بالجهد من المدافع الإنجليزية. أما الطفلة التي تركتها أمها في رعاية الليدي آن دولكيت، فقد عاشت عامين في مخبئها بإنجلترا قبل أن تهرب هي أيضًا عبر المانش في
_________________
(١) روت مدام دمونتسبان. التي لم تخل من تحيز في مذكراتها، كيف أهدى أمير أفريقي قزمًا زنجيًا لماري، وكيف ولدت ماري "بنتًا جميلة صحيحة الجسم، سوداء من قمة رأسها إلى أخمص قدمها" وعزت الملكة هذا اللون إلى خوفها من القزم خلال حملها، وأذاعت "غازيته" باريس أن الفتاة ماتت عقب ولادتها، ولكن يبدو أنها عاشت، وربتها أسرة ملونة، وأصبحت راهبة. (١٠٢)
[ ٣١ / ٥٨ ]
أمان، وما لبثت أن أكرهتها الظروف على معاناة التقلبات التي جاءت بها حرب الفروند. ففي يناير ١٦٤٠ شاركت أمها وآن النمساوية في هروبهما من باريس المملوءة بالمتاريس إلى سان-جرمان، وفي ذلك الشهر جاء نبأ-أخفي عنها ولا ريب حينًا-بأن أباها ضَرب عنقه أنصار كرومويل "ذوو الرءوس المستديرة" المنتصرون فلما خفت حدة الفروند، قامت أم الأميرة هنرييتا على تربيتها في جو من الدعة والتقوى، وعاشت كلتاهما حتى رأتا تشالز الثاني إلى العرش الإنجليزي (١٦٦٠)، وبعد عام حين بلغت السادسة عشرة، تزوجت شقيق لويس الرابع عشر، "مسيو" فيليب دوق أورليان، وأصبحت تلقب بالـ "مدام".
أما "المسيو" فكان رجلًا قصيرًا مكور البطن، يلبس حذاءًا عاليًا، ولوعًا بحلي الإناث؛ وأجساد الذكور، شجاعًا كأي فارس في ساحة الوغى ولكنه مزوق، معطر، موشح، مرصع بالجواهر كأشد النساء غرورًا، في هذا البلد الذي كان أكثر بلاد الله غرورًا. وقد أحزن هنرييتا وأخجلها أن ترى زوجها يؤثر صحبتها صحبة شفالييه اللورين، وشفالييه شاتيون. ووقع في غرامها كل إنسان تقريبًا، لا لجمالها الهش فحسب-مع أنها عدت أجمل مخلوق في البلاط (١٠٣) -، بل لما هو أكثر من ذلك، لروحها الرقيقة اللطيفة، وحيويتها ومرحها الشبيهين بحيوية الأطفال ومرحهم. وللنسيم النظر المنعش الذي حملته أينما ذهبت، وقد وصفها راسين بـ"الحكم في كل جميل (١٠٤) "- وكان واحدًا من كثيرين ممن ألهمتهم ومدت لهم يد المعونة.
ووجدها لويس الرابع عشر لأول وهلة أضعف وأنحف من أن تسيغها فتوته وذوقه، ولكنه حين أحس آخر الأمر بما في خلقها من "حلاوة وضياء" (١٠٥) استشعر المتعة المتزايدة في وجودها، وأبهجه أن يراقصها، ويمازحها، ويدبر الألعاب معها، ويصاحبها في التمشي في البستان في فونتنبلو
[ ٣١ / ٥٩ ]
أو ركوب الزورق في القناة، حتى زعمت باريس كلها أنها بدت خليلته، ورأت في هذا انتقامًا عادلًا من "ملك سدوم" (١٠٦) ولكن أغلب الظن أن باريس أخطأت الحكم. فلقد أحبها لويس واشتهاها من جانبه، أما هي، التي بذلت إخلاصها في الحب لأخويها تشالز وجيمس، فقد قبلت الملك أخًا آخر، واتخذت من ربط الثلاثة جميعًا برباط التحالف أو المودة رسالة لها في الحياة.
