وفي هذه الأثناء كان نابليون يحارب للاحتفاظ بمكانه في فرنسا ولم يعد مفتونًا بانتصاراته. وكاد يتعيّن على كل أسرة في فرنسا أن تسلّم ابنا أو أخا آخر من أبنائها. لقد كانت الطبقة الوسطى قد رحّبت بنابليون كحامٍ لها، لكنه الآن أصبح ملكيًا أكثر من البوربون وحلّق حوله الملكيين الذين كانوا قد تآمروا لخلعه. ولم يكن القسس يثقون في نابليون، وكان الجنرالات الفرنسيون يتمنَّون السلام. وكان نابليون نفسه قد تَعِب من الحرب. لقد تضخم بطنه (كرشه) وأرهقته الآلام وكبر سنه وبَطُؤ تفكيره وتذبذبت إرادته، ولم يعد قادر أن يستخلص من جوهر النصر فتنة تدعوه إلى مزيد من المعارك أو تفتح شهيته للحكم. كيف يستطيع هذا الرجل المرهق أن يجد في هذه الأمة المرهقة الموارد البشرية المطلوبة لمواجهة أعداء في ذروة الاندفاع؟
لكن اعتزازه بنفسه وفخره كانا هما آخر قوة يركن إليها. فهذا القيصر الغادر، هذا الراقص الوسيم الذي يلعب دور الجنرال، وهذا الجيش الذي يصيبه الرعب أمام القوزاق Cossack - جيش فريدريك، وهذا المارشال الفرنسي الذي تخلّى عن قضية وطنه والمفترض أنه سيقود الجيش السويسري ضد بلاده (فرنسا) - كل أولئك لن يجدوا الشجاعة والمهارة والسرعة التي تحلى بها الجندي الفرنسي، والتي تتحلى بها أمة قوية متحمسة لحماية أرقى الحضارات في أوروبا. قال نابليون في ديسمبر سنة ١٨١٢ في دعوة يائسة لاستنهاض الفخر العنصري: "من الآن فصاعدا ليس لأوروبا إلا عدو واحد - الصنم الروسي الكبير".
ومن ثمّ فرض الضرائب وتفاوض للحصول على القروض، وسحب من رصيده المالي في أقبية التوليري، وأصدر الأوامر باستدعاء دفعة التجنيد الإجباري لسنة ١٨١٣ للخدمة العسكرية الفعلية، وأن يتم تدريب دفعة ١٨١٣، كما أمر بإعداد الكتائب العسكرية التي كانت معدّة للخدمة داخل فرنسا، لتكون مستعدة للحرب خارجها كما أمر بإبرام عقود
[ ٤٧ / ٤٠ ]
لتمويل جيشه بالذخائر والملابس والأسلحة والخيول والطعام. ونظم أمور التدريب والتقدم والمعركة بمركزة الكتائب المدرّبة في مواقع بعينها، وجعلها مستعدة كي ينضم بعضها إلى بعضها الآخر عند صدور الأوامر، لتكون معًا في المكان المحدد والزمان المحدّد. وفي منتصف أبريل ١٨١٣ كان قد نظّم جيشًا بلغ تعداده ٢٢٥،٠٠٠ رجل. وعيّن وصيّ regent ماري لويز ليقوم مقامه عند غيابه في الجبهة وجعل من مينيفال Meneval سكرتيرًا لها، وكان مينيفال هو سكرتيره المرهق، وغادر نابليون باريس في ١٥ أبريل لمقابلة جيوشه في مين Main وإلبا Elbe (مفهوم أنه نهر إلبا وليس الجزيرة المعروفة).