ففي سنة ١٦٧٠، وبناء على طلب لويس، عبرت المانش إلى إنجلترا لتقنع تشالز بالانضمام إلى فرنسا ضد هولندا، لا بل لتحضه على الجهر بكثلكته. وقد وعد بهذا في معاهدة دوفر السرية (١ يونيو ١٦٧٠)، وعادت هنرييتا إلى فرنسا محملة بالهدايا مكللة بالنصر، ولكن ما مضت أيام على وصولها إلى قصرها في سان- كلو حتى أصابها مرض شديد، فظنت أنها سممت، وكذلك اعتقدت باريس كلها، وهرع الملك والملكة إلى فراشها. وكذلك فعل "المسيو" النادم؛ وكونديه، وتورين، ومدام دي لافاييت، ومدموازيل دمونبانسييه، وأتى بوسويه ليصلي معها، وأخيرًا في ٣٠ يونيو، انتهى عذابها، وكشف فحص جثتها عن أن موتها لم يكن بالسم بل بالالتهاب البريتوني (١٠٧)، وشيعها لويس بمشهد لا يشيع بمثله غير أصحاب الرءوس المتوجة، وألقى بوسيه فوق جثمانها في كنيسة سان-دني عظة جنائزية رجت أصداءها القرون.
وهنرييتا هي التي أعطت الملك أولى خليلاته الأكثر علانية. وقد ولدت هذه المرأة، واسمها لويز دي لا فاليير، في مدينة تور عام ١٦٤٤، وتلقت في إيمان مستسلم ذلك التعليم الديني الذي قامت عليه أمها وخالها الكاهن، الذي أصبح فيما بعد أسقفًا لنانت، وما أن بلغت سن التناول الأول حتى مات أبوها، فتزوجت أمها من جديد، وكان الزوج رئيسًا لخدم جاستون دوق أورليان، فحصل للويز على وظيفة وصيفة لبنات الدوق، فلما
[ ٣١ / ٦٠ ]
مات جاستون، وتزوج ابن أخيه وخليفته فيليب، أخذ لويز معه وصيفة شرف لهنرييتا (١٦٦١). وبهذا الوصف كانت ترى الملك مرارًا كثيرة. وبهرها بهاؤه وسلطانه وسحر شخصيته، فوقعت في غرامه كما وقعت عشرات النساء، ولكنها لم تحلم بالتحدث إليه يومًا.
كان جمالها جمال الخلق أكثر منه جمال الجسد، كانت رقيقة الصحة وبها عرج خفيف، "وليس لها صدر يؤبه به" على حد قول أحد ناقديها، وكانت نحيفة إلى حد مخيف، ولكن ضعفها هذا كان في ذاته فتنة، لأنه أورثها تواضعًا ودماثة في الطبع أسر الجميع حتى النساء، ولفتت هنرييتا نظر الملك إلى لويز لتصرف الناس عن الشائعات التي أرجفت بأنها هي ذاتها خليلته، وأفلحت الخطة فوق ما أرادت، فقد جذبت لويس هذه الفتاة الخجولة ذات السبعة عشر ربيعًا، التي كان البون شاسعًا بينها وبين النبيلات المتغطرسات العدوانيات اللائى يحطن به في بلاطه. وذات يوم وجدها وحيدة في حدائق فونتنبلو، فقدم نفسه إليها، مضمرًا نيات ليست بالشريفة جدًا. وفاجأته بالاعتراف بأنها تحبه، ولكنها قاومت إلحافه طويلًا، وناشدته ألا يحملها على خيانة هنرييتا والملكة، ولكن ما وافى شهر أغسطس ١٦٦١ حتى كانت قد غدت خليلته، لقد كان كل شيء يبدو حسنًا مادام يرضي مشيئة الملك.
ثم وقع الملك بدوره في غرامها، فما كان يستشعر السعادة كما يستشعرها مع هذا الفرخ الخجول، وخرجًا في نزهات خلوية كالأطفال، ورقصا في المراقص، وطفرا مرحًا في حفلات الباليه، وكانت إذا خرجت إلى جواره في الصيد تنسى ما في طبعها من إحجام وتردد، وتركب في تهور واندفاع "فيعجز حتى الرجال عن اللحاق بها" (١٠٨) على حد قول الدوق دانجيان. على أنها لم تستغل انتصارها، فأبت قبول الهدايا أو الاشتراك في الدسائس، وظلت متواضعة رغم زناها، وكانت تخجل من وضعها، وقد تعذبت حين
[ ٣١ / ٦١ ]
قدمها الملك إلى الملكة، وولدت له عدة أطفال، مات اثنان منهم في تاريخ مبكر، أما الطفلان الثالث والرابع، اللذان تقررت شرعيتهما بمرسوم ملكي، فقد أصبحا الكونت دفيرماندوا، والمدموازيل دبلوا الرائعة الجمال. وخلال أزمات الولادة هذه كانت ترى وجوهًا أجمل من وجهها تجتذب الملك، ولم تحل سنة ١٦٦٧ حتى تعلق قلبه بمدام دمونتسبان، وبدأت لويز تفكر في التفكير عن آثامها بقضاء ما بقي من عمرها في دير للراهبات.
وآنس لويس هذا الميل فيها، فبذل لها الكثير من علامات حبه الباقي، وفكر في الحفاظ عليها في دنياه بخلع لقب الدوقية عليها، ولكنه بين اشتغاله بحب مونتسبان، واستغراقه في الحرب، قل شيئًا فشيئًا ما منحها من وقته، أم هي فلم تأبه في البلاط بإنسان غيره. وفي ١٦٧١ تخلت عن ثروتها، وارتدت أبسط ما وجدت من ثياب، وتسللت من القصر صباح يوم من أيام الشتاء، وهربت إلى دير القديسة ماري-د-شايو-، وأرسل لويس من يبحث عنها مؤكدًا حبه وعذابه، وإذ كانت لا تزال عذراء غريرة بعقلها، فقد ارتضت أن تعود إلى البلاط. وظلت هناك ثلاث سنين أخرى، ممزقة بين حبها للملك وشوقها للتطهير والسلام الدينيين، وكانت تمارس في القصر تقشف الحياة الديرية، وأخيرًا أقنعت الملك بأن يفرج عنها، ودخلت ديرًا للراهبات الكرمليات الحافيات في شارع دانفير (١٦٧٤)، وتسمت الأخت لويز دلا ميزيريكورد، وعاشت هناك في توبة الزهاد ما بقي لها من عمر طوال ستة وثلاثين عامًا، قالت: "إن نفسي شديدة القناعة، بالغة السكينة؛ لأني أعبد جود الإله" (١٠٩).
أما خليفتها في الحظوة لدى الملك فلا تظفر من الناس بمثل هذا الغفران العام. فقد قدمت فرنسواز أتينايس روسشوار البلاط في ١٦٦١، وخدمت الملكة وصيفة شرف، وتزوجت المركيز دمونتسيان (١٦٦٣). ويزعم
[ ٣١ / ٦٢ ]
فولتير أنها إحدى ثلاث كن أجمل نساء فرنسا، أما الأخريان فأختاها (١١٠). وكان لها غدائر مجعدة شقراء مرصعة باللآلئ، وعينان أبيتان ناعستان، وشفتان شهوانيتان، وثغر ضاحك، ويدان ملاطفتان، وبشرة في لون الزنبق ونسيجه-كذلك وصفها معاصروها وهم مبهورون، وكذلك صورها هنري جاسكار في لوحة مشهورة. وكانت تقية، تحفظ أيام الصوم دون تهاون، وتختلف إلى الكنيسة في تعبد وتكرار، لها طبع حاد وذكاء بتار، ولكن هذا كان أول الأمر من قبيل التحدي.
روى عنها ميشليه قولها إنها قدمت باريس مصممة على اقتناص الملك (١١١). ولكن سان-سيمون يذكر أنها حين رأت أنها أخذت تزيد من سرعة نبض الملك رجت زوجها في أن يعود بها فورًا إلى بواتو (١١٢). ولكنه أبى، واثقًا من سلطانه عليها، متعلقًا بعبير البلاط. وذات ليلة في كومبيين، ذهبت لتنام في حجرة مخصصة عادة للملك. وحاول برهة أن ينام في حجرة مجاورة، ولكنه وجد في هذا مشقة، وأخيرًا استولى على حجرته وعليها (١٦٦٧). أما المركيز فحين بلغه الأمر لبس ثوب الترمل، وجلل مركبته بالسواد، وزين أركانها بالقرون. وكتب لويس بيده وثيقة الطلاق بين المركيز والمركيزة، وأرسل إليه ١٠٠. ٠٠٠ ايكو، وأمره بالرحيل عن باريس، وابتسم البلاط الذي تجرد تمامًا من الخلق الكريم.