وسار يوجين جنوبًا ومعه البقية الناجية من الفاجعة الروسية (الهزيمة في روسيا) ومعه أيضًا جنود تم استدعاؤهم من مواقعهم في ألمانيا، وأقبل من الجنوب برتران Bertrand. وبهؤلاء الرجال الموثوق بهم على رأس ميسرته وميمنته تحرك نابليون متقدمًا بجيشه (جيش مين Main)، وفي ٢ مايو قابل من ليتزن Lutzen بالقرب من ليبزج Leipzig جيشًا متحالفًا بقيادة الجنرال الروسي ويتجنستن Wittgenstein وبرعاية القيصر والملك. عدد الجنود الفرنسيين الآن ١٥٠،٠٠٠، وعدد الجنود الروس ٥٨،٠٠٠ أما الجنود البروس فعددهم ٤٥،٠٠٠. وربما ليشجع الإمبراطور جنوده ويزيد من حماسهم راح يخاطر بنفسه في مقدّمة الجيش، فقد كتب المارشال مارمون Marshal Marmont: " ربما كان هذا اليوم قد شهد مخاطرته بنفسه كأشد ما تكون المخاطرة في ميدان المعركة". وهُزِم الحلفاء وتراجعوا لكن بعد أن كبدوا الفرنسيين ٢٠،٠٠٠ رجل (أي بخسارة تزيد بمقدار ٨،٠٠٠ عن خسائر أعدائهم).
لكن فريدريك أوغسطس الأول ملك سكسونيا قرر ضم جيشه البالغ عدده ١٠،٠٠٠ جندي إلى القوات الفرنسية خوفًا من جارته النهمة بروسيا، فكان في ذلك - إلى حد ما - عزاء لنابليون. وفي ٩ مايو أصبحت دريسدن عاصمة فريدريك أوغسطس قاعدة لنابليون يقود منها معركتين.
ومخافة أن تنضم النمسا إلى الحلفاء لمحاولة الاستيلاء مرة أخرى على شمال إيطاليا، أرسل نابليون قائده يوجين إلى ميلان Milan لإعادة بناء جيشه هناك ومراقبة الثوريين
[ ٤٧ / ٤١ ]
الإيطاليين. وغادر نابليون - نفسه - دريسدن في ١٨ مايو آملًا أن يحقق نصرًا أكثر حسمًا على المتحالفين ضده الذين أعادوا تنظيم أنفسهم في بوتزن Bautzen إلى الشرق من دريسدن بثلاثين ميلًا، فأرسل قائده ني Ney ليتقدم في نصف دائرة مُلتفًا حول العدو مهاجمًا إياه من المؤخرة، بينما هو نفسه (نابليون) يقود الجيش الرئيسي ليشن هجومًا على مقدمة العدو، وتأخر ني Ney فلم يستطع منع الحلفاء الذين هزمهم نابليون من التراجع إلى سيليزيا Silesia بعد أن فقدوا ١٥،٠٠٠ مقاتل. وتقدم نابليون إلى الأودر Oder وضم جنود الحامية الفرنسية في جلوجاو Glogau إلى جيشه. لقد كتب أحد المهاجرين الفرنسيين (الذين تركوا فرنسا عقب أحداث الثورة الفرنسية) واسمه روجر دي داماس Roger de Damas معبرًا عن غضبه: "إن الإمبراطورية الفرنسية قد حلت بها نكبة ومع هذا فقد خرجت منتصرة".
وفي هذه اللحظة وبينما كان نابليون يتحرك على طول الأودر ويضم حاميات فرنسية أخرى إلى جيشه، استمع نابليون إلى عرض ميترنيخ بتوسط النمسا لترتيب سلام بين القوى المتحاربة. وحثّه بيرثييه Berthier باسم الجنرالات، وكولينكور Caulaincourt باسم الدبلوماسيين على القبول خوفًا من حرب طويلة مع حلفاء متحدين لهم موارد لا تنفد، بينما فرنسا منقسمة مستنزفة، وأحس نابليون بمؤامرة (فخ) لكنه كان يأمل في أن عقد هدنة سيتيح له وقتًا لتجنيد مزيد من الجنود وتعزيز سلاح الفرسان في جيشه، كما خشي من أن رفضه عرض ميترنيخ قد يؤدي إلى انضمام النمسا إلى المتحالفين ضده. وتم ترتيب أمور الهدنة في بلايسفيتز (بلايسفيتس Pleisswitz) (٤ يونيو) وكانت هذه الهدنة لمدة شهرين ثم مُدّت في وقت لاحق إلى ١٠ أغسطس.
وسحب نابليون قواته إلى دريسدن وأصدر توجيهاته باستكمال كتائبه واتجه إلى مينز Mainz ليقضي بعض الوقت مع ماري لويز فربما تستطيع أن تحث أباها على مواصلة تحالفه مع فرنسا، ذلك التحالف الذي كانت هي ضمانه. وفي هذه الأثناء راح ميترنيخ يزيد عدد الجيش النمساوي ويقوّيه بالمعدّات اللازمة متظاهرًا بأن ذلك العمل موجه ضد أعداء نابليون (المتحالفين).
واستفاد المتحالفون ضد نابليون من الهدنة. لقد رحبوا ببيرنادوت Bernadotte الذي
[ ٤٧ / ٤٢ ]
جعل الآن جيشه المكوّن من ٢٥،٠٠٠ مقاتل في خدمة قضيتهم. وأتى معه مورو Moreau الذي كان قد اُتِّهمَ بارتباطه بمتآمرين لقتل نابليون وسُمِحَ له بالهجرة إلى أمريكا. لقد عاد الآن ليعرض خدماته على الحلفاء باعتباره يعرف أسرار إستراتيجية نابليون. لقد ركّز على قاعدة واحدة: تجنبّوا المعركة إذا كان نابليون يقودها، واسعوا إليها (المعركة) عندما يكون بعيدًا. وكان الحلفاء أكثر سعادة بلورد كاثكار Cathcart الذي قدم لهم في ١٥ يونيو إعانة مالية مقدارها أربعة ملايين جنيه على ألاَّ يعقدوا سلامًا مع نابليون دون موافقة انجلترا.
وفي ٢٧ يونيو قبل المتحالفون ضد نابليون وساطة النمسا واتفقوا على أن يرسل الأطراف الثلاثة مفاوضين إلى براغ لترتيب شروط السلام. وأرسل نابليون كلا من ناربون Narbonne وكولينكور على أمل أن يكون اطمئنان إسكندر إلى كولنيكور (الذي جعل نابليون معه ناربون لمراقبته) سببًا للوصول إلى نتائج مواتية. وعلى كل حال فإن الشروط التي قُدّمت لنابليون من خلال كولينكور وميترنيخ كانت راجعة في رأيه إلى هزيمته (السابقة) في روسيا وبولندا وإلى الثورة البروسية ضده.
لقد طُلب منه أن يُسلِّم المناطق التي استولى عليها من بروسيا، وأن يترك كل دعاويه في دوقية، والدول - المدن الهانسياتية Hanseatic وبوميرانيا Pomerania وهانوفر وإيليريا Illyria وكونفدرالية الرّاين. وأنه يمكنه العودة إلى فرنسا ليحتفظ بحدودها الطبيعية وبعرشه وبأسرته الحاكمة لا يتحداها أحد. لكن كان هناك عيب خطير في هذه الاقتراحات: لإنجلترا الحق في إضافة مطالب أخرى، وأن المتحالفين ضد نابليون لن يُوقِّعوا سلامًا مع نابليون دون موافقة إنجلترا.
وأرسل نابليون إلى براغ طالبًا تأكيدًا رسميًا لهذه الشروط، فلم يصله هذا التأكيد إلا في ٩ أغسطس مع تحذير من ميترنيخ أن الهدنة ستنتهي في منتصف ليلة العاشر من أغسطس، وسينفض مؤتمر الحلفاء في هذا الوقت أيضًا ولابد أن تصل موافقة نابليون قبل هذا التاريخ. وأرسل نابليون موافقة مشروطة لم تصل إلى براغ حتى إعلان ميترنيخ انتهاء الهدنة وفضّ المؤتمر. وفي ١١ أغسطس انضمت النمسا إلى الحلف المضاد لفرنسا، واستُؤنفت الحرب.
[ ٤٧ / ٤٣ ]