وظلت مدام دمونتسبان محظية للملك سبعة عشر عامًا. وقد أعطت لويس مالم تستطعه لافاليير-أعطته الحديث الذكي والحيوية المثيرة. وكانت تفاخر بأنها هي وتبلد الحسن لا يمكن أن يجتمعا في مكان واحد وزمان واحد، وهو قول صحيح. وقد أنجبت للملكة ستة أطفال-أحبهم وشكر لها صنيعها، ولكنه لم يستطع أن يقاوم إغراء النوم من حين إلى حين مع مدام دسويير أو مع الآنسة الشابة دسكوراي دروسيل، التي خلع عليها لقب دوقة فونتانج. وقد حدت هذه الانحرافات بمدام دمونتسبان إلى
[ ٣١ / ٦٣ ]
التماس نصيحة المشعوذات في أمر الأشربة السحرية وغيرها من الوسائل للاحتفاظ بحب الملك، ولكن القصة التي زعمت أنها دبرت تسميمه أو تسميم غريماتها هي في أغلب الظن أسطورة روجها أعداؤها (١١٣).
وقد جنى عليها أطفالها. ذلك أنها احتاجت إلى شخص يرعاهم، وزكى لها بعضهم مدام سكارون، فاستخدمتها، ولاحظ لويس حسن المربية وهو يختلف لرؤية أطفاله. أما مدام سكارون هذه، واسمها قبل الزواج فرنسواز دوبينيه، فكانت حفيدة تيودور أجريبا دوبينيه، المساعد الهيجونوتي لهنري الرابع، وقد ولدت بسجن بنيور في بواتو، حيث كان أبوها يقضي فترة من فترات سجنه الكثيرة عقابًا له على جرائم مختلفة، وعمدت كاثوليكية، وربيت بين الفوضى والفقر المخيمين على أسرة منقسمة. وعطف عليها بعض البروتستانت وأطعموها وثبتوها في العقيدة البروتستانتية تثبيتًا جعلها تولى ظهرها للمذبح الكاثوليكي. فلما بلغت التاسعة أخذها أبوها إلى المارتنيك حيث أشرفت على الموت لصرامة التأديب الذي أدبته أمها. ومات الأب بعد عام (١٦٤٥)، فعادت الأرملة وأطفالها الثلاثة إلى فرنسا. وفي ١٦٤٩ أودعت فرنسواز ديرًا للراهبات بعد أن عادت إلى الكاثوليكية، وكانت تناهزت الرابعة عشرة آنئذ، وتكسب قوتها بأداء الأعمال الحقيرة. ولهلنا ما كنا لنسمع بها قط لولا أنها تزوجت بول سكارون.
وما بول هذا فكان كاتبًا مشهورًا، وظريفًا لا معًا، مشلولًا شللًا كاد يكون تامًا، مشوهًا تشويهًا بشعًا. وإذ كان ابنًا لمحامٍ نابه، فقد توقع النجاح في حياته العملية، ولكن أباه الأرمل تزوج ثانية، ونبذت الزوجة الجديدة بول، فلم يظفر من أبيه إلا بمعاش ضئيل لا يكفيه إلا للترفيه ليلة عن ماريون ديلورم وغيرها من النبيلات. ثم أصيب بالزهري، وأسلم نفسه لأحد الدجالين، وتعاطى العقاقير القوية التي أتلفت جهازه العصبي. وأخيرًا اشتد به الشلل حتى كاد يعجز إلا عن تحريك يديه. وقد وصف نفسه في هذه
[ ٣١ / ٦٤ ]
العبارات: "سأصف نفسي لك أيها القارئ على قدر استطاعتي. لقد كان جسمي حسن التكوين رغم قصر قامتي. ولكن العلة قصرتني بقدم كامل. ورأسي أكبر قليلًا مما يناسب جسمي. ووجهي ممتلئ، أما جسدي فهيكل عظمي. وبصري لا بأس به، ولكن عيني بارزتان، وإحداهما منخفضة عن الأخرى. وقد كونت ساقاي وفخذاي أول الأمر زاوية منفرجة، ثم قائمة، وأخيرًا حادة، وتكون فخذاي وجسمي زاوية حادة أخرى، وانحناء رأسي فوق معدتي يجعلني أقرب إلى حرف Z. وقد انكمش ذراعاي كما انكمش ساقاي، وكذلك فعلت أصابعي. جملة القول أنني خلاصة للتعاسة البشرية (١٤٤) ".
وقد تعزى عن تعاسته تلك بتأليفه "رواية مضحكة" عن متشرد (١٦٤٩) لقيت نجاحًا كبيرًا، وبعرضه هزليات ساخرة صاخبة الفكاهة، فاضحة النكتة. وأكرمته باريس لأنه احتفظ بمرحه وسط آلامه، وأجرى عليه مازاران وآن النمساوية معاشين فقد الحق فيهما لتأييده للفروند. وكسب كثيرًا، وأنفق أكثر، وتورط غير مرة في الدين. وكان- وهو مسنود داخل صندوق يطل منه رأسه وذراعاه-يرأس في حيوية وعلم غزير صالونًا من أشهر صالونات باريس. فلما تكاثرت ديونه، كان يتقاضى ضيوفه ثمن طعامهم، ومع ذلك كانوا يأتون.
ترى من يتزوج رجلًا كهذا؟ في سنة ١٦٥٢، كانت فرنسواز دوبينيه التي بلغت السادسة عشرة من عمرها تعيش مع قريبة بخيلة ضنت بالإنفاق عليها حتى لقد اعتزمت أن ترد فرنسواز إلى أحد أديار الراهبات. وقد صديق هذه الفتاة إلى سكارون، فاستقبلها في كرم مؤلم، وعرض أن يدفع نفقات طعامها وسكنها في الدير، لكي يعفيها من نذر الرهبنة، ولكنها أبت. وأخيرًا عرض أن يتزوجها، وأوضح لها بجلاء أنه لا يستطيع أن يطالبها بحقوق الزوج. فقبلته، وخدمته ممرضة وسكرتيرة، وقامت بدور المضيفة
[ ٣١ / ٦٥ ]
في صالونه، وتظاهرت بأنها لا تسمع توريات الضيوف. وكان ذكاؤها يدهشهم حين تشترك في الحديث. وقد خلعت على اجتماعات سكارون درجة من الاحترام كفت لجذب الآنسة دسكودري، ومدام دسفينيه بين آن وآخر، وكان من زوار الصالون قبل ذلك نينون، وجرامون، وسانت- إفرمون. وفي رسائل نينون إلماع إلى أن مدام سكارون لطفت من عذاب هذا الزوج البريء من الجنس بعلاقة غرام، ولكن نينون ذكرت أيضًا أنها "كانت فاضلة لضعف عقلها. لقد أردت شفاءها، ولكنها كانت تخاف الله أكثر مما يجب (١١٥) " وكان وفاؤها لسكارون حديث باريس، المتعطشة دون وعي منها لأمثلة للسلوك الكريم. ولما اشتد عليه شلله تيبست حتى أصابعه وامتنعت حركتها، فعجز عن أن يقلب صفحة أو يمسك قلمًا. فكانت تقرأ له، وتكتب ما يمليه عليها، وتقوم على كل حاجاته. وقبل أن يموت (١٦٦٠) كتب فبريته التي قال فيها:
"إن الراقد الآن هنا قد أثار من الشفقة أكثر مما أثار من الحسد، وعانى ألف مرة عذاب الموت قبل أن يفقد الحياة. فيا أيها العابر لا تحدث ضجيجًا، وإياك إياك أن توقظه، فهذه أول ليلة ينام فيها سكارون المسكين".
ولم يخلف لزوجته غير الدائنين. وألقيت "الأرملة سكارون" في خضم الفقر مرة أخرى وهي يعد شابة في الخامسة والعشرين. والتمست من الملكة الأم أن يجدد معاشها الذي ألغي، فرتبت لها آن ألف جنيه في العام. واتخذت فرانسواز حجرة في دير، وتواضعت في عيشها وملبسها، وارتضت القيام بشتى المهام الصغيرة في البيوت الميسورة (١١٧). وفي ١٦٦٧ أرسلت إليها مدام دمونتسبان وهي على وشك الوضع رسولًا يطلب إليها أن تتلقى الوليد المنتظر وتربيه. ورفضت فرنسواز، ولكنها قبلت حين أيد لويس الطلب. وظلت سنوات عديدة بعد ذلك تتلقى أطفال الملك وهم يخرجون إلى النور.
[ ٣١ / ٦٦ ]
وتعلمت أن تحبهم، وكانوا يرون فيها أمًا لهم؛ أما الملك الذي ضحك منها أول الأمر لفرط احتشامها، فقد انتهى إلى الإعجاب بها، وأثر فيه ما بدا من حزنها حين مات أحد الأطفال رغم حدبه المتصل عليه. وقال إنها تعرف كيف تحب، وإنها لمتعة أن يكون إنسان موضع حبها (١١٨) "، وفي ١٦٧٣ قررت شرعية الأطفال، ولم يعد فرضًا على مدام سكارون أن تتستر، فقبلت في البلاط وصيفة لمدام دمونتسبان. ووهبها الملك ٢٠٠. ٠٠٠ جنيه دعمًا لمركزها الجديد. فاشترت بالمال ضيعة في مانتنون قرب شارتر. ولم تعش فيها قط، ولكن أعطتها لقبًا جديدًا، وهو المركيزة دمانتنون.
وكانت طفرة عنيفة لمن كانت تشكو الإملاق منذ عهد قريب جدًا، ولعلها أدارت رأسها حينًا. وآلت على نفسها أن تنصح مدام دمونتسبان بأن تكف عن حياة الإثم التي تحياها. وساءت النصيحة مونتسبان، وظنت أن مانتنون تكيد لها للحلول محلها، والحق أن لويس كان آنئذ، في ١٦٥٧، قد اخذ يضيق بغضبات مونتسبان، ويجد لذة في التحدث إلى المركيزة الجديدة ولعل الأسقف بوسويه، بالتواطؤ مع الملك، أنذره بأنه سيحرم من تناول قربان القيامة ما لم يطرد محظيته. فأمرها بأن تبرح القصر، ففعلت، وتناول لويس القربان، وتعفف حينًا واستحسنت مدام دمانتنون مسلكه، دون أن يكون لها قصد أناني فيما يبدو (١١٩)، لأنها رحلت بعد قليل مع صبي عليل (من أبناء مونتسبان) هو الدوق دمين تلتمس له الشفاء في حمامات باريج الكبريتية بإقليم البرانس. وانطلق لويس إلى حروبه، ثم عاد وقد اشتد به الجوع، وضرب بإنذار بوسويه عرض الحائط، ودعا منتسبان لتعود إلى جناحها في فرساي. وهناك ارتمى بين ذراعيها المشتاقتين، فحبلت ثانية.
أما مانتنون فقد رحب بها الملك ومحظيته عند عودتها من البرانس مع الدوق الذي شفي مما ألم به، ولكن راعها أن تراه غارقًا في عدة علاقات
[ ٣١ / ٦٧ ]
آثمة في وقت واحد. وفي ١٦٧٩ اختتم آثامه مع مونتسبان بتعيينها مشرفة على بيت الملكة-وكانت تلك إحدى الفظاظات الكثيرة التي جرح بها شعور ماري تريز. وثارت مونتسبان وبكت، ولكنه غزاها بالهبات السخية. وبعد عام تسلمت مانتنون وظيفة مماثلة-هي الوصيفة لمخدع زوجة ابنه البكر (الدوفينه)، وكان الوحيد الباقي على قيد الحياة من أبنائه الشرعيين. وكثر تردد الملك الآن على الدوفينه للتحدث إلى مانتنون. وما من شك في أنه أراد أن يجعل المركيزة خليلة له، وأنها ردته عن نفسها-لا بل أنها ناشدته أن يكف عن جنوحه ويعود تائبًا إلى الملكة (١٢٠). فأذعن لها ولبوسويه، وفي ١٦٨١، وبعد عشرين عامًا من مغازلة النساء، أصبح زوجًا مثاليًا. أما الملكة التي وطنت نفسها من أمد بعيد على تقبل خياناته، بل على تقبل خليلاته، فقد حظيت برضاء الملك ولكن لعامين فقط، لأنها ماتت عام ١٦٨٣.
وظن لويس أن مانتنون سترضى الآن بأن تكون خليلته، ولكنها قابلته بصد لبق، فهو الزواج وإلا فلا (١٢١). وفي تاريخ لا يعرف على التحديد، ولكنه على الأرجح في ١٦٨٤، تزوجها، وكان في السابعة والأربعين، وهي في الخمسين. وكان ارتباطًا غير متكافئ، لا يصيب الطرف الأدنى فيه إلا رتبة جديدة ولا حقوق وراثية. ولقي مستشارو الملك عنتًا في ثنيه عن إعطاء زوجه الحقوق الكاملة وتتويجها ملكة، وذكروا له ما سيكون من تذمر الأسرة المالكة والحاشية إذا وجدوا انهم ينحنون احترامًا لمربية. وعليه لم يعلن نبأ الزواج، وهناك من يظنون أن الزواج لم يتم قط. أما سان-سيمون، المتشبث أبدًا بالنظام الطبقي، فرأى أنه "زواج مخيف (١٢٢) " ولكنه كان خير رباط وأسعده للملك، والوحيد الذي رعى عهوده فيما يبدو. ولقد اقتضاه نصف قرن تقريبًا أن يكتشف أن في حب المرأة لزوجها عن غيرها من النساء.
[ ٣١ / ٦٨ ]